أبو عثمان المازني

أبو عثمان بكر بن محمد بن عثمان المازني (؟ - 247 هـ) هو نحوي ومتكلِّم من البصرة، ومن أشهر علماء عصره، ويُعدُّ شيخ الطبقة السادسة من المدرسة البصرية في النحو. امتلك المازني براعة في التصريف إلى جانب تعمُّقه في النحو، وهو أوَّل من ألَّف كتاباً مستقلاً يختصُّ بعلم الصرف.[1] وكان للمازني إلى جانب أبي عمر الجرمي دور هام في ترسيخ مبادئ النحو البصري في تلك الفترة واستكمال تدوينه، ومن ثمَّ نقل المذهب البصري إلى تلامذتهما.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

حياته

وُلِدَ المازني في البصرة، وتاريخ ولادته غير معروف، وهو في الأصل مولى بني سدوس، ولكنَّه ترعرع وعاش صباه بين بني مازن بن شيبان بن ذُهل فانتسب إليهم.[2] تأثَّر المازني كثيراً بسيبويه، وكان الكتاب هو الأساس الذي يبني عليه المازني مذهبه في النحو، إلا أنَّه يظلُّ أكثر استقلالاً من صديقه أبي عمر الجرمي، وله آراء خالف فيها سيبويه ورفض شواهده واستدلالاته مثل الإخبار عن «أَلا» ورفض عمل الأوزان «فَعِل» و«فَعِيلا».[3] وأخذ المازني النحو عن معمر بن المثنى وأبي زيد الأنصاري والأخفش الأوسط، وأخذ الأدب عن عبد الملك الأصمعي وأبي عبيدة.[4] وتعمَّق في النحو حتى ذاع صيته وأصبح واحداً من أشهر علماء ذلك العصر، واستحوذ على النحو البصري وعُدَّ شيخ الطبقة السادسة من نحاة البصرة، وبلغ مبلغاً من العلم حتى قيل: «لم يكن بعد سيبويه أعلم من المازني في النحو»،[5] ووضعه الجاحظ ضمن ثلاثة نحاة لم ينازعهم أحد في زمنهم إلى جانب العباس بن فرج الرياشي وأبي إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن الزيادي.[6] خرج المازني إلى بغداد في خلافة المعتصم بالله، وأخذ النحو عن أهلها. استقدمه الخليفة الواثق بالله إلى سامراء، ومكث فيها ردحاً من الزمن ازدادت شهرته وحقَّق نجاحاً كبيراً، وكان الخليفة يُوكِل إليه اختبار العلماء الوافدين، وعلى الرغم من أنَّ الواثق رغَّبَه بالبقاء اعتذر المازني وعاد إلى البصرة ومات هناك في سنة 247.[7]

كثيراً ما يُقارن المازني بالفقهاء، وأجمع الناس على صدقه وأمانته وعلمه وكان العلماء يأخذون الروايات عنه، وكان هو يرى أنَّ «العلم كُله هو الفقه»، قرأ المازني القرآن على يد يعقوب بن إسحاق الحضرمي، وتمكَّن من علم الكلام، وخاض مناظرات فيه، وقال عنه المبرد الذي أخذ عنه النحو: «إذا ناظر أهل الكلام لم يستعن بشيءٍ من النحو، وإذا ناظر أهل النحو لم يستعن بشيءٍ من الكلام».[4][6]


مناظراته

عُرِفَ المازني بحذقه وذكائه وقدرته الفائقة على النقاش والجدال وتقديم الحجج، ولم يدخل في مناظرة إلا خرج منها منتصراً.[4] ودخل المازني في مناظرة مع التوزي في حضرة الخليفة الواثق بالله حول بيت أنشدته جارية، وكان البيت الذي يقع عليه الخلاف يُنسب إلى الشاعر الأموي عبد الله بن عمر العرجي يقول فيه: «أظلوم إن مصابكم رجلاً أهدى السلام تحية ظلم»، واختلف من كان بحضرة الواثق حول إعراب «رجلاً»، وتمسَّكت الجارية بما لقَّنها المازني، بنصب «رجلاً»، فطلب الواثق إحضار المازني، فحضر وخاض نقاشاً مع التوزي حول إعراب الكلمة، فكان المازني يقول أنَّها منصوبة على المفعولية والعامل فيها المصدر، وهذا هو الصحيح، أمَّا التوزي فذهب إلى أنَّ «رجلاً» خبر إنَّ، فقال المازني موجِّها حديثه نحو التوزي: «هو بمنزلة قولك: إنَّ ضَرْبَك زيداً ظُلم، فالرجل مفعول مصابكم، وهو منصوب به، والدليل عليه أن الكلام معلق إلى أن تقول ظلم، فيتم [الكلام]»، فاعترف التوزي بصحَّة ما قاله المازني.[8][9]

