سوريا تحت حكم محمد علي

بعد عقد اتفاقية كوتاهية، انسحب ابراهيم باشا بجيوشه من الأناضول إلى البلاد التي تقرر ضمها إلى حكومة محمد علي، وتولى منصبي الحاكم العام والقائد العام فيها، لكنه وجه اهتمامه الى الشؤون العسكرية، فحد في العمل لتأمين الحدود، واقرار الأمن والسكينة في البلاد، ورمم أسوار عكا، وحصن الحدود الشمالية تحت مراقبة مهندسين أوربيين لصد هجوم الأتراك فيما لو حدثتهم نفوسهم أن يسترجعوا سوريا. ووزع جيشه الذي كاني بلغ نحو سبعين ألف مقاتل في جهات مختلفة من سوريا، انما جعل معظمه في شماليها لأجل حماية الحدود، كما أنه جعل مقره العام في أنطاكية مراعيا في اختياره اياها دون سواها موقعها الحربي، وجودة هوائها، وكثرة العلف في جوارها، هذا فضلا عن قربها من مصدر الخطر التركي الذي كان لابد له من السهر على مراقبته بنفسه. وزيد جيشه فيما بعد حتى بلغ نحو خمسة وثمانين ألفا، هذا ما عدا المتجندين الحديثين من سوريا.

دخلت الشام في حكم الدولة المصرية بعد صلح كوتاهية الذي توج انتصارات الجيش المصري، واصبحت مصر المرجع الاعلى لحكومة الشام، وصار ابراهيم باشا حاكما عاما للبلاد السورية وقائدا للجيش المصري.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

نظام الحكم المصري

كانت سوريا قبل أن يستولي عليها ابراهيم باشا مقسمة الى أربعة أقسام كبرى وهي: إيالات حلب وطرابلس ودمشق وصيدا، وكانت القدس ويافا وغزة داخلة في هذا التقسيم. غير أن الوزير الذي كان يتولى الحكم على ايالة صيدا كان يبسط سلطته أحيانا على البلدان المذكورة وعلى ولاية طرابلس الشام. وهكذا كانت الحال لما زحف ابراهيم باشا بجيشه على سوريا، فان عبد الله باشا والي صيدا كان متوليا ادارة ايالة طرابلس الشام ومتسلطا على بلاد فلسطين حتى برية سيناء. وكانت حكومة الآستانة المرجع الأعلى لحكام البلاد السورية.

أما بعد استيلاء ابراهيم باشا على سوريا وانضمام قيليقيا اليها، أصبحت حكومة محمد علي في القاهرة المرجع الأعلى لحكومة سوريا وكيليكليا. ووضع تشكيل اداري جديد لحكومة البلاد، فجعل ابراهيم باشا حاكما عاما وقائدا عاما كما ذكرنا قبلا، وضمت عكا وسائر بلاد فلسطين حتى برية سيناء الاى ولاية الشام. وفي خريف سنة 1832 عين شريف باشا أحد أقارب محمد علي حاكما عليها، وأطلق عليه لقب "حكمدار عربستان" لأنه في أثناء السنين الأولى كان يتولى ادارة الآيالات السورية جميعها، وكان ابراهيم باشا قد فوض الى كاخيته منيب أفندي ادارة شؤون الحكومة في عكا عند استيلائه عليها، فاستبدله في رمضان سنة 1249 هـ = كانون ثان (يناير ) سنة 1834 بالشيخ حسين عبد الهادي من زعماءنابلس وجعله تابعا لشريف باشا.

أما المدن الساحلية وهي صور وصيدا وبيروت وطرابلس ، فكان ابراهيم باشا قد وجه متسلمين اليها عند فتحها في كانون أول (ديسمبر) سنة 1831، ثم عاد في تشرين أول (أكتوبر) سنة 1832 ففوض ادارة شؤون بيروت وصيدا وصور الى الأمير بشير شهاب حاكم جبل لبنان، فولى عليها متسلمين من أقاربه ، لكن عند ارجاء التشكيلات الجديدة بعد عقد الصلح بين السلطان محمود ومحمد علي رفع سلطة الأمير بشير عن السواحل، وعين متسلمين اختارهم بنفسه.

ولم تبق التشكيلات الادارية على حال واحدة في أثناء قيام حكومة محمد علي في سوريا بل ان كثرة الاضطرابات ، واتساع دائرة الأعمال أوجبتا مراقبة الأمور مراقبة شديدة لا يقوى عليها حاكم واحد. فولى سليمان باشا الفرنساوي على إيالة صيدا التي كانت قد سلخت عنها عكا، وجعل مقره مدينة صيدا وسليمان باشا كان أليق رجال ابراهيم باشا لهذا المنصب، لأنه كان أكثرهم أهلية لتنشيط التجارة، وأوسعهم خبرة بمعاملات الأجانب الذين كانت بيروت مركز قناصلهم، وكان فيه أكثر وأكبر بيوتهم التجارية. أما حلب فولى عليها في سنة 1838 اسماعيل بك أحد أبناء عم ابراهيم باشا، وعين أحمد منيكلي باشا حاكما على أدنه، وبعد انتقاله منها خلفه خورشيد باشا.

فبعد ذلك بقى شريف باشا متوليا على ايالة الشام والبلاد الفلسطينية بما فيها عكا. أما توليته في بادئ الرأي على جميع البلاد السورية، فواضع من تلقيبه "حكمدار عربستان" ويعززها الأوامر الصادرة منه الى أنحاء مختلفة من الآيالات السورية، والنصوص الواردة في تأليف بعض المعاصرين كنوفل نوفل وغيره. فقد قال نوفل في كتابه "كشف اللثام عن محيا الحكومة والأحكام" ص 493: ان جريدة ضبط مجالس المشورة كانت ترسل الى الشام ليراجعها يوحنا بك البحري". وهذا يدل على أن الشام كانت مركز الادارة العامة حينئذ.

وقال في الصفحة نفسها ما هو أكثر من هذا صراحة وهو: "ونصب لكل بلدة متسلما من أهل الاسلام، ومرجع الكل هو مركز الحكم العمومي الذي في الشام، وفيها يقيم الحكمدار العام الذي هو شريف بك خزينة دار محمد بك باشا سابقا.. وكذلك مدير الحسابات الذي هو الخواجة يوحنا بحري وهو بمنزلة دفتر دار عمود أيالات سوريا، وأخيرا صيره مير لواء وصار يدعي بحري بك". وقال معاصر آخر: "وهوفي 9 جماد الثاني 1249 عـ (1833م) حضر كتاب من شريف بك في حلب الى الأمير بشير الشهابي أن يأمر بعدد أهالي جبل لبنان، ويتحرر دفاتر بأسامي كل مقاطعة ببيان قراها، وتقسم على عشر مراتب، كل مرتبة فئة معلومة على قدر احتمالها بوجه العدل، وتختم الدفاتر من مشايخ القرى، وبعده تختم من أمراء المقاطعة وترسل الى عنده".

المتسلم: كان لكل مدينة متسلم يتولى ادارة أعمال البلد ومراقبتها، ويقوم في أحوال كثيرة بالأعمال التي يقوم بها قضاة الصلح والمجالس البلدية.

المباشر: كان بمثابة أمين سر المتسلم، ويتولى أيضا وظائف الصراف أو مدير المال وادارة حسابات المدينة وأموال الفريضة والميري. وكان المباشرون عادة من المسيحيين، لأنهم كانوا أكثر من سواهم خبرة بالأعمال الحسابية.

ديوان المشورة: وألف في كل مدينة عدد سكانها من عشرين ألف نفس فما فوق مجلس سمي "ديوان المشورة" عدد أعضائه يتراوح ما بين 12 و21 عضوا مراعين في ذلك عدد السكان، وكان هؤلاء الأعضاء ينتخبون من بين أعيان البلد وكبار تجارها ويمثلون جميع المذاهب، ففي دمشق مثلا كان هذا المجلس مؤلفا من واحد وعشرين عضوا ينتخبون من بين أعيان البلد وكبار تجارها ويمثلون جميع المذاهب ، ففي دمشق مثلا كان هذا المجلس مؤلفا من واحد وعشرين عضوا من المسلمين والنصارى واليهود، ورئيس هذا الديوان كان من أهل البلد أيضا. ولم يكن هذا المجلس خاضعا لسلطة المتسلم أو حاكم البلد، وفي بيروت كان مؤلفا من اثني عشر عضوا وقد ورد ووصف ديوان المشورة باسهاب في كتاب حروب ابراهيم باشا المصري في سوريا والأناضول، ج1 ص37 و38 وهو:

"في 14 رمضان 1249 هـ (1834 م) أمر ابراهيم باشا يصير ديوان مشورة في بيروت، وجعل اثني عشر رجلا من أكابر بيروت أصحاب فطنة والمتسلم لا يبدي بشئ الا بما يبرز به الحكم من ديوان المشورة بموجب كتاب منه الى أرباب الديوان المذكورة، وهم ستة: اسلام عبد الفتاح حمادة ناظر المجلس، عمر بيه (بيهم)، أحمد العريس، حسن البربير، أمين رمضان، أحمد جلول، وستة نصارى وهم: جبرايل حمصي، بشارة نصر الله، الياس منسا، ناصيف مطر، يوسف عيروت، موسى بسطرس، وترتيب الديوان المذكور:

(1) تعيين وقت معلوم كل يوم الى حضور أرباب المجلس، وعند حضورهم يحرر الكاتب أسماءهم بقايمة برتبة حضورهم لا برتبة مقامهم.
(2) الكاتب يحرر كل يوم الأشغال الموجودة عنده وحين يحضر أرباب المجلس يعرضها عليهم حتى يعملوها ولا تبقى من يوم الى يوم.
(3) اذا كانت هذه الأشغال لا تنتهي في ذلك اليوم فيصير الاجتماع ثاني يوم قبل الوقت المعين بزمان كاف لنهيها.
(4) الأشغال المذكورة المتبقية من اليوم السابق لا تتقيد في أعماله بل في اليوم الذي تنتهي فيه.
(5) حين يقرأ الكاتب الدعوى يطلب الجواب ممن هو خبير بها من أرباب الديوان قبل الجميع، وبعده يأخذ رأي الباقي بحيث لا يبقى أحد بدون تكلم، واذا وجد واحد من أرباب المجلس تكلم مع آخر في حديث خارج عن الدعوى ينبه عليه الكاتب أولا وثانيا، فاذا ما أفاد فيحرر في مضبطة المجلس ان فلان مشغول يشغل أحاديث خارجة عن المصلحة، والكاتب لازم يحرر كلما يتقرر بالمجلس ولا يترك منه شيئا وكلما يتقرر يكون مكتوبا ولا يتحرر الا الذي موافق الحق.
(6) بعد نهاية المجلس وتمام رؤية المصالح التي نظر فيها واستقر الحكم عليها باستحسان الجميع يحررها الكاتب بمسودة، وثاني يوم يبيضها ويوجهها لمحلاتها، وبعد ذلك تتقيد في سجل المجلس، وهذه الخلاصات بعد تحريرها يأخذها الكاتب كل يوم للمجلس لكي بعد نهايته يقرأها بأعلى صوته بحضور الجميع ، فان استحسنوا رأيا أوفق من الذي تقدم فيغيروا الخلاصة، وتتقدم الخلاصات لناظر المجلس فيختمها بختم مجلس الثورة، وبعد القيد تصل الى صاحب الأمر لكي يشرح عليها الى أصحابها أمرا باجراء ما يتضمن من الحكم، واذا ما كان سعادة الحاكم دار موجودا ينشرح من طرف متسلم آغا.
(7) الكاتب يمسك دفترين الواحد الى صورة المجلس المتضمنة التقرير، والآخر الى الخلاصات من بعد ختمها ويلزم حفظ المسودات اليومية ضمن كيس أيضا".

وكانت قرارات مجالس الشورة في المدن الصغيرة، تستأنف عند الاقتضاء الى مجلس مشورة عكا أو مجلس مشورة دمشق، واذا اقتضت الحال تميز قرارات هذين المجلسين الى القاهرة. على أنه لم يرو أنه حدث أي تمييز.

ومن التغييرات الادارية التي أحدثتها حكومة محمد علي القضاء على الحكم الاقطاعي، وجعل أصحاب الاقطاعات في بادئ الرأي موظفين بمرتبات مقررة لا تساوي عشر ما كانوا يستولون عليه من اقطاعاتهم، وتدرجت من ذلك الى عزلهم وتولية سواهم في أماكنهم. هكذا عاملت الامراء بني الحرفوش في بعلبك والأمراء آل شهاب في بلاد حاصبيا وراشيا، وكذلك زعماء فلسطين وغيرهم.

على أن هذه التنظيمات رغما عما لهامن حسن المظهر ومع ما في وضعها من حسن القصد، أدى تطبيقها الى خلل في الادارة واجحاف شديد بحقوق الأهلين، لأن الحكام كانوا يجهلون أو يتجاهلون حدود سلطتهم، فاتسع المجال للفوضى الادارية والاستبداد، نظرا لتجاوز كل منهم حدود وظيفته واعتدائه على سلطة غيره، وقيامهم بأعمال متناقضة وهذا ما يحدث عادة عن قلة الاختبار عند تطبيق النظامات الجديدة. انما أشاد أسباب الشكوى نشأ عن فساد العمال واستبدادهم بالعرية، من أمثلة ذلك أن شريف باشا حكمدار عربستان كان صارما مستبدا مولعا بجمع المال بطرق غير مشروعة، وحملته قرابته لمحمد علي على الظن أنه لا يحاسب على ما يفعل.

وكان اسماعيل باشا حاكم حلب محبا للمال، احتكر لنفسه الاتجار باللحوم والفواكه والبقول وما شاكل ذلك. وكان يستثمر بعض الأراضي الزراعية، ويبيع محصولاتها للتجار بالمزاد ولا يسمح لغير الذين اشتروا منه أن يبيعوا ما عندهم من جنس محصولاته، الا بعد ما يفرغ الذين اشتروا منه ما بيع ما اشتروه.

ويقال ان حنا بك بحري وأخاه جرمانوس الذي كان يتولى ادارة أموال وحسابات ولاية حلب لم يكونا أكثر نزاهة ورفقا بالأهلين من شريف باشا واسماعيل بك. وكان حنا بك يتخذ مختلف الوسائل ليزيد دخل الخزينة، وينال الحظوة لدى محمد علي وابراهيم باشا، من ذلك أنه كان يلزم بعض الاصناف التجارية في المدن كاللحم والبقول وغيرها بأسعار عالية، ويسمح للملتزمين ببيعها بأكثر من ضعفي ثمنها، فتربح الخزينة والملتزمون أرباحا فاحشة، كما يخسر الأهلون خسارة جسيمة لغلاء لوازم معيشتهم.

وكان جرمانوس يحذو حذو أخيه في سياسته المالية ، ويشارك اسماعيل بك حاكم حلب في ابتزاز الأموال. وكان المباشرون بمن تقدم، ولم يكونوا مكلفين بتقديم ضمان مالي يخشون فقده فيما لو اختلسوا الأموال، كما أن مرتباتهم كانت صغيرة لا تكفي لسد حاجاتهم واعاشة عائلاتهم، فالحاجة والفساد الاداري المنتشرة بين عمال الحكومة على اختلاف طبقاتهم، كانت تدفعهم الى اتخاذ أساليب مختلفة لكسب المال بطرق غير مشروعة. ووجود ديوان المشورة لم يحل دون وقوع المظالم بل كان هو نفسه مصدرا لكثير منها.

على أنه لا يسع المنصف الا الاعتراف بأن المبادئ التي شاء محمد علي أن يؤسس عليها الادارة والقضاء في سوريا كانت صحيحة بوجه عام، لأنها كانت ترمي الى تنظيم الأعمال وتوزيع الاختصاص بين هيئات مختلفة، ومنع الاستبداد بتقييد الحكام وغيرهم من الموظفين بالنصوص القانونية، وتدريب الأهلين على ادارة شئونهم المحلية، غير أن جهل الحكام كيفية تطبيق القوانين وفطرتهم الاستبدادية وعدم وجود مراقبة فعالة على أعمالهم، وعدم مراعاة تقاليد البلاد وعاداتها، وكثرة الاضطرابات في البلاد حالت دون بلوغ الغاية التي وضعت تلك القوانين من أجلها.