وقد اشتهر المازني بمناظرته العلماء أنَّ «بغيا» الأصل فيها فعول وإن كانت على وزن فعيل.[10] ودخل في مناظرة أخرى مع ابن السكيت في مجلس الخليفة المتوكِّل بالله، حول وزن الفعل «نكتل» في الآية: «فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ»، وانتصر على ابن السكيت. ودخل كذلك في مناظرة أخرى مع الأخفش.[4]

شيوخه وتلامذته:

كان إمام عصره في النحو والأدب، وأخذ الأدب عن أبي عبيدة والأصمعي وأبي الأنصاري وغيرهم، وأخذ عنه أبو العباس المبرد وبه انتفع وله عنه روايات كثيرة.


كتبه

على الرغم من المكانة التي وصل إليها المازني في النحو فقد امتنع عن التأليف، وقد سُئِل يوماً عن هذا فقال: «من أراد أن يصنف كتاباً كبيراًًً في النحو بعد كتاب سيبويه فليستحِ»، ولكنَّه تراجع بعد ذلك وألَّف ستة كتب، لم يصلنا منها شيء،[11] ومصنَّفاته كالتالي:

  • «التصريف» (أشهر ما كتب على الإطلاق، تبرز أهميَّته التاريخية باعتباره أوَّل كتاب يؤسِّس لعلم الصرف باعتباره مجالاً مستقلاً عن النحو، شرح الكتاب اللغوي الشهير ابن جنِّي في كتابه "المُنصِف على تصريف المازني").
  • «الألف واللام».
  • «التصريف» وشرحه الإمام أبو الفتح، عثمان بن جني (ت392هـ)، وحققه إبراهيم مصطفى وعبد الله أمين، وطبع في وزارة المعارف، في مصر، عام، 1954.
  • «العروض».
  • «القوافي».
  • «علل النحو».
  • كتاب ما تلحن فيه العامة.
  • كتاب الديباج عللاً خلاف كتاب أبي عبيدة.

أخباره

قال أبو جعفر الطحاوي الحنفي المصري: سمعت القاضي بكار بن قتيبة، قاضي مصر، يقول: ما رأيت نحوياً قط يشبه الفقهاء إلا حيان بن هرمة والمازني، يعني أبا عثمان المذكور، وكان في غاية الورع. ومما رواه المبرد أن بعض أهل الذمة قصده ليقرأ عليه كتاب سيبويه وبذل له مائة دينار في تدريسه إياه، فامتنع أبو عثمان من ذلك، قال: فقلت له: جعلت فداك، أترد هذه المنفعة مع فاقتك وشدة إضاقتك، فقال: إن هذا الكتاب يشتمل على ثلاثمائة وكذا وكذا آية من كتاب الله عز وجل، ولست أرى أن أمكن منها ذمياً غيرة على كتاب الله وحمية له؛ واتفق أن غنت جارية بحضرة الواثق بقول العرجي :

أظلوم إن مصابكم رجلاً ... أهدى السلام تحية ظلم

فاختلف من كان بالحضرة في إعراب (رجلاً)، فمنهم من نصبه وجعله اسم إن، ومنهم من رفعه على أنه خبرها، والجارية مصرة على أن شيخها أبا عثمان المازني لقنها إياه بالنصب، فأمر الواثق بإشخاصه. قال أبو عثمان: فلما مثلت بين يديه قال: ممن الرجل قلت: من بني مازن، قال: أي الموازن؟ أمازن تميم أم مازن قيس، أم مازن ربيعة؟ قلت: من مازن ربيعة، فكلمني بكلام قومي، وقال: باسمك؛ لأنهم يقلبون الميم باء والباء ميماً، قال: فكرهت أن أجيبه على لغة قومي كيلا أواجهه بالمكر، فقلت: بكر يا أمير المؤمنين، ففطن لما قصدته، وأعجب به، ثم قال: ما تقول في قول الشاعر:

أظلوم إن مصابك رجلاً ...