ولابراهيم باشا فضل خاص في السنين الأولى بعد الفتح في ضبط الأحكام وشدة مراقبة الحكام واجراء العدل بين الأهلين، وقد كان شديد الوطأة على المستخدمين الذين يحيدون عن السبيل القويم، فعاقب كثيرين منهم بالطرد والضرب والحبس والاعتداء على أهل البلاد أو عدم النزاهة أو غير ذلك مما يخرج عن جادة الاستقامة، فلو استمرت حكومة محمد علي في سوريا ناهجة هذا المنهج القويم الحكيم لملكت قلوب السوريين.


واخذ ابراهيم باشا في تنظيم سورية وتدبير امورها الادارية والسياسية والحربية، فعنى باقرار الامن والنظام في ربوعها، وامن الطرق، ومنع اعتداء البدو على غلات الاهالي واملاكهم وارواحهم.[1]

واخ من الوجهة الحربية يعنى بتوطيد مركز مصر في سورية، فأمن حدودها الشمالية وعنى بتحصين مضايق جبال طوروس لصد هجوم الترك اذا حدثتهم انفسهم بالزحف على الشام، ورمم حصون عكا وأسوارها، وشيد الثكنات والمستشفيات، وخطط الطرق الحربية، واستقرت الحاميات المصرية في اهم المدن السورية.

وبلغ عدد الجيش المرابط في سورية نحو سبعين الف مقاتل رابط معظمه في الجهات الشمالية القريبة من الحدود التركية.

واتخذ ابراهيم باشا مقره العام في انطاكية لموقعها الحربي وقربها من التخوم الشمالية وعين محمد شريف بك (باشا) حاكما عاما على سورية سنة 1832 ولقب حكمدار عربستان، وظل في معظم سنوات الحكم المصري يتولى ادارة الايالات السورية جميعا.

وجعل سليمان باشا الفرنساوي على ايالة صيدا (عكا)، وعين اسماعيل بك سنة 1837 حاكما لولاية حلب، وعين محمود نامي بك احد خريجي البعثات المصرية محافظات لبيروت وبقى في هذا المنصب من سنة 1833 الى سنة 1840.

ان الفوضى كانت سائدة على مالية السلطنة العثمانية من دخل وخرج سيادتها على غير ذلك من الشؤون، لان الانظمة لو وجدت لما أمكن العمل بموجبها الا بطريقة عامة لعجز حكومة الآستانة عن تنفيذ أوامرها ونظاماتها في الولايات البعيدة كالولايات السورية، فقد كان ولاة صيدا مثلا كأحمد باشا الجزار ثم عبد الله الخزندار يسيرون الأمور في البلاد التي يحكومنها حسبما شاءت أهواؤهم ومطامعهم. ومع أن الضرائب المفروضة على بلاد السلطنة كانت أنواعها ومقاديرها مقررة بوجه عام، وهي مال الميري والجزية والرسوم الكمركية – وأحيانا كانوا يلجأون الى احتكار بعض الأصناف – فأن الولاة لم يتقصروا على ذلك، بل كانوا يكلفون الأفراد والجماعات بدفع اعانات مختلفة ينتحلون لابتزازها شتى الأسباب.

وهذا جبل لبنان مع ما كان له من الامتياز الخاص، فيما أن حاكمه كان يتلقى خلعة الولاية من والي صيدا، كان أهله يكلفون ما يفوق طاقتهم دفعه من الأموال، ويسامون صنوف العذاب في تحصيلها. فالتولي على لبنان كان موضوع التنافس بين الأمراء وعرضه للمساومه بينهم وبين والي صيدا. فلما وقع التنافس بين الأمير بشير الكبير وبين طالبي الولاية من أقاربه، أكره الأمير على التنحي عن الولاية للأميرين قعدان وحيدر شهاب، لكن بعد حين رضى عنه الجزار وأرجعه الى الولاية "بعدما أخذ رهينة على المال ابنه قاسم" الخ، لكن "بعد مدة أيام ظهر ابنا الامير يوسف وكاخيتهم جرجس باز ونزلوا عكا .. فلبسهم الباشا حكام الجبل .. واستقاموا حكاما أيام. ومن طمبع الباشا رتب عليهم مالا كثيرا، وقبلوا فيه غصبا، وصار طلب الغرش من الناس بما يفوق الاحتمال. فمن اتصال الطلب هاجت العامة وطردوا أولاد الأمير يوسف ورجعوا الأمير بشير".


الضرائب

على أنه لم يمض زمن طويل حتى عزل الأمير بشير وأعيد ابنا الأمير يوسف الى الحكم "تحت مال معلوم" و"أخذ جرجس باز يفرض المال على الناس من مشايخ وعامة ومطارنة ورهبان حتى ما بقى أحد سالم من دفع غرش حتى من الغريبة (الأجانب) وكل مدة يجد طلب وشئ ما له نهاية".

أما حكومة محمد علي فقضت على هذه الفوضى، لكنها لم تخفف عن عواتق الأهلين الأثقال المالية، بل أضافت الى الضرائب التي كانت تجبى قبلا ضرائب جديدة وهي الفردة والدخوليات، واحتكرت محصول الحرير، وأوجبت دفع الأموال الأميرية عن الأملاك الموقوفة مع أنها كانت معفاة منها في عهد العثمانيين، ومع أنها ألغت الاعلانات التي كان يتقاضاها الحكام العثمانيون، فان الالغاء لم يك الا اسميا، لأنها أضافت الى مال الميري الاصلي جميع ما كان يبتزه الموظفون والملتزون في العهد العثماني، كما سنبين ذلك في الفصل التالي.

وعدا الضريبة العامة على العقار ، كانت حكومة محمد علي تجبى مالا خاصا عن الأشجار كالتوت والزيتون وغيره من الأشجار المثمرة تقدر بخمسة بالمائة من دخلها في سنة معتدلة الاقبال، وكانوا يحسبون ذلك بأن يفرضوا على كل أرض مشجرة مسطحها خمسون قدما قرشين ونصفا، يضاف الى ذلك بارتان عن كل قرض.

وكانت المغروسات الجديدة من هذه الأشجار تفرض عليها الضريبة من وقت غرسها، أي كانوا يتقاضون الضريبة عن بعضها، كالزيتون مثلا قبل أن يستثمره صاحب ببضع سنين، وهذا ما حمل كثيرين من الناس على العدول عن غرس الاشجار المثمرة.

الفردة أو الفرضة: هو ما فرضته حكومة محمد علي باشا على الذكور من مختلف المذاهب البالغين من العمر خمسة عشرة سنة الى ستين سنة. وكانت قيمتها 12 في المائة من دخل المكلفين، ولهذا كان يختلف مقدارها بحسب اختلاف درجات دخل المكلفين، انما كان لها حدان أعلى وأدنى، فلا تزيد عن خمسمائة قرش على المكلف المثرى، ولا تنقص عن خمسة عشر قرشا على المكلف الفقير. وقد شذت حكومة محمد علي عن هذه القاعدة في سنة 1839 حينما اضطرت الى المال، بسبب تجدد الحرب مع السلطان محمود، فضاعفت مقدار هذه الضريبة وجمعتها عن سنتين دفعة واحدة.

وقد كانت الفردة من أهم مصادر الدخل لخزينة محمد عي في سوريا، وكان يقوم بتقديرها وتوزيعها على طبقات المكلفين ديوان المشورة، لكن كانت الشكوى كثيرة من المحاباة في التوزيع. وتضاعفت الشكوى اذ أخذ عدد المكلفين بالتناقض بسبب الوفيات والتجنيد والمهاجرة، لأن الرجال الباقين في البلدة أو المقاطعة كانت تكلفهم الحكومة دفع ما كان مفروضا على الموفين والغائبين. أما اذا زاد عدد المكلفين في بلدة ما، فكانت تزاد الضريبة بنسبة زيادة العدد. وكان يعفى من دفع الفردة رجال الدين والموظفون الملكيون والعسكريون، كما أن الجنود لم يكونوا مطالبين بدفع الفردة في أثناء تجندهم، غير أن أهلهم أو مواطنهم كانوا يكلفون بدفعها عنهم.

رسوم الكمارك والدخوليات: كانت الرسوم الكمركية التي تستوفى من الأجانب اقل كثيرا من الرسوم التي تستوفى من رعايا الحكومة المحلية. على أن اللوم في ذلك لم يكن واقعا على حكومة محمد علي بل على الحكومة العثمانية التي خولت الأجانب الامتياز على رعاياها بمقتضى معاهداتها مع الدول الأجنبية. فبمقتضى تلك المعاهدات كان يدفع الرعايا الأجانب رسوما كمركية قدرها من نصف الى واحد بالمائة عن الأصناف المذكورة في التعريفة وثلاثة بالمائة عن الأصناف غير المذكورة فيها. أما الرعايا المحليون فكانوا يدفعون أضعاف ذلك مرارا في عهد الحكومة العثمانية، فخفضها محمد علي الى أربعة بالمائة عن جميع البضائع المذكورة في التعريفة وغير المذكورة فيها.

وكانت تجبى مثل هذه الرسوم عند ارسال البضائع من مدينة الى مدينة في داخل البلاد، ويكلفون فوق ذلك رسوم مختلفة، كرسم التسريح مثلا فتصبح جملة الرسوم التي يدفعونها من 6.2 إلى عشرة في المائة الى 12 بالمائة. بينما جملة ما يستوفي من الأجانب في مثل تلك الأحوال لم يكن ليتجاوز 3.2 بالمائة . على أنه كما ذكر قبلا كانت معاملة التجار الوطنيين من جهة الرسوم في عهد محمد علي أفضل منها في عهد الحكومة العثمانية، حيث كان يبلغ مجموع الرسوم ما بين 18 و21 بالمائة، ولهذا عجز التجار الوطنيون عن مجاراة التجار الأجانب، ليتخلصوا من الرسوم الباهظة وكانوا في مقابل ذلك يدفعون لأولئم الأجانب مبلغا قدره 3 أو أربعة بالمائة من قيمة بضائعهم.


رسم التسريح: وكان يستوفي رسم تسريح على المحصولات المحلية عند ارسالها من بلد الى آخر إما لأجل المقوطعية الخصوصية أو للاتجار به، أما الأجانب فكانوا مفين من رسوم التسريح اذ كانت المحصولات المطلوبة لأجل مصروفهم الخاص. وكان بعض موظفي القنصليات يسيئون استعمال هذا الامتياز فيطلبون مقادير كبيرة من المحصولات زاعمين أنها لازمة لسد حاجاتهم، فيستهلكون بعضها ويبيعون البعض الآخر.

رسوم الدخولية على الحيوانات: ان الحيوانات التي تدخل المدن كان يستوفى عنها عند دخول المدينة رسوم دخولية قدرها عن رأس البقر من 12 إلى 21 قرشا اذا لم يكن دخوله لأجل الذبح، ومن ستين الى سبعين قرشا اذا كان لأجل الذبح.

أما الغنم والمعزى والجمال فكانت تستوفي عنها رسوم سنوية.

الضريبة صنفا (الشونة): عدا مال الميري الذي كان يستوفى نقدا، كان أهالي كل ناحية يكلفون تقديم بعض ما يلزم الجيش من حصالاتهم، كالحبوب والسمن والزيت الخ. وكانوا يكلفون نقل هذه الحاصلات الى أقرب شونة عسكرية من بلدتهم، اما على دوابهم أو على دواب يستأجرونها بمالهم. ولم يقف الحيف عليهم عند هذا الحد، بل كانوا عند تسليم المقدار المطلوب منهم يجدونه ناقصا، لأن الحكومة على ما يقال كانت تستعمل ميزانين ومكيالين مختلفين في الوزن والكيل. فالميزان أو المكيال الكبير تتسلم بموجبه من الأهلين، والصغير تستعمله عند ما يكون التسليم منها اليهم. وكان الفرق بين الاثنين نحو الربع. فبسبب هذه المعاملة الجائرة، كان الملاك مكلفين بتسديد العجز صنفا أو دفع ثمنه نقدا.

دخل الخزينة وخرجها: ان حكومة محمد علي زادت الضرائب على السوريين زيادة فاحشة، ففي جبل الشوف وتوابعه لا غير كانت الزيادة من مال "الفردة" فقط 1.919.500 غرش، لكن بالرغم عن ذلك لم يكن مجمود الدخل كافيا للقيام بنفقات الحكومة. على أن أحوال سوريا حينئذ كانت شاذة، وكان فيها جيش جرار اضطرت حكومة محمد علي لحشده لاخماد الثورات، أو لتكون على استعداد لصد هجوم العثمانيين اذا حاولوا استرجاع سوريا. فالعجز الذي كان ينشأ عن ذلك كانت تستورده الحكومة من خزينة مصر.

نظام الحكم

وجعل على ادارة الشئون المالية حنا بك بحري احد اعيان السوريين، فصار صاحب النفوذ الاكبر في ادارة شئون الحكومة واحوالها، وقد ذكر المسيو جومار ان تعيين احد السوريين الاكفاء في هذا المنصب الكبير دليل على رغبة ابراهيم باشا في اسناد كبار المناصب الى ابناء البلاد، وهو ما لم يكن مالوفا في عهد الادارة التركية، وقال الدكتور مشاقة ، وهو معاصر للحكم المصري:

"لم يمض على حصار عكا زمان حتى ارسل محمد علي تفويضا الى حنا البحري في سن النظامات لحكومة سورية على النمط الحديث، وكان حنا البحري على جانب عظيم من اصالة الراي، وله القدح المغلي في السياسة المدنية، وكان العدل والانصاف شانه والنزاهة زمامه، لا فرق عنده بين القوى المثري والضعيف الفقير او المسلم والذمي، وكان يعاملهم بالقسط والعدل حسب وصية محمد علي باشا الذي كان عارفا ان لا قيام للدولة الا بالعدل والانصاف".

وعين ابراهيم باشا لكل بلد متسلما اي حاكما يتولى ادارتها.

والف في كل مدينة يزيد عدد سكانها على عشرين الف نسمة مجلسا يسمى (ديوان المشورة) يتراوح عدد اعضائه بين 12 و21 عضوا ينتخبون من بين نبهاء (أعيان) البلد وتجارها، وتنظر هذه المجالس في مصالح كل بلدة ومطلوبات الميري واليها ترفع بعض الدعاوى للفصل فيها.

ووحد الادارة ووطد سلطة الحكومة المركزية، وابطل سلطة الامراء والرؤساء الاقطاعيين وخضد شوكتهم، وضرب على ايدي الاشقياء وقطاع الطرق وبسط رواق الامن في البلاد، ونظم طرق الجباية، وعامل الاهلين بالعدل والمساواة من غير تفريق بين الطبقات والمذاهب والاديان، وكان ذلك اجل اعمال الادارة المصرية في سورية.

ونشطت التجارة والزراعة في عهد الحكم المصري، فعمم ابراهيم باشا تربية دود القز (الحرير)، واكثر من غرس اشجار التوت لهذا الغرض، وغرس في ضواحي انطاكية اشجار الزيتون، وازدهرت زراعة العنب، وعنى باستخراج بعض المعادن ولاسيما الفحم الحجري في لبنان، وراجت التجارة واتسع نطاقها، وكثرت المعاملات بين سورية والبلاد الاوربية.

وقد كان دخل الولايات السورية اقل من الخرج اي ان غلاتها تقل عن نفقاتها، وخاصة لما يقتضيه الانفاق على الجيش الموزع على المدن من المال، فكانت الخزانة المصرية توازن بينها فتسد عجز الميزانية وتحتمل مصر هذا الغرم في مالها.

كانت الادارة المصرية في سورية رغم ما بها من عيون اصلح من الحكم التركي السابق، وحسب هذه الادارة فضلا انها اقرت الامن في البلاد واستنقذتها من الفوضى.

ويكفيك لتتحق مبلغ تقدم الادارة السورية في ظل الحكم المصري ان تقرأ ما كتبه مؤرخو سورية في هذا الصدد.

قال الاستاذ محمد كرد علي بك رئيس المجمع العلمي العربي بدمشق خلال كلامه عن الفتح المصري:

"كان من اول اعمال ابراهيم باشا الجليلة في بلاد الشام ترتيب المجالس الملكية والعسكرية واقامة مجالس الشورى وغيرها من النظم الحديثة، وترتيب المالية، فجعل نظاما لجباية الخراج ومعاملة الرعايا بالمساواة والعدل، لا تفاوت في طبقاتهم ومذاهبهم، ولذلك لم يلبث الامراء والمشايخ وارباب النفوذ ان استثقلوا ظل الدولة المصرية. وتمنوا رجوع العثمانيين ليعيشوا معهم كالحلمة الطفيلية تمتص دماء الضعفاء، وينالهم من ذلك مصة الوشل، مع ان البلاد رات في ايام ابراهيم باشا ابطال المصادرات وتقرير حق التملك، وتوطد الامن في ربوعها، واحييت الزراعة والتجارة والصناعة، وعممت تربية دودة القز (الحرير)، واستخرجت بعض المعادن ولاسيما معدن الفحم الخجري في قرنايل (لبنان)، وفرض على لبنان 6782 كيسا يتقاضى الامير ضعفيها ويدخل في خزانته الخاصة المال الزائدة على المفروض.

"وأكد كثيرون ان بعمله هذا استعادت اكثر قوى حوران وعجلون وحماة وحمص وغيرها من اعمال الشام عمرانها القديم، واخربت بعض القلاع التي كان يعتصم بها الثائرون احيانا مثل قلاع جبل اللكام وقلعة القدموس، وقرب العلماء والشعراء، ورخص الاجانب في ارسال معتمديهم الى دمشق، وكانوا يمنعون من دخولها قبله، فينزل وكلاؤهم السواحل مثل صيدا وعكا وبيروت وطرابلس، ويقال على الجملة ان الناس حمدوا دولة محمد علي في الشام، ولم يتبرموا بها لو لم يقم ابنه ابراهيم باشا بايعاز ابيه بتجنيد الشبان ولو لم يثقل كاهل الاهلين بالضرائب، واقل الضرائب الشخصية 15 قرشا، واعظمها خمسمائة قرش، فان هذا مما نفرت منه بعض القلوب ولاسيما من كان يقع عليهم عبء معظمها مثل اهل حلب واهل دمشق".

وقال الدكتور اسد رستم احد اساتذة التاريخ بجامعة بيروت الامريكية لمناسبة الكلام عن محمود نامي بك محافظ بيروت في عهد ابراهيم باشا:

"لما عزم عزيز مصر على ارسال بعض ضباط بحريته الى فرنسا وانجلترا لاتمام علومهم وممارسة الفنون الحربية انتخب حسن افندي الاسكندراني وشنان افندي والامير محمود نامي وارسلهم الى فرنسا، فتلقى محمود علومه العالية وتخصص في الرياضيات، ولما رجع من فرنسا ، عينه محمد علي باشا محافظا لبيروت، وابقاه في هذا المنصب سبع سنوات (1833-1840) تنشقت بيروت في خلالها نسيما منعشا من الغرب المتمدن، فاستيقظت من سبات العصور الوسطى، وخطت خطوتها الاولى في سبيل رقيها الحديث، وكان محمد علي باشا وابنه ابراهيم وعامله الامير محمود نامي لبيروت اول العثمانيين الذين اخذوا الافكار الحديثة فيما يتعلق بالحكومة ولاادارة وهم اول من وضعها، وضع الاجراء والتنفيذ، نعم ان سلطتهم في بيروت كان مطلقة، ولكنهم احكموا التدبير واحجموا عن الحجم الاستبدادي، فشكلوا في هذه المدينة من سكانها مجالس تباحثوا مع اعضائها في جميع اعمالهم المتعلقة فكان هناك مجلس للمشورة يدعى مجلس شورى بيروت وديوان للصحة واخر للتجارة".

وقال سليمان بك ابو عز الدين احد ادباء سورية:

"على انه لا يسع المنصف الا الاعتراف بان المبادئ التي شاء محمد علي ان يؤسس عليها الادارة والقضاء في سوريا كانت صحيحة بوجه عام، لانها كانت ترمي الى تنظيم الاعمال وتوزيع الاختصاص بين هيئات مختلفة ومنع الاستبداد بتقييد الحكام وغيرهم من الموظفين بالنصوص القانوينة، وتدريب الاهلين على ادارة شئونهم المحلية، غير ان جهل الحكام كيفية تطبيق القوانين وفطرتهم الاستبدادية وعدم وجود مراقبة فعالة على اعمالهم وعدم مراعاة تقاليد البلاد وعادتها وكثرة الاضطرابات في البلاد حالت دون بلوغ الغاية التي وضعت تلك القوانين من اجلها، ولابراهيم باشا فضل خاص في السنين الاولى بعد الفتح في ضبط الاحكام وشدة مراقبة الحكام واجراء العدل بين الاهلين، وقد كان شديد الوطاة على المستخدمين الذين يحيدون عن السبيل القويم، فعاقب كثيرين منهم بالطرد والضرب والحبس للاعتداء على اهل البلاد او عدم النزاهة او غير ذلك مما يخرج عن جادة الاستقامة، فلو استمرت حكومة محمد علي في سوريا ناهجة هذا المنهج القويم الحكيم لملكت قلوب السوريين".

وقال في موضع آخر: "من التغييرات الاجتماعية التي نشات عن حكم محمد علي في سوريا اطلاق الحرية الدينية، ونشر روح الديمقراطية بالضرب على ايدي الزعماء والمتغلبين، ونزع السلطة من ايديهم، وانشاء العلاقة ما بين افراد الشعب وحكامه مباشرة، وتاليف مجالس مشورة تمثل الشعب بعض التمثيل ولها حق النظر في الشئون المحلية بعد ان كان النظر في جميع الشئون منوطا بحكام مستبدين".

ثم قال في موضع آخر: لم تقم حكومة محمد علي في سوريا باعمال علمية وادبية ذات شأن ، فالمدارس التي انشاتها كانت قليلة العدد والتاثير، وكانت في معظم الاوقات مشتغلة بالفتح وتسكين الاضطرابات واخماد الثورات ومقاومة الدسائس والاعتداءات الداخلية والخارجية، على ان قيامها في سورية مهد السبيل لنهضة علمية ادبية، لان تنظيماتها استوجبت اختبار المتنورين لادارة الاحكام والقيام بالاعمال القضائية والمالية والكتابية، وسهلت قدوم الافرنج عن مرسلين دينيين وتجار وغيرهم، فانشئت بواسطتهم المدارس، كما ان ارسال بعض الشبان لدرس الطب في القطر المصري واستخدام بعض السوريين في حكومة محمد علي باشا انشا صلة ادبية دائمة بين القطرين فامتدت تلك الصلة ونتائجها الى وقتنا الحاضر ، وأدخلت حكومة محمد علي روحا علمية الى البلاد في اعمالها، فانشات محجرا صحيا في بيروت وبذلت اهتماما يذكر في الامور الصحية، وكانت تجرى فيها حسب مشورة الاطباء الصحيحة كما فعلت في دمشق بانشاء مصارف للمياه الراكدة، واستخدام المهندسين في ذلك وفي الانشاءات التي تحتاج الى معرفة فنية".

هذا، وقد زار المارشال مارمون (الدوق دي راجوز)، سورية سنة 1834 فاجاب بما راه من اقرار السكينة والامن فيها، وكتب في رحلته يقول:

"اذا بقيت اعمال محمد علي وبقى الامن الذي بسطه فيما فتحه من البلاد كما صار اليه الان من الاستقرار الذي يدعو الى الاعجاب فان حالة هذه البلاد سينبه شانها وستتطور تطورا كبيرا.

ويقول المسيو لويس بلان المؤرخ الفرنسي في كتابه (تاريخ عشر سنوات):

"إذا اردنا ان نعرف ما افادته سورية من انتقالها من الحكم التركي الى حكم المصريين فما علينا الا ان نلقي نظرة على سهول انطاكية التي اكتست باشجار الزيتون وضواحي بيروت التي كثر فيها الكروم، والنشاط الذي انبعث في حلب ودمشق، صحيح ان محمد علي اظهر جنفا وقسوة في حكم سورية، ولكن في ظل هذا الاستبداد العارض الذي كان ضرورة ولزاما حيث سادت الفوضى في تلك البلاد، قد نالت سورية النظام والعمران".

مظالم محمد علي

كثيرون من السوريين أملوا الخير من وراء تغلب حملة ابراهيم باشا على بلادهم، لأن من مزايا حكومة محمدعلي العمل على اقرار الأمن في البلاد، وانقاذها من الفوضى التي جعلت أرواح العباد وأموالهم تحت رحمة الأقويات والأشقياء، كما ان ابراهيم باشا كان قد وعد السوريين بأن سيعفيهم من التجنيد ويخفض الضرائب، ولا يكلفهم سوى بدفع الأموال الأميرية. والأموال الأميرية لم تكن عبثا ثقيلا عليهم في عهد الحكومة العثمانية، الا لما كان يرافقها من سوء المعاملة في التحصيل وابتزاز المبالغ الاضافية بحجج مختلفة.

وكان ابراهيم باشا قد حقق بعض الآمال على أثر احتلال سوريا، والشروع في ادارة أحكامها، فخفف عنهم الأثقال المالية، وأخذ ينشط الزراعة والتجارة فبدأ القوم يشعرون بالطمأنينة والرخاء والاخلاص للحكومة الجديدة، غير أن زمن الهناء والرخاء لم يطل. فقد ذكرنا في فصل سابق أن من أهم الأسباب التي حملت محمد علي باشا على الطموح الى الاستيلاء على سوريا هو رغبته بالانتفاع بما فيها من مال ورجال، ولذلك لم ينقض زمن طويل على امضاء اتفاق كوتاهية على الخطة الحكيمة التي كان ابراهيم باشا قد انتهجها في ادارة البلاد السورية حتى وردت عليه أوامر والده قاضية على آمال السوريين، موجبة عليهم الخضوع للسياسة العسكرية والاقتصادية التي جرى عليها في القطر المصري. فالأوامر التي أصدرها محمد علي الى ولده ابراهيم باشا في أوائل سنة 1834 أوجبت اجراء ما يلي:

1- احتكار الحرير في البلاد السورية.
2- تحصيل الفردة أي فريضة الرؤوس من جميع الرجال على اختلاف مذاهبهم.
3- التجنيد في البلاد الساحلية.
4- نزع السلاح من أيدي أهل البلاد.

ورغما عما لتنفيذا هذه الأوامر من سوء التأثير في عمران البلدان السورية، وفي شعور السوريين نحو حكومة محمد علي، ومع أنها تناقض الوعود التي كان قد قطعها ابراهيم باشا لأهل البلاد، فانه لم يتردد في تنفيذ أوامر والده. والطاعة العمياء لمشيئة محمد علي كانت من أظهر صفات ابراهيم باشا.

وقد لامه بعض الكتاب على مضيه في تنفيذ هذه السياسة في سوريا بدون أن يراجع والده في الأمر ويلفت نظره الى ما فيه من المجازفة، لأن ابراهيم باشا كان قد اكتسب خبرة شخصية باقامته في سوريا، واطلع على أحوال البلاد وعرف عنها وعن أهلها ما لم يعرفه والده. فان السوريين كانوا يئنون من جور الحكم العثماني لتكاليف كانت أخف وطأة من تلك التي فرضت عليهم في عهده، ولم يكن يخاف عليه أن من وقع بين شرين يختار أهونهما، وهو الميل الى الرجوع الى الحكم العثماني ، لاسيما ان الحكومة العثمانية ، وبعض الاوروبيين وفريقا من أهل البلاد كانوا يدسون الدسائس ويعملون على اثارة الفتن على حكومة محمد علي.

فلو أقام ابراهيم باشا على خطة الرفق في معاملة السوريين لازداد اخلاصهم للحكومة الجديدة، وزال أهم أسباب الثورات وتمكن من الانتفاع برجال سوريا ومواردها الاقتصادية انتفاعا مشروعا أكيدا، لأن السوريين بعدما تذوقوا طعم السكينة في أول عهده، صاروا يرون أن عود الحكم العثماني ليس لمصلحتهم، ولو لم تنقلب عليهم حكومة محمد علي وتحرجهم بما فرضته عليهم من التكاليف الثقيلة، لما خرجوا عليها المرة بعد المرة، بل لأصبحوا بأسرهم جيشا متطوعا لمقاومة كل اعتداء على سوريا من جانب الحكومة العثمانية، وللمحافظة على ما حصلوا عليه من بوادر الأمن والرخاء. كما أن انتشار السكينة والطمأنينة في بلادهم كان مما يمكنهم من توسيع نطاق الزراعة والصناعة والتجارة، فتنشأ عن هذا التوسيع زيادات عظيمة في الضرائب والمكوس لا يتذمر منها دافعوها متى أصبحوا يجودون بما يجدون.

انه لم المستبعد ان تكون أمور كهذه قد خفيت عن ابراهيم باشا وهذا ما يجعلنا على التساؤل عن الاسباب التي منعته من محاولة اقناع والده بالرجوع عن سياسة جمعت بين الاجحاف بحقوق السوريين، ونكث العهود التي كان قد قطعها لهم، وهو ما يؤدي حتما الى نفورهم من حكومته وعدم ثقتهم به. فمن رأي بعضهم أن اعتياد ابراهيم باشا اطاعة أوامر محمد علي اطاعة عمياء وشدة ثقته بحزمه وبعد نظره انسياه عهوده للسوريين، وحجبا عن بصره الأخطار التي تتعرض الحكومة لها بسبب نكث تلك العهود. على أن الأقرب الى المعقول هو أن محمد علي لم يقدم على فرض التكاليف السالف ذكرها الا بعد الوقوف على رأي ابراهيم باشا وان كليهما كان يرى ان من الحزم الاسراع في تقوية الجيش وحشد الأموال استعدادا للطوارئ، وان ذلك مما يستوجب تجنيد السوريين ومساواتهم باخوانهم المصريين في تأدية الضرائب والتسخير وما شاء كل ذلك، وعمدا أولا الى نزع سلاح السوريين ليبقوا كالطير المقصوص الجناح.

واغتر ابراهيم باشا بانتصاراته الباهرة على الجيوش العثمانية، فاستصغر شأن السوريين وبعدما اتخذ له حزبا منهم، توهم انهم لا يستطيعون جمع كلمتهم على المقاومة، ولا يجرأون على الانتفاض على الحكومة متفرقين. كما أن ابراهيم باشا مضى في تنفيذ أوامر والده بالتدريج فلم يشرع في نزع سلاح اللبنانيين وتجنيدهم الا بعد ما فرغ من نزع سلاح غيرهم وتجنيده. ولما جاء دور اللبنانيين أوهم المسيحيين أنه سيكتفي بنزع سلاح الدروز. وهكذا استمال المسيحيين اليه، لكنه ما كاد ينتهي من نزع سلاح الدروز حتى عمد الى نزع سلاح المسيحيين.

فلم يبق هناك شك في ان سياسة الرفق التي كان قد اتخذها في اول الامر، لم تكن الا تدبيرا وقتيا غايته تخدير أعصاب السوريين الى اجل مسمى. على أنه ثبت جليا لمحمد علي، لكن بعد خراب البصرة ان الشدة شر الوسائل لحكم الشعوب، وان السوريين الذين استصغر شأنهم في بادئ الرأي، كانت مقاومتهم له من أشد العوامل تأثيرا في انهاك قوى جيوشه، واتخذتها السياسة الاوروبية وسيلة لزعزعة اركان حكومته.