أترفع رجلاً أم تنصبه؟ فقلت: بل الوجه النصب يا أمير المؤمنين، فقال: ولم ذلك فقلت: إن مصابكم مصدر بمعنى إصابتكم، فأخذ اليزيدي في معارضتي، فقلت: هو بمنزلة قولك: إنَّ ضَرْبَك زيداً ظُلم، فالرجل مفعول مصابكم، وهو منصوب به، والدليل عليه أن الكلام معلق إلى أن تقول ظلم فيتم، فاستحسنه الواثق، وقال: هل لك من ولد قلت: نعم، بنية يا أمير المؤمنين، قال: ما قالت لك عند مسيرك؟ فقلت: طافَتْ حولي وأنشد وهي تبكي قول َالأعشى:

أيا أبتا لا ترم عندنا ... فإنا بخير إذا لم ترم

أَرانا إِذا أَضمَرَتكَ البِلا دُ نُجفى وَتُقطَعُ مِنّا الرَحِم

قال: فما قلت لها قال: قلت لها ما قال جرير لابنته:

ثِقي بِاللَهِ لَيسَ لَهُ شَريكٌ وَمِن عِندِ الخَليفَةِ بِالنَجاحِ

قال: علي النجاح، إن شاء الله تعالى، ثم أمر لي بألف دينار، وردني مكرماً، قال المبرد: فلما عاد إلى البصرة قال لي: كيف رأيت يا أبا العباس رددنا لله مائة فعوضنا ألفاً. وكان أبو عثمان مع علمه بالنحو متسعاً في الرواية؛ قال أبو القاسم الكوكني: حدثني العنزي قال: أنشد رجل أبا عثمان المازني شعراً له وقال: كيف تراه قال: أراك قد عملت عملاً بإخراج هذا من صدرك لأنك لو تركته لأورثك السل. وروى المبرد عنه أيضاً قال: قرأ علي رجل كتابسيبويه في مدة طويلة، فلما بلغ آخره قال لي: أما أنت فجزاك الله خيرا، وأما أنا فما فهمت منه حرفاً.


وفاته

توفي أبوعثمان المازني المذكور في سنة تسع وأربعين ومائتين، وقيل: ثمان وأربعين، وقيل: ست وثلاثين ومائتين بالبصرة، رحمه الله تعالى.

المصادر



  1. ^ أحمد الطنطاوي. نشأة النحو وتاريخ أشهر النُّحاة. دار المعارف - القاهرة. الطبعة الثانية - 1995. ص. 47. ISBN 977-02-4922-X
  2. ^ عبد الكريم الأسعد. الوسيط في تاريخ النحو العربي. دار الشروق للنشر والتوزيع - الرياض. الطبعة الأولى. ص. 76
  3. ^ محمد ولد اباه. تاريخ النحو العربي في المشرق والمغرب. دار الكتب العلمية - بيروت. الطبعة الثانية - 2008. ص.
  4. ^ أ ب ت ث المازني (بكر بن محمد-). الموسوعة العربية. إبراهيم عبد الله. المجلد السابع عشر، الصفحة 478. تاريخ الوصول: 22 أغسطس 2016 Archived 2020-05-11 at the Wayback Machine
  5. ^ عبد الكريم الأسعد، ص. 76
  6. ^ أ ب محمد ولد أباه، ص. 125
  7. ^ عبد الكريم الأسعد، ص. 76-77
  8. ^ ابن كثير. البداية والنهاية. الجزء العاشر، فصل "أبو عثمان المازني النحوي"
  9. ^ عبد الكريم الأسعد، ص. 77
  10. ^ محمد ولد اباه، ص. 125
  11. ^ جرجي زيدان. تاريخ آداب اللغة العربية. مؤسسة هنداوي للنشر - القاهرة. نُشِر في 2013. رقم الإيداع: (19623/2013). ص. 585