ويروى ان احدهم راه يوما قلق البال، فساله عما اذا كانت الدول الاوروبية سبب بلباله فأجابه: "ماذا؟ الدول الاوروبية؟ اني اضمها في علبة السعوط. انني اتالم من أولئك السوريين الاشرار الذين سيكونون سببا لجميع ويلاتي". على أن تذمر محمد علي من صعوبة مراس السوريين لا يذكر في جانب ما فاقه هؤلاء من مر العذاب من حكومة محمد علي ، كما يتضح ذلك من اشباع الكلام عن المظالم والمغارم التي انزلتها عليهم.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

احتكار الحرير

حينما بدا محمد علي باحتكار التجارة بمحصولات البلاد وصناعتها في القطر المصري، انتحل عذرا لذلك الاضطرار لحصوله على موارد تمكنه من انشاء الترع والمصارف العائدة منفعتها على الفلاحين. لان تلك المشاريع لم يكن في الامكان القيام بها بطريقة منظمة الا بواسطة الحكومة. فلما عمد الى اجراء مثل ذلك الاحتكار في محصول الحرير في سوريا تبين فساد تلك العذر، لان السبب الذي دعاه للاحتكار في مصر لم يكن موجودا في سوريا.

فالاحتكار كان يوجب على الاهالي بيع محصولات ارضهم الى الحكومة بالثمن الذي يقدره عمال الحكومة نفسها، وعدا ما كان هذه الطريقة من الحيف في تقدير الثمن، فانها كانت تحول دون تزاحم التجار والسماسرة على المشترى، فتحرم الملاك والفلاح من الحصول على ثمن عال لمحصولاته، وتثبط عزائم المنتجين، وتحرم السماسرة من الانتفاع برسوم السمسرة عما يشترون، فالربح الذي كان يجب أن يحصل عليه هذان الفريقان تسرب الى خزينة الحكومة التي شاركت الفلاح في تعبه، وحرمت السمسار عملا يقوم به. اما احتكار صناعة الحرير فعدا ما فيه من مزاحمة الحكومة للأهلين على ربح هم أولى به، فانه يحول دون تنشيط المشاريع المحلية، ويمنع المتمولين واصحاب العقول النيرة والهمم العالية من استثمار اموالهم وجهودهم.

الفردة والميري

ان الفردة كان لها تأثير سيئ في نفوس المسلمين بنوع خاص لانهم لم يعتادوا دفع مثلها من قبل، وكانت ثقيلة الوطأة على بوجه عام، لأن ما يفرض منها على بلدة او مقاطعة كانت مكلفة بدفعه ولو نفص عدد الرجال فيها، فمن كان ذا عائلة فيها ثلاثة أو أربعة شبان يكلف بالدفع عنهم جميعا، ولو مات بعضهم او كلهم اما بسبب المرض او في الحرب في سبيل الحكومة، واذا عجز عن ذلك فبلده او المقاطعة التي ينتسب اليها توزع المبلغ المطلوب على الرجال الموجودين.

وهذه التكاليف كانت تزداد سنة فسنة على الذين يقومون بدفعها، نظرا لازدياد عدد الغائبين والمفقودين موتا او قتلا او فرارا الى حيث لا تطالهم يد الحكام، خوفا من الحبس او الضرب والتعذيب. وقد كان رجال الحكومة يعاملون الأهلين بمنتهى القوة في تحصيل هذه الضريبة وغيرها من الاموال. وزادت حكومة محمد علي هذه المغارم تقدير الاموال الاميرية على الاملاك بطريقة جعلتها اشد وطأة على الملاكين مما كانت عليه في عهد الحكومة السابقة، حيث لم تقتصر على تحصيل ما الميري فقط بل اضافوا عليه كل ما كان يبتزه الملتزمون والعمال المحليون، واعتبروا المجموع مالا اميريا فعلى هذه الحالة ينطبق قول حافظ

وقد كان فين الظلم فوضى فهذبت حواشيه حتى صار ظلما منظما

وقد وصف نوفل نوفل الطريقة الجائرة التي كان يتبعها مندوبو الحكومة لتقدير الاموال الاميرية فقال:

"وأول عملية يلزمه اجراؤها عند وصوله هو ان يطوف بنفسه على القرايا، قرية فقرية ومقاطعة فمقاطعة، ويتحقق من الفلاحين عن مقدار ما كان يتناوله منهم المتلزمون من غلال ونقود، وعن ميري ابقارهم وما يقدمون لهم من العوايد والرسميات والهدايا في المواسم والاعياد والافراح من كلي وجزئي، لأن المقاطعات كانت تعطى قبلا الى ملتزمين تحت بدلات معلومة، كما كان جاريا في مصر قبل حكومة محمد علي باشا... وأوهم الفلاحين حين أن قصد الحكومة من ذلك ابطال ما كان من تلك الاشياء ظلما فترفعه عنهم، وتحت هذا الظن والامل كان الفلاحون يقررون عن كل شي حتى عن ثمن حلوة حصان أو عن ربطة شعر ماعز يكون قدمها أحدهم للمتلزمين في احدى السنين ، ليصلح بها غربالا أو ليعملها عقالا لدابة من دوابه، ثم بعد ان يقيد هذا الباشكاتب كل هذه الاشياء بثمنها، ويرسخ مقدار مجموعها بتمامه مالا راتبا على كل تلك القرية، يتحصل منها كباقي الاموال الاميرية في كل سنة".

وقال ايضا مشيرا الى ما تقدم:

"وندم الفلاحون غاية الندم على تقاريرهم اذ ما كان اخذه منهم المتلزم مرة في العمر مثلا ترتب عليهم مالا سنويا، وحزن الملتكمون على ما خسروه من سعة العيش ولذة السلطة والنفوذ في المقاطعات التي سلبت من أياديهم".

ومما زاد من تعاسة الفلاحين وعجل في فقدان أملاكهم ، هو أن العسر كان يدفعهم الى الاستدانة من مرابين قساة القلوب، وبيع محصولاتهم مقدما بنصف قيمتها الحقيقية، فاذا أمحل الموسم أو لم يكف ثمنه لتسديد مطلوب المرابي، يمدد أجل الدين مضافا اليه الربا الفاحش، وينتهي الامر باضطرار الفلاح الى بيع أملاكه لاجل تسديد ديونه.

السخرة

وزاد الاهلين ضنكا تسخيرهم وتسخير حيوانات النقل لاشغال الحكومة ، فمن امثلة ذلك ما رواه نوفل نوفل ايضا حيث قال:

" فلا يقدر أحد من أية رتبة كانت من الاهالي في المدن فضلا عن القرى ان يحمي دابته ويحافظ عليها ولو جعل معلفها داخل داره، فان الضابط المسحى بالتفكجي له سلطان ان يخلع الابواب ويكسر الاقفال، ويفوت هاجما الى الدار ويجرها قهرا جبرا ويركبها لاي عسكري او ضابط اراده، ويكون صاحبها مجبورا بان يستأجر لها رجلا يرسله معها لاجل عليقها وليحضرها له عند انتهاء عملها، والا لا دعوى له اذا ضاعت عليه، وفي اكثر ايام السنة كان يمتنع الفلاحون عن النزول الى المدينة، لانه لا يمكن ان ينزل اليها الفلاح الا ويتسخر هو ودابته او هو وحده ودابته وحدها، فيجره الضابط الى حيث اراد، واذا تعند معه أصابه من الضرب الأليم والعذاب المفرط ما يجعله ان يخضع لارادته رغما عن انفه".

وكانوا يرسلون البنائين الى عكا وقولاق بوغاز وغيرها من الاماكن التي تبعد عن أوطانهم مسيرة يوم أو أيام، ويكرهونهم على العمل بربع الأجرة. ومن مظالم السخرة انهم كانوا يكلفون المكارين نقل الفحم الحجري من معدن قرنايل باجرة زهيدة، وبما ان الفحم المحفور حديثا تكون فيه رطوبة تتبخر عن تعرضه للشمس والهواء في اثناء نقله مسيرة ساعات عديدة فيجف وينقص وزنه، فكانوا يلزمون المكارين بدفع ثمن الفرق في الوزن الناشئ عن فعل الطبيعة، فيفقدون اكثر اجرتهم او كلها ظلما وعدوانا.

ومن فظائع البلص والتسخير هي ان الحكومة عملت بالمثل المشهور فكانت تكيل بمكيالين وتزن بميزانين، فتأخذ بمكيال او ميزان يزيد على الميكال او الميزان الذي تعطى به والذي فرضت التعامل به بين الناس كما بينا قبلا في الكلام عن الضرائب.

ولم يقتصر حيف الحكومة على الملاكين او المكارين بل شمل افقر الطبقات وهي طبقة العامل الفقير الذي يأكل خبزه بعرق جبينه ويعول ذويه من اجرته اليومية. فمن هؤلاء من كان يستخدم في قطع الاشجار في الغابات، فاذا قطع شجرة ووجدت لاي سبب من الاسباب غير صالحة للغرض الذي تطلبه الحكومة يحرم اجرته. نعم ان الحكومة كانت تترك له حرية التصرف في الشجرة التي تمسك عنه اجرة قطعها، غير أن بعد الغابات عن المدن كان يحون دون الانتفاع بها.

ومن المظالم التي ذكرها نوفل نوفل بعد ان عدد اضرار السخرة ما يلي قال:

"والأعظم من ذلك جميعه اخراج الناس من بيوتها لاجل اسكان العساكر التي لا تفتر من الجولان في البلاد وخاصة مدن الساحل فلا يرثون لانين شاكي ولا يرحمون دمعة باكي، فترى النساء والارامل فضلا عن المتزوجات من المسلمين والنصارى دايرات في الاسواق يتوقعن مأوى يأوين اليه، وقد يتفق البعض منهم أنهم بعد مقاساة العناء يجدون محلا، لكنهم لا يستقرون فيه برهة الا وتأتي العساكر وتخرجهن منه، أيضا ولا يعفى من ذلك احد لا كبير ولا صغير الا من كان ذا رتبة معروفة بين خدام الميري".

"وكثيرا ما تتعطل المساجد والمدارس لتجعل عنابر لوضع الذخائر والمهما". وقد ذكر نوفل نوفل حوادث من هذا النوع منها ما حدث في دمشق فانهم "أخذوا جملة جوامع ومدارس نزلوا بها عساكر مثل الجامع الذي في الخياطين والمدرسة التي بلصق بين عبد الله باشا والمدرسة التي قاطع حبس باب البريد والجامعة الذي بالدرويشية وجامع المعلق".

التلاعب بأسعار العملة

ومن مساوئ حكومة محمد علي في سوريا التلاعب بأسعار العملة تلاعبا يعود بالخسارة على عموم الأهلين فتربح خزينتها ما خسره أهل البلاد، وذلك أنها تخفض أسعار العملة عندما تشرع في تحصيل الضرائب، فاذا انتهى جمع الضرائب عادت الى رفع أسعارها، وهذه المعاملة شبيهة بما ذكرناه قبلا عن الكيل بمكيالين والوزن بميزانين.

التجنيد

كان السوريون ينفرون من التجنيد اشد النفور، لانهم لم يألفوه ، وان كانوا قد الفوا الحروب. فالحروب التي كانوا يشتركون فيها قبلا كانت تقع في داخل البلاد، وكان المحارب لا يغيب عن أهله وبلدته الا اياما معدمودة ويسير الى الحرب مع اخوانه ومواطنيه جنبا الى جنب وتحت راية زعيم يعطف عليه، وتجمع به جامعة المبدا والمصلحة والوطن. أما التجنيد الاجباري في جيش ابراهيم باشا فكان خاليا من كل هذه المزايا، ولم يكن له شريعة خاصة ولا نظام معروف ولا وقت معين. وكانت طريقة تنفيذه فظيعة، اجمع على استنكارها جميع المعاصرين حتى ان كلوت بك وهو من كبار رجال حكومة محمد علي ومن الحائزين على ثقته لم يسعه الا الاعتراف بانها كانت طريقة هجمية، وان كل ما رواه الرحالون عن فظاعتها مطابق للواقع.

وقال نوفل نوفل عن التجنيد انه "لم يكن له وقت ولا نظام مخصوص ولا على اصول القرعة الشرعية، بل في اي وقت صدرت به الارادة، يدور العساكر في المدن والقرى للقبض على اي من وجدوه، واذا وشى باحد انه مختبئ في احد البيوت، تهجم العساكر وتدخل الى ذلك البيت فجاة للبحث عنه، فتصبح اسواق المدن ودكاكينها خالية وتتعطل حوانيت البيع والشراء، ويهرب الشبان منها ، ويمتنع الفلاحون واهل القرية عن المجئ اليها وكثيرون من الناس كانوا يقطعون السبابة، وهو الاصبح الذي يلي الابهام من الكف اليمين او يقلعون العين الشمال ليخلصوا من الدخول الى هذه الخدمة".

وروى بوجولا ما خلاصته: "كان ثاني يوم وصولنا الى حمص يوم سوق، ففتحوا ابواب المدينة مبكرين ليمكنوا الفلاحين من الدخول وبيع حاصلات أراضيهم. فنحو الساعة العاشرة صباحا بينما كانت مدينة حمص غاصة بالناس، حركة السوق على اشدها، وكان الباعة والمشترون قائمين باعمالهم بسلام، أقفلت ابواب المدينة اقفالا محكما، وانقض فجاة على الجمهور نصف الاي من الجنود المشاة، فساد الاضطراب الشديد مدينة حمص باسرها، كانما هجمها عدو لدود. فقبض الجنود على الشيوخ والشبان من مسلمين ومسيحين سواء أكان من التجار او الصناع او العمال، وقادوهم جميعا مشدودي الوثاق، يتبعهم عدد عديد من النساء والبنات يملأ صراخهم ونواحهن الفضاء، وهن يقرعن صدروهم ويلطمن وجوههن حزنا على أبنائهن واخوتهم وآبائهن الذين اقتادهم الجنود كرها بدون ان يترك لهم فرصة لمشاهدة مسقط راسهم او التزود بنظرة من ذويهم.

أما المقبوض عليهم، فسيقوا الى دار احدى الثكنات العسكرية، وهناك جرى فرزهم، فأخلي سبيل المسيحيين والشيوخ من المسلمين، وسبق الباقون الى مصر كما يساق الجناة تخفرهم فرقة من الجند ويرافهم اليأس من الرجوع الى أوطانهم، لانهم سيبقون جنودا مدى الحياة.

وهكذا كان كلما شاء محمد علي زيادة قوة جيشه، يغتنم فرصة حلول عيد أو اقامة سوق بيع وشراء او اذا اقتضت الحال بجمع الناس لحفلة دينية، ويحيط المجتمعين بفرقة من الجنود الذين يعتمد عليهم فيقومون بالمهمة التي انتدبوا لها بالصورة التي سبق وصفها".

نزع السلاح

ان السلام آلة شديدة الضرر بالأهلين ونزعه من أيديهم بعد قيام الحكومة بحفظ الامن واقرار السكينة في البلاد أمر لا غبار عليه، على أنه في كل حال أحدث استياء عظيم بين السوريين، لأنهم اعتادوا نقل السلاح واستعماله منذ أجيال، وكان الزعماء يفاخرون بالتفاف رجالهم حولهم وخم شاكو السلاح.

فالسلاح كان احد مظاهر القوة والعظمة التي عز على السوريين فقدها. غير أن تجريد الأهلين منه له ما يبرره، انما الخطة التي اتبعت في التنفيذ كانت جائرة، وكان فيها من القسوة والترويع ما في جميع اجراءات حكومة محمد علي في التجنيد وجمع الضرائب وغيرها. وكانت تعتبر كل رجل مسلحا ولو كان ممن لم يقتنوا السلاح مطلقا، وتكرهه على تسليمها سلاحا يضطر الى مشتراه لينجو من ضغط الحكام.

انشاء الخمارات

اجازت حكومة محمد علي انشاء الخمارات وحصرت فيها حق بيع الخمور للأفراد ولأصحاب المقاهي. فكان من ذلك اباحة شرب الخمر جهارا لأي شاء حتى المسلمين، وقد غالب بعض الجهال بالجهر في استعمال الخمر، وفي اثناء احدى الزينات التي اقيمت في دمشق ركب رجل مسلم جملا ووضع علي جانب "مسودتين" من العرق وسار في موكب عظيم متنقلا في احياء المدينة، وكان الرجل يتناول العرق من حين الى آخر وهو على ظهر الجمل على مرأى من ألوف من المسلمين، الذين كادوا يتميزون غيظا مما شاهدوا.

فانشاء الخمارات أثار في نفوس المسلمين ثائر الغيرة الدينية، كما أنه حرم عددا كبيرا من المسيحيين الأرباح التي كانوا يصيبونها من المتاجرة به، واستولت الحكومة على ما كان مخزونا عندهم من العرق والنبيذ لأجل البيع، ولم تدفع لهم سوى ربع ثمنه، كما انها استولت على الآلات المستعملة لصنع الخمور وعلى المواعين المعدة لحفظ الخمر في بيوت النصارى واليهود. وهكذا أوجب انشاء الخمارات استياء جميع الطوائف السورية.

نزع سلاح اللبنانيين وتجنيد الدروز

أيلول وتشرين أول (سبتمبر وأكتوبر) سنة 1835 فبعد ما عاد ابراهيم باشا من مصر الى عكا، شرع في اتخاذ التدابير لتجنيد اللبنانيين ونزع سلاحهم وتسهيلا لتنفيذ هذه المهمة بتفريق كلمة اللبانيين، أوهم المسيحيين أنهم سيعفون من تسليم السلاح، ففي أوائل أيلول (سبتمبر) سنة 1835 خابر الامير بشير ومشايخ الدروز طالبا من دروز لبنان تقديم مجندين ، فأجاب المشايخ أنهم لا يستطيعون اكراه احد على التجنيد، ثم حضر حنا بك بحري الى بيت الدين لمخابرة الدروز رأسا واقناعهم بتقديم المجندين المطلوبين فلم يفلح عندئذ عمد ابراهيم باشا الى نزع السلاح.

وفي 27 أيلول (سبتمبر) سنة 1835 ورد مرسوم منه على الامير بشير يخبره فيه انه حضر الى زحلة ومنها سيحضر الى بيت الدين لاجل نزع سلاح الدروز، ويأمره بأن يعلن وجوب جمع السلاح واحضاره الى بيت الدين، وأن يحذروا اخفاء أي قطعة سلاح والا أنزل بهم اشد العقاب، فصدع الامير بالأمر. وفي 29 أيلول (سبتمبر) تفرق أولاده وحفدته في المقاطعات اللبنانية لاجل جمع السلاح.

وفي اليوم عينه وصل الى بيت الدين ودير القمر، ابراهيم باشا وابن اخيه عباس باشا وسليمان باشا الفرنساوي وسليم باشا ومحمد باشا يقودون ألوفا من الجنود الزاحفين على لبنان من جهات مختلفة، فثار أهل المتن أولا وامتنعوا عن تسليم سلاحهم، لكن عادوا فخضعوا للقوة القاهرة وسلموها، وكذلك فعل سائر الدروز، وما كاد الدروز يسلمون أكثر سلاحهم حتى انقلب ابراهيم باشا على المسيحيين وأمرهم بأن يبادروا الى تسليم أسلحتهم، زعما أن عدم تسليم سلاح النصارى أدى الى تردد بعض الدروز في تسليم أسلحتهم ونفذ أمره هذا بمنتهى الشدة.

وفي 22 تشرين أول (أكتوبر) سنة 1835 أذاع الامير بشير بناء على امر ابراهيم باشا مرسوما في جميع المقاطعات بوجوب تقديم ألف وستمائة شاب من الدروز للجندية. لكن عاد ابراهيم باشا فاكتفى بنصف هذا العدد. ويقال ان ابراهيم باشا لم يكن حاسبا ان الدروز يسلمون أسلحتهم ويرتضون بانتظام شبانهم في سلك الجندية بدون مقاومة، بعد أن كان قد سمع ما سمع عنهم من شدة البأس وصعوبة المراس، الا أن حالتهم عندما قدم ابراهيم باشا بعسكره الى لبنان جعلت المقاومة عديمة الجدوى بل غير ممكنة، نظلا لانقسام اللبنانيين على بعضهم، واطاعة حاكمهم أوامر ابراهيم باشا اطاعة تامة، وتغرب اكبر زعماء الدروز وأكثرهم نفوذا وأشدهم بأسا، بينما أكثر الزعماء الذين بقوا في لبنان كانوا موالين للأمير بشير، اما طمعا بمنفعة أو مراعاة للقوة القاهرة.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الثورات في الشام

لكن الادارة المصرية في سورية لم تلبث ان اصطدمت بثورات محلية نشبت في مختلف الجهات ورزأت مصر بضحايا كثيرة، وحملتها متاعب وجهودا كثيرة لاخمادها.

فلنتكلم عن اسباب هذا الثورات.

وعد ابراهيم باشا السوريين بان يعفيهم من التجنيد ويخفض الضرائب ولا يكلفهم الا دفع الاموال الاميرية، وقد بر بوعده في السنوات الاولى من حكمه، فخفف عنهم بعض الاعباء المالية، واخذ في تنشيط الزراعة والتجارة، فشعر السوريين بالاطمئنان الى الحكم المصري وركنوا اليه.

ولكن هذه الحالة ما لبثت ان تبدلت لمااصدره محمد علي باشا الى ابنه في اواخر سنة 1833 واوائل سنة 1834 من الاوامر التي اثقلت كاهل الاهلين باعباء فادحة وهي: أولا: احتكار الحرير في البلاد السورية. ثانيا: اخذ ضريبة الرءوس من الرجال كافة على اختلاف مذاهبهم. ثالثا: تجنيد الاهالي. رابعا: نزع السلاح من ايديهم.

وقد تبرم الاهالي بهذه المحدثات وتذمورا منها، لان احتكار الحكومة للحرير من شانه الحاق الضرر بمنتجيه ومنع تنافس التجار على شرائه وحرمان المنتجين مكاسبهم منه.

وقد نفروا كذلك من ضريبة الرءوس وخاصة المسلمين لانهم ما كانوا ملزمين بها من قبل، وزاد في تذمرهم تسخير الحكومة للأهالي في الاعمال العامة.

وكانت التجنيد ونزع السلاح اهم الاسباب المباشرة التي افضت الى الثورة، فقد نفذ التجنيد بطريقة قاسية تثير الخواطر، وكان كثير من المجندين يرسلون الى جهات لا يقع على اهلهم شئ من اخبارهم فيها، وجاء نزع السلاح ثالثة الاثافي، لان معظم الاهالي كانوا يحملون السلاح ليدفعوا به سطوات البدو والرحل وعدوانهم، فانتزاع السلاح من ايديهم امر لا تقبله نفوسهم عن طاعة واختيار، ومن هنا نشات الثورات والفتن.

وقد كان للدسائس التركية والانجليزية عمل كبير في تحريك تلك الثورات، فان الترك والانجليز ما فتئوا يستفزون السوريين الى الثورة ويوزعون عليهم الاسلحة ويحرضونهم على القتال ويستميلون اليهم رؤساء العشائر والعصبيات، تارة بالمال وطورا بالوعود، حتى افلحوا في تهيئة البلاد للثورة، كما ان بعض اصلاحات ابراهيم باشا كانت من اسبابها، فقد مر بك ان ابطل سلطة الرؤساء الاقطاعيين وضرب على ايدي الاشقياء وقطاع الطرق الذين كانت لهم سطوة كبيرة في بعض البلاد، فؤلاء اولئك قد ساءهم انتزاع السلطة من ايديهم، فكانوا مدفوعين بوازع المنافع الشخصية الى تحريض الاهلين على الثورة بالحكم المصري، قال الدكتور مشاقة في هذا الصدد خلال كلامه عن نظام الحكم المصري في سورية:

"هذا النظام وان يكن عادلا وشريفا قد كان باعثا قويا على كره الاعداء والمشايخ للمصريين حيث كف يدهم واوقف مطامعهم عند حد لا يمكن اجتيازه، وأمات استبدادهم بالشعب، وجعلهم امام الشريعة سواء لا امتياز ولا فرق بينهم وبين افراد الرعية، فحنقوا على الدولة المصرية وردوا ازالتها وارجاع الحكومة التركية".

وقائع الثورة

ان مظالم حكومة محمد علي اذت المسلمين في شعورهم الديني، وأثقلت كاهل الشعب على اختلاف مذاهبه وطبقاته بالضرائب حتى ان الأغنياء حملوا منها فوق طاقتهم وشاركت الملاكين والصناع العمال في أتعابهم، وشردت رجال البلاد في الآفاق اما بسوقهم الى الخدمة العسكرية في البلدان البعيدة سوق الجناة أو للسخرية في الأشغال الأميرية بأجور زهيدة أو بإلجائهم الى الفرار الى حيث لا تصل يدها اليهم، فخلت الحقوق من زارعيها ، وارتفعت أجور العمال الباقين ارتفاعا فاحشا، تعذر معها على ذوي الأملاك استثمار أملاكهم، وتقهقرت تجارة البلاد التي كانت في أول عهد الحكومة قد أخذت في الانتعاش، واستعملت من ضروب القسوة في جميع اجراءاتها ما أوغار الصدور وأحرج السوريين كافة احراجا لم يبق وراءه سوى انفجار بركان الاحقاد وشبوب نار الثورات في البلاد.

ورغما عن الاسباب التي حالت دون اجتماع كلمة السوريين على القيام بالثورة دفعة واحدة، فان نيران الثورات التي بدأ شبوبها سنة 1834 ما برحت متنقلة من فلسطين الى جبال العلويين فشمالي سوريا فحوران فلبنان، ولم ينته الا بانتهاء حكم محمد علي في سوريا.

فكان ما فقد محمد علي من جيشه في محاربة السوريين بسبب تنفيذ قانون التجنيد أكثر بكثير من عدد الذين تمكن من تجنيدهم وما استولى عليه من أموال السوريين بحق أو بغير حق أنفق أضاعفه في محاولة اخضاعهم، وجميع التدابير التي قام بها لاضعاف قوتهم ولد في نفوسهم من الغيظ والغيرة على حقوقهم والمحافظة على كرامتهم وكيانهم ما يزيد على القوى التي سلبها منهم. كما أن أعداء محمد علي من عثمانيين واوروبيين استثمروا هياج أفكار السوريين، فأيدوا الثائرين حتى انتهى الأمر بخروج ابراهيم باشا بجنوده وسائر رجال حكومة محمد علي من سوريا كما سنرى.

ثورة فلسطين

وصلت اوامر محمد علي بالمحدثات الجديدة الى ابراهيم باشا وكان في يافا ، فبادر من فوره الى اذاعتها بين القبائل وفي انحاء البلاد، فثقلت هذه الاوامر على الناس وطلبوا رفعها، فلم يجابو الى طلبهم، فظهرت بوادر الاضطرابات في فلسطين.

ابتدأت الثورة على شواطئ نهر الاردن بالقرب من بيت المقدس في شهر ابريل سنة 1834، وتواطأت القبائل في هذه الجهات على الا يذعنوا لتلك الاوامر، وفي هذا اعلان للثورة.

فلما اعلم ابراهيم باشا بنبا هذا العصيان سار بالجيش من يافا الى بيت المقدس، قد كان لمبادرته تاثير كبير اضعف عزيمة الثوار، وهناك جمع نبهاء القوم واكابرهم (ابريل سنة 1834) فاستوضحهم مقصدهم، فاجابوه بانهم لا يعارضون في احتكار الحكومة للحرير، ذلك يؤدون الضريبة ضعفين ويقدمون بعض اولاد المشايخ رهينة لضمان طاعتهم واخلاصهم، غير ان ابراهيم باشا ابى ان يتهاون في تنفيذ اوامر ابيه، فاستمهلوه مدة يراجعون قومهم وعشريتهم، وانفض الاجتماع على غير طائل، وعاد ابراهيم باشا الى يافا ينتظر الجواب الاخير الذي وعد المجتمعون بابلاغه اياه بعد مشاورة الاهالي، ولكي ينتظر ورود النجدات والتعليمات من مصر، وكانت انتشار الوباء في هذه الجهات مما دعاه الى التعجيل بمغادرة بيت المقدس فاثر البقاء في يافا اذ لم يكن الوباء وقع فيها.


أما باقي المشايخ فتفرقوا في البلاد لدعوة الأهلين الى التجنيد حسبما اتفقوا عليه مع ابراهيم باشا، لكن قلوبهم كانت ممتلئة حقدا عليه. وكانت الحكومة العثمانية في أثناء ذلك تدس الدسائس في سوريا لحكومة محمد علي، فذاع في طول البلاد وعرضها خبر مؤاده ان الدولة العثمانية قد حشدت جيشا جرارا في سيواس ، وعهدت بقيادته الى محمد رشيد باشا الذي كان قد أسره ابراهيم باشا في موقعة قونية، وأنها تتأهلب للزحف على سوريا لأجل استرجاعها.

وكان العدد الأكبر من الجنود المصرية قد عاد الى القطر المصري ، أما الجنود التي كانت لا تزال باقية في سوريا فكانت مفرقة في المدن المختلفة. فهذه الاشاعة لقيت أذانا صاغية من السوريين الذين أصبحوا ناقمين على حكومة محمد علي، وشددت عزائمهم على مقاومة مطاليبه، فعاد العربان الضاربون بجوار البحر الميت الى الانتفاض، وتبعهم أهل جبل نابلس الأشداء وفر الشيخ قاسم الاحمد من معتقله في يافا الى نابلس، وتولى قيادة الثوار هناك وأرسل جماعة الى القدس فأحضرت ولده الذي كان متسلما عليها.

وانضم الى الثوار آل أبي غوش انتقاما من الحكومة لأنها سجنت والدهم وكبير قومهم في عكا لابتزازه أموال الحجاج الى بيت المقدس، وكان لانضمام هؤلاء الى الثوار تأثير عظيم لشدة بأسهم وزعامتهم في البلاد الواقعة ما بين القدس ويافا، فتحرج مركز الحامية المرابطة في القدس التي كان يبلغ عدد رجالها نحو ألف مقاتل، فعزم قائدها على الانسحاب منها الى يافا، فاعترضها آل أبي غوش برجالهم وهاجموهم بشدة وقتلوا منها نحو خمسين جنديا، وشتتوا شمل الباقين ، فاضطر القائد الى الرجوع الى القدس مع الجنود التي تسنى له جمع شتاتها ودخل بهم القلعة واعتصم بها. فلما اتصل الخبر بابراهيم باشا وجه آلايا من جيشه بقيادة الميرالاي حسن بك لرفع الحصار عن حامية القدس، فتصدى له آل أبي غوش أيضا، ونشبت بينهم معركة ادمية قتل فيها حسن بك ونحو ثلاثين جنديا، وأكره الباقون على الرجوع الى يافا.

وكان الثوار في أثناء ذلك قد هاجموا حامية الخليل المؤلفة من مايتي جندي وذبحوهم، وحضرت جموع غفيرة لمهاجمة القدس فانسل بعضهم الى جهة باب داود، وقتلوا الحرس وفتحوا الباب، فدخل الثوار منه واشتد القتال بينهم وبين الحامية المحاصرة في القلعة، ونهبو دكاكين البلد وبعض بيوت اليهود..وكانت حينئذ قد وصلت الامدادات من مصر فنهض ابراهيم باشا من يافا في 4 حزيران (يونيه) سنة 1834 ومعه سليمان باشا الفرنساوي يقودان ستة آلاف مقاتل، فلما بلغوا قرية العنب بلدة آل أبي غوش الواقعة على مسيرة نحو ثلاث ساعات من القدس، اشتبكوا مع الثوار في موقعة دامية استمرت من الظهر الى العشاء دون أن يفوزوا منم بطائل ، فباتوا ليلتهم هناك.

وفي الصباح تجدد القتال فأبلى الفريقان أحسن بلاء، وأخيرا تغلب ابراهيم باشا على الثائرين، وفتح طريقه الى القدس، فوصلها في اليوم الثالث بعد قيامه من يافا، وفرق جموع الثائرين الذين كانوا قد دخلوها. وعلم أن مسلمي القدس ساعدوا الثائرين، وأن الذين قاموا بالمساعدة قد فروا مع الثوار، فأباح لجنوده نهب منازلهم، ونهبت في أثناء ذلك بعض اليهود خطأ لقربها من منازل المسلمين. غير أنه وجد موقفه في القدس محرجا بازاء الثوار الذين كانوا يحيطون به من كل جانب، فالنابلسيون كانوا يهاجمونه من جهة، وعربان البحر الميت من جهة أخرى، ومواصلاته مع يافا مقطوعة لاعتراض آل أبي غوش في الطريق. فحصلت بين ابراهيم باشا والثوار ثلاث وقائع، كان النصر فيها لابراهيم باشا، لكنه فقد في احداها قائدا من رجال برتبة لواء ، غير أن قوة الثائرين لم يصبها وهن وهممهم لم تفتر عن القتال.

اخذت الثورة تستفح ، وخاصة لما ذاع بين الاهالي من ان تركيا تتاهب بجيش جديد لاسترجاع الشام من محمد علي، فجنح البدو الضاربون بجوار البحر الميت الى العصيان، وامتدت الثورة الى نابلس.

قمع العصيان

كان زعماء العصيان في تلك الجهات حاكم نابلس المسمى الشيخ قاسم الاحمد، وهو من رؤساء العشائر ذوي العصبيات القوية، وكان منهم زعيم آخر لا يقل عنه نفوذا ومكانة وهو أبو غوش صاحب قريبة العنب الواقعة بين بيت المقدس ويافا.

هاجمت جماعة أبو غواش المخافر المصرية المعهود اليها تامين السبيل بين يافا وبيت المقدس من سطو قطاع الطرق، فقفلت الحامية راجعة الى يافا لقلة عددهم ازاء المهاجمين.

وكذلك هاجم العصاة حامية بيت المقدس، وكانت تبلغ الف مقاتل، فقتل منهم خمسون جنديا واضطر القائد الى الامتناع في قلعة المدينة حتى يأتيها المدد.

فلما علم ابراهيم باشا بهذه الواقعة انفذ الايا من الفرسان بقيادة الميرلاي حسن بك لنجدة الحامية وللتنكيل بقبيلة ابي غواش، ولكن النجدة المصرية لم تقو على مقاومة العصاة، ورجعت مهزمة مضعضعة بعد ان قتل قائدها ونحو ثلاثين من جنودها، وتكاثر الثوار على القدس واقتحموا باب داود (من ابواب المدينة) ودخلوا منه ، ووقع قتال شديد بينهم وبين الحامية المحصورة في القلعة، ونهبوا حوانيت المدينة وبعض بيوت لليهود، كذلك هاجم العصاة الخليل وقتلوا حاميتها وكان عددها 200 جندي.

فلما علم ابراهيم باشا باستفحال الثورة جمع جيشا من ستة آلاف جندي وقام على راس هذا الجيش. فسار من يافا في شهر يونية سنة 1834. وزحف على معقل العصاة في قرية العنب التي امتنع بها جماعة ابي غوش، وكانت محصنة تحصينا منيعا، فحاصرها الجيش المصري واستمر القتال حولها ثلاثة أيام متوالية، وفي اليوم الثالث دخل المصريون القرية، فكان سقوطها في يدهم سببا في تشتيت العصاة، واحتل المصريون الطرق المفضية الى بيت المقدس وفرق الجيش جموع العصاة ودخل المدينة بعد ان فر كثير ممن انضموا الى الثوار، ووقعت ثلاث معارك بين الجيش المصري والعصاة كان النصر فيها للمصريين.

على ان هذا القتال قد حمل الجيش خسائر جسيمة ومتاعب هائلة، فتحصن ابراهيم باشا في بيت المقدس.

وفي غضون ذلك عمل على التفريق بين القبائل وضرب بعضها ببعض على الطريقة التي اتبعها في حرب الحجاز، وافلح في استمالة بعض القبائل فتفككت عراها، وعقد سليمان باشا الفرنساوي اتفاقا مع اولاد ابي غوش تعهدوا فيه ان يؤمنوه على اجتياز معاقلهم وان يوالوا الحكومة المصرية على ان تطلق سراح ابيهم الذي كان سجينا في عكا، وعلى العفو عنهم، وبذلك امنت الطريق بين يافا وبيت المقدس.

وفي اثناء ذلك عرض الشيخ قاسم حاكم نابلس على ابراهيم باشا ان يقدم طاعته على ان يعفي النابلسيون من الخدمة العسكرية، وجرت بينهما في هذا الصدد مفاوضات، فلما تم الاتفاق مع جماعة ابي غوش واستوثق ابراهيم باشا من ولائهم قطع تلك المفاوضات.

حضور محمد علي باشا

لما استفحل امر الثورة عتزم محمد علي باشا المجئ الى فلسطين ليطمئن بنفسه على الموقف وليشرف على حركات القتال التي كان الغرض منها قمع العصيان، فحضر الى يافا يصحبه عدد كبير من الجند، وكان ابراهيم باشا وقتئذ في القدس، فذهب لاستقباله في يافا.

وكان العصيان قد امتد الى صفد، فقطع اهلها الطرق ونهبوا اليهود، فعهد محمد علي الى الامير بشير الشهابي حاكم جبل لبنان، وكان على ولاء تام للحكومة المصرية، ان يخمد هذا العصيان ، فصار بالامر وزحف على صفد وحاصرها وسلمت من غير قتال واعاد العصاة ما نهبوه من اليهود.

وقد بر ابراهيم باشا بوعده لآل ابي غوش فاطلق سراح زعيمهم وعين احد ابنائه متسلما (حاكما) للقدس.

اخماد الثورة

وجرد جيشا لمحاربة الشيخ قاسم حاكم نابلس، فدار قتال شديد بينهما انتهى بهزيمة الشيخ قاسم وفراره مع اتباعه الى الخليل.

وفي غضون ذلك عاد محمد علي باشا الى الاسكندرية بعد ان اطمأن من ناحية الجيش المصرية ومركزه، فوصل الى الاسكندرية في يوليه سنة1834.

احتل الجيش المصري قرى نابلس: ثم تعقب الشيخ قاسم ورجاله الاشداء الى الخليل، وتطاحن الفريقان ثلاث ساعات انكسر بعدها الثوار، فدخل الجيش الخليل وانسحب المنهزمون الى الكرك والسلط فتعقبهم ابراهيم باشا الى الكرك ولقى جنوده مشقات هائلة في هذه الحملة لاشتداد القيظ والعطش، وسقط منهم نحو ثلثمائة مصابين بالرعن (ضربة الشمس)، واحتل الجيش المصري الكرك، وحمى القتال حول قلعتها التي اعتصم بها الثوار، وتكبد المصريون خسائر جسيمة في هجومهم على القلعة وارتدوا عنها قليلا ريثما تبلغهم المدفعية، فانتهز الثوار هذه الفرصة واخلوا القلعة واسنلوا منها الى السلط، وتقدم ابراهيم باشا الى السلط فسلم اهلها من غير قتال.

وفر الشيخ قاسم ومن معه من زعماء العصيان الى البادية، ونزلوا على عرب عنزة، ولكن ابراهيم باشا تعقبهم وما زال بهم حتى اخذهم جميعا وقتلهم، وبذلك تم اخماد الثورة في فلسطين، واذعنت القبائل لسطوة ابراهيم باشا وشدة بأسه.

اضطرابات اخرى

وقد هاجت الخواطر في دمشق لما اوقع التجنيد من الحزن في نفوس اهالي المجندين، وفر عدد كبير من الناس الى البادية والى الجبال، وخشى شريف باشا والى ايالات الشام ان يعم الهياج، وخاصة بعد ورود انباء ثورة فلسطي، وفكف عن التجنيد ، لكنه جمع السلاح من ايدي الاهالي.

وكذلك وقعت اضطرابات في طرابلس سنة 1824 وائتمر الاهلون بالحامية، فاضطرت ان تنسحب الى الميناء، فارسل ابراهيم باشا المدد الى طرابلس، وعاقب مثيري الفتنة باعدام ثلاثة عشر منهم وثارت الفتن في عكار وصافيتا والحصن. فاخمدتها القوة المسلحة، ووقعت كذلك اضطرابات أقل شانا منها في حلب وانطاكية وبعلبك وبيروت.

ثورة النصيرية

من تشرين أول إلى آخر كانون أول (أكتبر-ديسمبر) سنة 1934وشهدت الثورة في بلاد النصيرية شرق اللاذقية في اكتوبر سنة 1834، وكانت اهم ثورة بعد ثورة فلسطينعنوان وصلة، وهاجم الثوار اللاذقية فامدها ابراهيم باشا، وزحفت قواته على بلاد النصيرية ونشبت معارك عدة بينها وبين الثوار انتهت بانتصار الجش المصري ونزع السلاح من ايدي الثوار وتجنيد نحو اربعة آلاف من اهل تلك البلاد.


وقد نفذ ابراهيم باشا قاعدة نزع السلاح والتجنيد في البلاد التي اخمد الثورة فيها، واستتب الامن في ربوعها، وكان البنانييون يعاونون الجيش المصري في اخماد تلك الثورات فترك لهم سلاحهم الى سنة 1835 ثم عمد الى تجريدهم منه وبدا بالدروز وخادع المسيحيين انه لا يريد نزع اسلحتهم، فعاونوه على تجريد الدروز، وبعد ان تم له ذلك عاد الى اولئك فجردهم من سلاحهم، واستتبت السكينة في سورية ولبنان، فعمدت الحكومة الى تجنيد الاهالي من البلاد كافة، وترتب على ذلك فرار الكثير من الشبان الى البادية مما اضر بالحالة الاقتصادية ضررا بليغا.


ان ثورة النصيرية كانت أهم ثورات سنة 1834 بعد ثورة فلسطين، فقاتلوا الجيش مستبسلين، كما ان بلادهم أصابها من النهب والحرق والتخريب ما لم يصب غيرها مثله. أما اسباب هذه الثورة فهي تلك التي أذكت نار الثورة في سائر البلدان السورية، وكان ابتداؤها ان النصيرية اعترضوا آلايا من الخيالة النظامية كان ذاهبا من اللاذقية واعتدوا على ممتلكات الحكومة والمسيحيين، وحاصروا المتسلم سعيد أغا العينتابي في داره. وكان ابراهيم باشا عائدا حينئذ من كرك الشوك فلما وصل الى المزيريب بلغه خبر هذا الانتفاض، فأصدر أوامره الى امير لواء الامير بشير أن يوجه قوة لبنانية بقيادة أحد أولاده ليشترك مع سليم بك في أعمال التأديب، فنهض الأمير خليل ومعه اللبنانيون من بيت الدين في 20 تشرين أول (أكتوبر) سنة 1834 وانضم اليهم الامراء الشهابيون فندي وجهجاه وسعد الدين واحمد ومعهم رجال وادي التيم، فوصلوا الى طرابلس ومنها استأنفوا السير الى اللاذقية في 27 جماد الثاني سنة 1259 هـ = 31 تشرين أول (أكتوبر) سنة 1834م.

وفي 6 رجب زحفوا على بلاد النصرية وخيموا في قرية البهلولية، ففر النصيرية من وجههم تاركين وراءهم مواشيهم وامتعتهم وغلالهم، فعنمتها العساكر وحرقت خمس عشر قري من قراهم وقطعت أشجارها، ثم وجه سليم بك فرقة من عسكره لتخريب غيرها من القرى فصدمها الثوار صدمة شديدة وأكرهوها على الرجوع مضاربها. فأرسل الامير خليل ألف مقاتل من رجاله بقيادة المير جهجاه احد أمراء حاصبيا، فانهزم النصيرية، وحرق العساكر ثلاثين قرية وفي اليوم الثاني نهض الامير خليل ورجاله ومعه الامير افندي شهاب حاكم راشيا والعرب الهنادي وبعض الفرسان المصرية، وتواقعوا مع النصيرية في قرية منبايا، وكانت خسائر الفريقين بالرجال قليلة غير أن النصر كان حليف الجيش الذي حرق قرى عديدة.

ثم انتقلت العساكر الى مقاطعة صهيون وكان سكانها قد اعتصموا في قلعتها وجاءتهم نجدة مؤلفة من نحو ألفي مقاتل من مقاطعة بيت الشلف، فحصلت بينهم وبين العسكر معركة فاز فيها العسكر على الثوار وهزمهم، ثم هاجم القلعة واستولى على ثلاثة من أبراجها، وطلب المحاصرون الباقون الأمان وكان الوقت ليلا فكف العسكر عن قتالهم، فاغتنم المحاصرون الفرصة وانسحبوا من القلعة تحت ستار الليل وهربوا، وعند الصباح دخل العسكر القلعة واستولى على ما فيها. وعلى أثر ذلك حضر أهل مقاطعة ديروس وسلموا، ثم انتقل العسكر الى مقاطعة بيت الشلف وشرعوا في حرق قرية عين التين، فبادر أهلها الى التسليم، وحذا حذوهم أهالي مقاطعة المزيرعة وبيت عمار والجهنا. وقدم الى اللاذقية عثمان الجبور كبير الكلبية وحميدوش كبير بني علي، لاجئين الى القناصل ملتمسين مساعدتهم متعهدين انهم يقدمون سلاح بلادهم.

أما أهل بيت باشوط والسرامطة والقراحلة فامتنعوا عن التسليم ورابطوا على جسر السن الواقع بين بانياس وجيلة، واتفق ان الشيخ حسين السلمان ونحو سبعين خيالا من المتاولة جاءوا قاصدين الانضمام الى العسكر ، فاعترضهم المرابطون على الجسر وقتلوا اثنين منهم واستولوا على بعض خيولهم. وأرسل الامير بشير نجدة مؤلفة من خمسمائة مقاتل مؤلفة من اهل زحلة وبسكنتا، فتصدى لهم الثوار انفسهم عند جسر السن أيضا، وقتلوا منهم ستة وعشرين رجلا من الزحليين وعشرة من البسكنتاويين، فأرسل الامير خليل ثلاثمائة فارس لنجدة اللبنانيين بقيادةالامير سعد الدين والامير احمد الشهابيين، ففر النصيرية من وجههم الى جبل الحمام.

وفي اليوم التالي زحف العسكر على مقاطعاتهم فاعمل فيها النهب والحرق، وفعلوا مثل ذلك في مقاطعة القرادحة التي كان مقدمها عثمان الجبور قد سلم للعسكر، لكن عجز عن تقديم جميع الاسلحة التي وعد بتسليمها، ثم ساروا الى الشعرة وحرقوا نحو خمسين قرية، ونزلوا في قرية الجديدة، وكان ابراهيم باشا قد وصل الى حمص قادما من دمشق، فأبلغه سليم بك امر خضوع الثوار، فأمر الباشا بتفرق العساكر، فاذن للأميرين سعد الدين واحمد الشهابيين بالرجوع الى أوطانهم، وفي أثناء عودتهم حصلت وقائع بينهم وبين النصيرية في وادي العيون ووادي عميق شمالي صافيتا.

أما الامير خليل شهاب، فغادر بلاد النصيرية في 20 شعبان 1250 هـ = 12 كانون أول (ديسمبر) سنة 1834 م عن طريق جبلة فالمرقب فطرطوس فطرابلس، ووصل الى بيت الدين في أول كانون ثاني (يناير) سنة 1835 وتفرق رجاله الى أوطانهم، وبقى سليم بك في بلاد النصيرية مع قسم من عساكره لاكمال جمع السلاح. استتب الأمن بعد ذلك بنوع لم يسبق له مثيل، وانتظم نحو أربعة آلاف رجل من أبناء تلك البلاد في سلك الجيش المصري.

ثورة حوران

نحوه من مختلف الجهات، فيوحدون صفوفهم ويقاتلون جنبا الى جنب كأنهم رجل واحد. وهم يفوقون الجنود المنظمة في سرعة حركاتهم ومرونة ترتيباتهم الحربية، وفي صفةمن تشرين ثان (نوفمبر) سنة 1837 إلى آب (أغسطس) سنة 1838.

بدأت هذه الثورة في أواخر شهر تشرين ثاني (نوفمبر) سنة 1837 ، وانتهت في النصف الثاني من آب (أغسطس) سنة 1838 بعد وقائع دامية خسر في أثنائها جيش ابراهيم باشا ما لا يقل عن عشرة آلاف مقاتل، بينهم عدد غير يسير من القواد، ولاقى من الاهوال ما لم يلاق مثله في حروبه مع الدولة العثمانية أو في اخماد سائر الثورات في سوريا وغيرها. وحتى تتضح للقارئ الاسباب التي دعت حكومةمحمد علي الى اثارة هذه الفتنة التي كلفتها الضحايا الغالية بدون جدوى، وتنجلي أمامه الاحوال التي مكنت الدروز رغما عن قلة عددهم من البطش بالحملة بعد الحملة واحتال ضغط الجيوش الجرارة تسعة شهور، لابد من ايراد بعض التفاصيل عن موقف المتحاربين.

هجر بعض الدروز مواطن العمران في لبنان وغيره الى بلاد سادت فيها الفوضى وكثر الخراب وهي بلاد حوران، وكانت هجرتهم اما بسبب المشاحنات التي كانت كثيرة الوقوع بين الاسر والاحزاب أو فرارا من نظام حكام ذلك الزمان. فوجدوا في حوران الحرية المطلقة وجودة الهواء والمساكن الرحبة في قراها القديمة المهجورة تحيط بها الاراضي الواسعة الكثيرة الخصبة. غير انهم ما لبثوا ان اضطروا الى أن يستأنفوا في وطنهم الجديد مثل ما كانوا عليه في وطنهم السابق من قتال ونزاع مع جيرانهم أو مع القبائل الرحالة التي اعتادت المرور والرعي في الديار التي نزلوها، هذا فضلا عن تعرهم الدائم لمقاومة غزاة البادية الذين يعيشون على السلب والنهب.

هكذا كان الدروز الذين أمرا حوران حتى عهد ابراهيم باشا – كانوا أحس حرب حنكتهم التجارب وتمرسوا على الحروب في وطنهم القديم، فكان ذلك أفضل ما ادخروه لحفظ كيانهم في وطنهم الجديد، حيث لم تزدد مزاياهم الحربية الا نموا لانهم كانوا على الدوام في حال حرب لا يخرج الواحد منهم من منزله الا وهو شاكي السلاح استعدادا للطوارئ والمفاجات – فتمادى الاحوال على هذا المنوال صير جميع دروز حوران جيشا محاربا فيه الجنود والقواد. فبنوا الحمدان وهم اقدم أسرة درزية نزحت الى حوران على ما نعلم توطدت زعامتهم العامة فيها ونشأت أسر غيرها ذات عصبية قوية وزعامة محلية، فكان أولئك الزعماء قوادا ورجالهم جنودا.

والدروز في الحروب أطوع لقوادهم من البنان، كما ان قوادهم فوق ما امتازوا من البسالة والاقدام عرفوا في حروبهم بسعة الحيلة وحسن الادارة الحربية، وطالما بزوا في ذلك القواد المدربين. وفي الدورز من مزايا الجنود المنظمة سرعة حشد قواتهم والعمل يدا واحدة بدون ارتباك، وهذه المزايا توارثها الخلف عن السلف، غير انها ازدادت ظهورا في دورز حوران لكثرة تعرضهم لغزو الغزاة، واعتيادهم على الغارات، فكانوا اذا جاءتهم اشارة من موقع خطر تندفع مقاتلتهم الاعتماد على النفس الضعيفة في أولئك الجنود. فهذه المزايا كانت تجعل لهم اليد العليا في الكر والفر وتجعلهم أقل عرضة للخسائر الجسيمة والنكبات عند تكاثر جموع الاعداء.

ومن مزاياهم الصبر على الشدائد وتحمل المشقات لصحة ابدانهم وقوة إيمانهم وخشونة معيشتهم واعمالهم الجسدية واتقانهم استعمال الاسلحة المختلفة، كالسيف والرمح والاسلحة النارية وفي ذلك يقول أحدهم مفتخرا:

حنا بني معروف نحمي الجار ولو جار تهوى المزند فتيلك ما نداريه
وسيوفنا الحدب تبرى كل زنار وسلاحنا لو صدى بالدم نجليه
بارودتي فلنتا ومزنره بسوار حالفه رصاصها عالأرض ما ترميه

وفوق هذه المزايا قد استفادوا من موقع اللجاة المنيع. وللجاة بر فسيح طوله عشرون ميلا وعرضه خمسة عشر ميلا، وهو شديد الوعورة كثير المغاور والكهوف، يصعب على الجيش المهاجم الاحاطة به ويجد أكثر المشقات اذا حاول اختراقه. فالدروز انتقلوا اليه بعيالهم حالما ظهرت بوادر العدوان بينهم وبين حكومة محمد علي واتحدوا مع العربان الذين يقطنون اللجاة، فبلغ عدد مقاتلتهم جميعا نحو ألفي رجل، منهم نحو ألف وستمائة رجل من الدروز. وهذا عدد يسير بالنسبة الى الألوف المؤلفة التي اعتادت جنود ابراهيم باشا المنظمة مصادمتها والتغلب عليها. غير أن وعورة مسالك النجاة، وصعوبة الحرب فيها على غير عارفيها، ضاعفت قوة الدروز وحلفائهم، وبالنسبة عينها أضعفت قوة الجيش الذي هاجمهم فيها.

أما الذين حمل حكومة محمد علي على التشدد في أمر التجنيد في سوريا، فهو أن الدولة العثمانية كانت تحشد جنودها على مقربة من حدود سوريا الشمالية، بحجة مقاتلة ثوار الاكراد، فاستعدادا للطوارئ بادر محمد علي الى تقوية جيوشه في سوريا، واصدر أوامره بتعميم التجنيد فيها، وبمقتضى ذلك النظام، طلبت حكومة دمشق من دروز حوران مائة وسبعين مجندا، مع أنها لم تكلفهم التجنيد في سنة 1834 لشعورها بحاجتهم الى الرجال لدفع اعتداء العربان المحيطين بهم من كل جانب، لأن الدروز أنفسهم كانوا يقومون في بلادهم بما هو من واجب جنود الحكومة ورجال شرطتها، فيتولون حفظ الامن في الداخل، والدفاع عن حوزتهم عند وقوع اعتداء من الخارج. وحالتهم في سنة 1837 لم تتغير عما كانت عليه في سنة 1834 فتجنيدهم وتكليفهم الخدمة في أماكن بعيدة عن جيلهم، بينما جيرانهم من عربان البادية يسرحون ويمرحون لا مبرر له من جانب الحكومة، لان عدم تجنيد مائة وسبعين رجلا ليس له تأثير محسوس على قوة الجيش.

فالذي يتبادر الى ذهن الباحث هو أن حكومة محمد علي اتخذت مسألة التجنيد ذريعة التحرش بدروز حوران، توصلا الى اغراض أكثر أهمية من الحصول على مائة وسبعين مجندا. فجبل حوران واللجاة كانا في ذلك الزمان ملجأ لكل خائف من جور الحكام أو ثائر على الحكومة، ومعقلا يعتصم به الفارون من التجنيد والمتملصون من حمل الضرائب الثقيلة حتى ان قرى عديدة في جبل الكرمل خربت في ذلك الوقت، وانتقل أهلها الى جبل حوران لتنجو من الضرائب الثقيلة وشدة وطأة التجنيد، وفي ذلك خسارة جسيمة على الحكومة في المال والرجال فلذلك رأت الحكومة أن تدويخ دروز حوران يثبت قدمها في جبلهم وفي اللجاة، ويمكنها من ايقاف تيار اللاجئين اليهما، ومن فرض التكاليف العسكرية والمالية عليهم، وتمهيد السبيل لبسط سلطتها على ما وراءهم من العربان.

وكانت تظن خطأ أن دروز حوران القليلي العدد لا يستطيعون مقاومتها لتفرقهم في قرى مختلفة، وأن روابط الولاء والاخلاص بين مشايخهم وفلاحيهم كادت تكون مفقودة، وأنهم عزل من السلاح ولا خبرة لهم باستعمال المحراث والمساس. وعلى كل حال لم يكن عندها ريب في نجاح تدابيرها لاخضاعهم، لأن جيشها كان على قدم الاستعداد وفيه الجنود المجربة والقواد المحنكون الذين تعودوا الانتصار على اعداء اقوياء، زد على ذلك أنهم يفوقون الدروز عددا ويمتازون عليهم بجودة السلاح ووفرة الذخيرة.

أما مواطن الضعف في ذلك الجيش فكانت استصغاره شأن الدروز، وعدم تقدير عواطفهم القومية ومزاياهم الحربية تقديرا صحيحا. وشتان ما بين مدافع عن وطن اشتراه بالمهج الغالية وبين مهاجم مأجور لا يندفع الى الامام ولا بقوة النظام، كما أن قواد الجيش وجنودهم لم يعتادوا الحرب في الاماكن الوعرة كاللجاة التي كانوا يجهلون مصاعبها. فوعورة مسالك اللجاة أفقدت الجيش اهم مزاياه، وهي قوة النظام وكثرة العدد لانها اضطرت الجنود الى التفرق فلم يستطيعوا العمل مجتمعين، وزال الاتصال الوثيق بينهم وبين قوادهم، فهان على عدوهم الفتك بافرادهم وجماعاتهم الصغيرة وانزال النكبات بمجموعاتهم.

كان ابراهيم باشا قد أعفى دروز حوران من التجنيد، ثم تراءى له ان يطبق عليهم نظام التجنيد، وحجته انه في حاجة الى زيادة عدد الجيش استعدادا لمقاومة هجوم العثمانيين الذي جاءت الاخبار بقرب وقوعه.

فتمرد الدروز على طلب حكومة دمشق، وكان من ذلك نشوب ثورة خطيرة في حوران (نوفمبر سنة 1837) وهي شاد ثورة عاناها الحكم المصري في سورية.

انفد ابراهيم باشا ثلاث حملات لكفاح تلك الثورة واخمادها، فالحملة الاولى الفها من 459 من فرسان الهوارة، ففازت في بدء القتال على الثوار في بصرى ولكن الثوار استدرجوها الى الجهات الجبلية الوعرة فيبلاد اللجاة، وامر قائد الحملة بالزحف عليها، حتى اذا بلغ الوعر وانحصر فيه، انقض عليه الدروز، فدارت بين الفريقين معركة بطش فيها الدروز بالحملة المصرية، فقتل قائدها وبادت الحملة قتلا واسرا وتشريدا.

ولما ابلغ ابراهيم باشا نبأ هذه الواقعة وكان في انطاكية اجمع لحملة جديدة يقودها بنفسه، لكنه علم باحتمال تقدم الترك نحو الحدود الشمالية، فاضطر الى البقاء في حلب وارسل الى ابيه يستمده. وطلب منه ان ينفذ اليه احمد باشا المنكلي وزير الحربية المصرية لقيادة الحملة، فجاء هذا على جناح السرعة، وقاد الحملة الجديدة وكان فيها 6000 مقاتل، وزحف على حوران، فاخذ الثوار يستدرجونها كما استدرجوا الحملة الاولى من قبل الى ان توغلت في الجهات الوعرة، فقاتلها الثوار في معركة انتهت بهزيمة الحملة، وخسرت من رجابها نحو اربعة آلاف بين قتيل وجريح، وجرح قائدها احمد باشا المنكلي جراحا بالغة.

تصدعت هيبة الجيش المصري بانتصارات الدروز، واستشرت الثورة من حوران الى وادي التيم فثار الدروز فيها بقيادة (شبلي العريان) وقطعوا مواصلات الجيش.

وجهز ابراهيم باشا حملة ثالثة من عشرين الف مقاتل اطبق بها على ثوار حوران ووادي التيم.

ونشبت الحرب وكانت سجالا. الى ان انتهت بتسليم دروز (وادي التيم)، ثم تسليم شبلي العريان وانحصار الثورة في اللجاة ثم انتهت باخماد ثورة اللجاة (أغسطس سنة 1838).

وبذلك انتهت ثورة الدروز بعد ان استمرت تسعة اشهر تكبد فيها الجيش المصري خسائر فادحة، ولقى فيها الاهوال ما لم يلقه في اخماد الثورات السورية الاخرى.

وعنى عن البيان انه كان في امكان مصر ان تتفادى هذه التضحيات الاليمة والخسائر الفادحة لو لم يتشدد محمد علي باشا في تجنيد السوريين ونزع اسلحتهم، اذ لم يكن من الحكمة ولا من حسن السياسة ان تبادر دولة فاتحة الى تجنيد الاهالي في بلاد حديثة عهد بفتحها ولما يستقر بعد حكمها فيها، وخاصة اذا كان اهلها قد اعتادوا من قديم الزمن حمل اسلحتهم ولم يألفوا نظام التجنيد الاجباري، لما استهدف الجيش المصري لهذه الثورات الى اودت بحياة عشرة آلاف مقاتل ونيف، وذلك اكثر من العدد الذي استطاع تجنيده من السوريين، واكثر مما خسرته مصر في المعارك الحربية بسورية والاناضول، هذا فضلا عن ان اخماد الثورات بالقوة والجبروت قد اوغر صدور السوريين على الحكم المصري، فبعد ان استقبلوه في بدء الفتح بقبول حسن وفضلوه على الحكم التركي جنحوا بعد ذلك الى قديمهم ولقيت الدعاية التركية بينهم مرعى ومأوى.

على أنه يجب الا يغرب عن البال ما كان للدسائس الانجليزية والتركية من الاثر الكبير في تحريض السوريين على الثورة كما قدمنا، ولكن مما لا نزاع فيه ان هذه الدسائس ما كانت لتفلح لو لم تلجأ الحكومة المصرية الى اثارة الخواطر بنزع سلاح الاهلين وتجنيدهم جبرا، ومن جهة أخرى فان الحكومة المصرية رغبة منها في منع ورود الاسلحة الى البلاد امرت بمنع دخول جهة اخرى فان الحكومة المصرية رغبة منها في منع ورود الاسلحة الى البلاد امرت بمنع دخول السفن التركية الى الثغور السورية، وصدت ورود القوافل من جهات الاناضول، فاصاب التجارة من هذه وتلك ضرر كبير، وقد كان للدسائس الانجليية وسوء الحالة الاقتصادية في اواخر عهد الادارة المصرية اثر كبير في الحرب السورية التي شبت بين مصر وتركيا وحلفائها عقب ابرام معاهدة لوندره، فان الجيش المصري قد لقى فيها من مقاومة السوريين ما زاد مركزه جرحا كما سيجئ بيانه.

تأثير حكومة محمد علي في سوريا

زالت حكومة محمد علي من سوريا بانسحاب جنوده منها. أما تأثيرها فلم يزل مع ذلك الانسحاب، لأنها أحدثت في نظام الأحكام انقلابا عظيما، فأدخلت انظمة جديدة للادارة والقضاء والمالية والجندية، وأنفذت في السوريين سلطة العزيز المقتدر، فكان لذلك تأثيرات جمة في حياة البلاد الاجتماعية والأدبية والاقتصادية والادارية والسياسية، منها ما كان بعيد المدى، فاتصل تأثيره بوقتنا الحاضر.

التأثير الاجتماعي

من التغييرات الاجتماعية التي نشأت عن حكم محمد علي في سوريا اطلاق الحرية الدينية، ونشر روح الديموقراطية بالضرب على ايدي الزعماء والمتغلبين، ونزع السلطة من أيديهم، وانشاء العلاقة ما بين أفراد الشعب وحكامه مباشرة، وتأليف مجالس مشورة تمثل الشعب بعض التمثيل، ولها حق النظر في الشئون المحلية، بعد أن كان النظر في جميع الشئون منوطا بحكام مستبدين.

وقد كان لوجود ابراهيم باشا في سوريا تأثير في بساطة المظهر، بعد أن كان كبار البلاد يباهون بالملابس الفاخرة والمظاهر الخلابة وكثرة الأتباع، وانما كانوا يقلدون في ذلك الحكام العثمانيين. اما ابراهيم باشا فكان ميالا بفطرته الى بساطة المظهر والتخشن في المعيشة، ولعل حياته الجندية زادته استمساكا بذلك، لان احوال الجندية تقتضي التخشن وملابس رجالها بسيطة متماثلة لا تمييز فيها بين ملابس كبار الضباط وصغارهم الا بما عليها من العلامات الفارقة. ويروي انه لما جاء ابراهيم باشا بجيشه الى لبنان وحل في دير القمر، أقام في منزل حقير. لا ينزل فيه امثاله من الوزراء. وذهب ذات ليلة لزيارة الامير بشير زيارة غير رسمية، فلم يستصحب أحدا من رجال حاشيته بل كان بصحبته أحد خدمه، فقضى السهرة عند الامير في المسامرة والتدخين.

وكان الامير قبل ذلك لا يعهد في الوزراء سوى مظاهر الأبهة والترفع عن الناس، فلا تتحرك ركابهم الى آخر الا وهم مرتدون الملابس الفاخرة محاطون بالجند والعظماء. وكان الأمير نفسه بل من دونهن من الزعماء يجرون على الخطة نفسها كل حسب مكنته ومكانته. أما بعد أن تلقى هذه الزيارة الودية من ابراهيم باشا الخالية من التكلف البعيدة عن الفخفخة، لم يسعه إلا أن يحذو حذوه. وبما أن ابراهيم باشا وهو ابن عزيز مصر ورأس الحكومة السورية وقائد الجيش العام زاره مستصحبا خادما واحدا فحتى يحفظ النسبة ما بين مقامه ومقام مولاه وهما نازلان حينئذ في مكانين متقاريبن، رد له الزيارة منفردا.

وفي عهد ابراهيم باشا في سوريا طرح الامير بشير وأولاده العمائم واستبدلوها بالطربوش المغربي اقتداء بمحمد علي وابراهيم باشا ورجالها، فتبعهم في ذلك كبار رجال الدين وغيرهم.

وأظهر ما قامت به حكومة محمد علي من التغييرات الاجتماعية، المساواة بين رعايها على اختلاف الأديان والمذاهب. فقبل دخول ابراهيم باشا الى سوريا لم يكن مباحا للمسيحيين ان يتعمموا بالعمائم البيضاء أو الخضراء أو الحمراء، وكانت محظورة عليهم بعض أمور غير هذه، وكانت تولية المسيحيين مناصب الحكومة قليلة الوقوع. فحكومة محمد علي أزالت كل هذه الفوارق. وأباحت للمسيحيين ما هو مباح للمسلمين من لباس وركوب خيل وحقوق اجتماعية ووطنية، وقلدت كثيرين من المسيحيين الوطنيين والافرنج الوظائف في الجيش والحكومة الملكية ومنحتهم الرتب والألقاب.

ويروى عن حنا بك بحري الذي كان يتولى منصبا رفيعا في حكومة سوريا ان زملاءه المسلمين كانوا لا يعاملونه بالاكرام الذي يستحقه منصبه، وكان محمد علي قد منحه رتبة مير ميران. فشكا أمره الى ابراهيم باشا ، فهذا لم يحدث أحدا عن هذه الشكوى، لكنه دخل مرة الى مجتمع ضم كبار رجال مجلسه وبينهم حنا بك بحري فنهضوا واقفين. فقال ابراهيم باشا: "يا بك تقدم نحوي". دون أن يذكر اسم البك الذي طلب تقدمه، ولم يخطر ببال أحد أنه يقصد بحري بك دون غيره اسم البك الذي طلب تقدمه، ولم يخطر ببال احد انه يقصد بحري بك دون غيره من البكوات الواقفين أمامه، فتقدم موظف آخر اسمه حافظ بك فقال له ابراهيم باشا: "إني أنادي بحري بك" فرجع حافظ بك الى مكانه، وتقدم بحري بك ولما دنا منه قال له: "تفضل" وأجلسه على مقربة منه. أما سائر رجال المجلس فبقوا في أماكنهم وقال لهم "اجلسوا". فبعد هذا الحادث صار كبار رجال الحكومة يعاملون حنا بحري بك المعاملة اللاقئة بمقامه.

وكان قبل قيام حكومة محمد علي في سوريا لا يقاد المسلم بالذمي، اما حكومة محمد علي فسوت في ذلك بين رعاياها المختلفي الأديان والمذاهب، كما سوت بينهم في دفع الضرائب، ولم تفرق بينهم في شي سوى تكليف المسيحيين دون المسلمين بدفع الخراج، لكنها كلفت المسلمين القيام بالخدمة العسكرية ولم تكلف المسيحيين. وقد تجاوزت حكومة محمد علي في سوريا حد المساواة بين المسلمين والمسيحيين في امر التسليح، فبعد أن كانت قد جمعت أو فرضت جمع السلاح من جميع البلاد السورية، عادت في سنة 1838 فسلحت النصارى لتستعين بهم على مقاتلة الدروز.

وكان التضييق على المسيحيين الافرنج قبل عهد ابراهيم باشا مقله على المسيحيين الوطنيين ، فكان الوافدون منهم على سوريا قليلي العدد ولا يستطيعون التجول فيها إلا وهم مرتدون الملابس الوطنية، أو تحت حراسة الجند فلما ساح بكهرت في سوريا في أوائل القرن التاسع عشر ارتدى الملابس الوطنية، واتخذ لنفسه اسم الشيخ ابراهيم. وعينت انجلترا قنصلا لها في دمشق المستر فرن سنة 1829 فلم يستطيع دخول دمشق بل بقى في بيروت مدة طويلة أي إلى أن احتل ابراهيم باشا مدينة دمشق في سنة 1832 ، فأذن حينئذ للقنصل الجديد بالذهاب اليها، فدخل المدينة باحتفال مهيب ولم يجرؤ أحد من الاهالي ان يبدي اي تذمر او اعتراض، لان ابراهيم باشا كان يحكم البلاد بيد من حديد.

التأثير العملي والأدبي

لم تقم حكومة محمد علي في سوريا باعمال علمية وأدبية ذات شأن، فالمدارس التي أنشأتها كانت قليلة العدد والتأثير، وكانت في معظم الاوقات مشتغلة بالفتح وتسكين الاضطرابات واخماد الثورات ومقاومة الدسائس والاعتداءات الداخلية والخارجية. على ان قيامها في سوريا مهد السبيل لنهضة علمية أدبية، لأن تنظيماتها استوجبت اختيار المتنورين لادارة الاحكام والقيام بالأعمال القضائية والمالية والكتابية، وسهلت قدوم الافرنج من مرسلين دينيين، وتجار وغيرهم فأنشأت بوساطتهم المدارس.

كما ان ارسال بعض الشبان لدرس الطب في القطر المصري، واستخدام بعض السوريين في حكومة محمد علي باشا، أنشأ صلة أدبية دائمة بين القطرين، فامتدت تلك الصلة ونتائجها الى وقتنا الحاضر، وأدخلت حكومة محمد علي روحا علمية الى البلاد في أعمالها، فأنشأت محجرا صحيا في بيروت، وبذلت اهتماما يذكر في الأمور الصحية، وكانت تجري فيها حسب مشورة الأطباء، كما فعلت في دمشق بانشاء مصارف للمياه الراكدة، واستخدام المهندسين في ذلك وفي الانشاءات التي تحتاج الى معرفة فنية.

التأثير الاقتصادي

لو قدر لحكومة محمد علي الثبات في سوريا لاثرت في حالة البلاد الاقتصادية افضل تأثير، لان محمد علي كان رجلا عمرانيا طامحا الى توطيد دعائم ملكه، عالما أن العمران دعامة الملك الكبرى، فما قامت به حكومة محمد علي من الاعمال الاقتصادية لتنشيط زراعة الكرمة والتوت والزيتون، واستخرجت المعادن واشهرها معدن الفحم الحجري في قرنايل وقيل في بزيدين أيضا في مكان يدعى عين بوقة، كما أنها استخرجت الحديد من مرجبا في قاطع المتن في لبنان.

وقد كان لحكومة محمد علي تأثير خاص في نهضة بيروت الاقتصادية، لأن اقامة المحجر الصحي فيها أوجب على جميع البواخر القادمة الى الشواطئ السورية ان ترسو في مياه بيروت، وأجرت تجارب على زراعة السكر والنيلة وشجر التين، وتربية دودة القز، غير أنها لم تتمكن من مواصلة هذه الاعمال والتوسع فيها، لان البلاد كانت في حالة حرب، والحرب والعمران لا يجتمعان، فبعد فتح البلاد بزمن قصير، قامت الثورات في مختلف أنحاء البلاد، وما كادت تخمد هذه الثورات حتى تجددت الحرب مع الاتراك ثم تلتها محاربة الحلفاء ، فالانسحاب من سوريا وكان اهل سوريا ومواردها الاقتصادية مقيدين في اثناء تلك الحوادث بمشيئة الحكومة، تتصرف بهم في التجنيد والتسخير والاحتكار وفرض الضرائب الثقيلة الوطأة حسبما اقتضته الحاجة، ومكنت القوة من تنفيذه. فاشتغل من اشتغل من رجال البلاد في الجندية أو الثورة أو السخرة، وفر الى البادية او البلاد المجاورة من استطاع الفرار سيبلا. فحرمت الاراضي الواسعة من ايديهم العاملة، كما أن ثقل وطأة الضرائب والاحتكار ثبطا عزائم من بقى من القارين على الانتاج. وفي اثناء الحروب والثورات دمرت قرى عديدة، وأهملت الزراعة ، فقل الانتاج وارتفعت أسعار لوازم المعيشة، ولاسيما انها كانت محتكرة، وقسم كبير منه مطلوب لاعالة الجيش المرابط من البلاد، وأصبح الأهلون في ضيق شديد.

وبعد أن كانت قد ظهرت بوادر النشاط في أسواق التجارة بسبب تأمين طريق المواصلات الداخلية وتسهيل المعاملات مع البلدان الخارجية، كسدت التجارة، ووقف دولاب الاعمال الصناعية أيضا، ولاسيما أن البضائع الأجنبية اخذت تزاحم المصنوعات الوطنية، وأقبل الناس على شرائها، لأنها كانت أرخص ثمنا من مصنوعات البلاد، وأجمل منها منظرا.

ورغم ما عرف عن محمد علي من الرغبة الشديدة في تنشيط الصناعة، لم تتمكن حكومته من تنفذ رغبته هذه في سوريا، نظرا لما سبقت الاشارة اليه من اضطراب الاحوال واشتغالها بالحروب واخماد الثورات.

التأثير الاداري والسياسي

من حسنات حكومة محمد علي ان مبادئها كانت نظامية، ومع أن النظام لم يطبق دائما تطبيقا عادلا، نظرا لما تخلل ادارة الحكومة من الاختلاط والفساد، فانه وضع الاساس لترقية الحكم بترقية القائمين به والشعب الخاضع له. ووزع السلطات الادارية والقضائية، وقرر اختصاص كل منها بقدر الاستطاعة، فأقام الحوائل دون الحكم المطلق الذي كان في ما مضى يحصر السلطة في الحاكم وحاشيته.

وجرى في تلك الاثناء تعيين عدد كبير من اهالي البلاد في المناصب المختلفة، فتمرنوا على طرق الحكم الجديدة. وألفت مجالس الثورة من أبناء المدن، فتعودوا على ادارة بعض شئونهم بنفوسهم، وربطت اجراءاتهم بنظام معلوم. فهذا التبديل في ادارة البلاد، ومد رواق المساواة فوق جميع أبناء الشعب الواحد المختلفي الأديان والمذاهب، كان بمثابة مقدمة لخلط كلخانة الذي أصدره السلطان عبد المجيد في تشرين ثاني (نوفمبر) سنة 1839، ولما عقبه من التنظيمات الاصلاحية التي حاول أسلافه ادخالها ولم يفلحوا.

وأكبر نجاح صادفته حكومة محمد علي في سوريا، هو اقرار الامن في نصابه. ففي عهد الحكومة العثمانية السابق دخول ابراهيم باشا الى سوريا كان حبل الامن مضطربا في كل مكان، وكان الاشقياء يعيثون فسادا حتى في البلاد الساحلية وعلى أبواب المدن، كذلك الاماكن الواقعة على الطرق السلطانية، كما بين بيروت والشام التي كان من الواجب اقامة مخافر فيها لتأمين المواصلات، كانت في ذلك العهد مكامن للصوص، وكان المسافرون يضطرون الى السير جماعات جماعات، وهم شاكو السلاح ليستطيعو الدفاع عن نفوسهم وأموالهم، وكان من منتهى الشجاعة ان يذهب الرجل وحده من بيروت الى الشام، ومن ذلك نشأت الأغنية المشهورة في جبل لبنان التي منها قولهم:

جوزك يا المليحة راح على الشام وحده

جوزك يالمليحة بوزيد الهلالي

اما حكومة محمد علي ، فانها شددت النكير على اصحاب الجرائم، وأنزلت بهم العقابات الصارمة، وكان القاتل يقتل بدون تردد ولا امهال، وجازت المجرمين بالضرب الموجع، وبزجهم في السجون المظلمة، وتكليفهم القيام بالاشغال الشاقة، وحافظت على طرق المواصلات محافظة دقيقة، وألقت على عواتق رؤساء القبائل وشيوخ القرى تبعة ما يقع في دوائر نفوذهم من الجنايات والسرقات التي لا يكشف مقترفوها، فكان أهل القرية أو الناحية يكلفون ايجاد أو دفع ثمن ما يسرق أو ينهب في أرضهم. فهذه الاجراءات، وان كان بعضها لا ينطبق على العدالة، فانها لم تكن مخالفة لروح ومقتضيات ذلك الزمان، كما أنها جادت بفوائد عامة تبرر اتخاذها، فاستتب الامن في جميع أنحاء البلاد وفي ما عدا زمن الثورات كادت حوادث القتل والسرقة والسلب تنقطع من البلاد.

أما جبل لبنان فلم تترك فيه حكومة محمد علي من حسن التاثير ما تركته في سواه من البلاد السورية، فقبل حلول تلك الحكومة من سوريا، كان الامن مستقرا في لبنان، لان الامير بشير كان منصرفا بكليته الى ذلك، وكانت هيبته في البلاد ملء الاسماع والابصار. غير ان الامير كان مستبدا وحكومة محمد علي لم تضعف استبداده، ولا ذهبت بسيئات الحكم الاقطاعي وضغطه على الشعب اللبناني، لان السلطة التي كانت لاصحاب المقاطعات الاصليين انتقلت الى ايدي ابناء الامير وحفدته واقاربه ومريديه، وهؤلاء كانوا يستمدون من الامير قوة ويفوقون الاقطاعيين الذين تقدموهم جورا على الاهلين.

والذي أدى بلبنان الى هذا الموقف الشاذ، هو ان الامير بشير خدم حكومة محمد علي في سوريا خدمات جليلة، وكان أقدر اللبنانيين على تنفيذ مآرب محمد علي وابراهيم باشا في لبنان، فنظر الى هذه الامور بعين المراعاة، ولم تتعرض حكومة محمد علي للامير بشير في ادارة البلاد الداخلية، ولا أنشأت مجالس مشورة في لبنان كما فعلت في مدن سوريا، فبقيت السلطة محصورة في شخص الامير بشير، فازداد تمكنا من رقاب اللبانيين، واغتنم الفرصة السانحة، فجمع ثروة طائلة من اموالهم. هذا فضلا عن ان حكومة محمد علي رتبت على اللبنانيين نحو ثلاثة اضعاف ما كانوا يدفعونه الى الحزينة العثمانية. ومن اشد مساوئ حكومة محمد علي في لبنان طعن الوطنية اللبنانية في صميمها بما زرعته من بذور التفريق بين المسيحين والدروز.

الانسحاب

وفي ٢٩ كانون الأول ١٨٤٠: جلاء الجيش المصري بقيادة ابراهيم باشا عن دمشق وفق معاهدة لندن التي فرضتها الدول الأوروبية لمنع انهيار الدولة العثمانية. استمر حكم ابراهيم باشا لبلاد الشام ٨ سنوات.

المصادر

  1. ^ الرافعي, عبد الرحمن (2009). عصر محمد علي. القاهرة، مصر: دار المعارف. {{cite book}}: Cite has empty unknown parameter: |coauthors= (help)