أربعة مشاهد (مقال)

مصر والمتوسط 2013: أربـعــة مـشـاهــد

نايل الشافعي
shafei@marefa.org
9 نوفمبر 2013


يمر عام على اجتماعي بنحو ثمانين مسؤولاً ممثلين لمختلف أجهزة الدولة المصرية لبحث قضية غاز شرق المتوسط وضمنه حقل دمياط المنسي، عقب إثارة القضية في برنامج "آخر كلام" ليسري فودة. ويسأل كثيرون: إلام انتهيتم؟ وهل من تطورات؟ حاولت الدولة المصرية في عهد مرسي تجاهل الموضوع قدر الامكان لعله يختفي عن الأنظار. أما التطورات الدولية في الموضوع فتتوالى، وأهمها كما حذرنا منذ فبراير 2012 أن الاهتمام انتقل من الاكتشاف إلى سبل نقل الغاز. والاهتمام المعلن للدول العظمى بغاز شرق المتوسط يطغى على اهتمامها بالربيع العربي، بل ويفسر البعض الثاني بالأول.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ملخص القضية

مسافات حقول الغاز المكتشفة من مصر وقبرص وإسرائيل.

في عام 1999 فازت شركة شل بامتياز نيميد العميق بالبحر المتوسط للتنقيب عن الغاز لمصر. وفي نوفمبر 2003، أعلنت عن اكتشاف بئرين هائلين KG-45 و LA-52 في شمال دمياط باحتياطيات تناهز 2 تريليون قدم مكعب، وقالت عنهما أنهما يغيران خريطة توزيع الغاز الطبيعي في العالم ليصبح شرق المتوسط إقليماً هاماً لانتاج الطاقة. ووعدت في بيان نشره الأهرام في فبراير 2004، أن يبدأ الانتاج في ثلاث سنوات. بعد ذلك توقفت كل أنشطة شل في نيميد. واكتشفت إسرائيل وقبرص حقلي لڤياثان وأفروديت على بعد 2 كيلومتر من الحدود المصرية (مع قبرص والتي رُسـّمت في عجلة وجهل وتفريط في 2003، وحدودنا مع إسرائيل والتي لا نعرف من فرضها على مصر ولم يصدق عليها مجلس الشعب). وفي 12 فبراير 2011 غداة خلع حسني مبارك، أعلنت شل، في خطوة غير مسبوقة، الانسحاب من امتياز نيميد بدون تنفيذ التزاماتها. ويسعى فرع شل في تركيا إلى اقتراح أنبوب غاز من الحقل الإسرائيلي عبر تركيا إلى اوروبا. حاولت مصر تقسيم امتياز نيميد إلى بلوكات وطرحتها في مزاد في 2012، إلا لأنه لم يتقدم أحد، فاضطرت وزارة البترول إلى تمديد فترة العطاء لستة+ثلاثة أشهر ثم أعلنت عن عدم تقدم أحد لأي من البلوكات العميقة المحاذية لقبرص وإسرائيل، والنصف الباقي من البلوكات أُرسِي على شركات هزيلة. وفي نفس الوقت طرحت قبرص مزاداً للتنقيب في بلوكات ملاصقة للبلوكات المصرية التي لم يتقدم لها أحد، وأرست المزاد على كبريات شركات النفط في العالم لتعمل على حدود مصر المتنازع عليها.

وعلى صعيد رد الفعل الرسمي على نشر القضية، فقد انحصر في عقد اجتماع كبير في وزارة البترول، في نوفمبر 2012، لكي يشرح لي المسئولين خطأ ما أقول لأنهم "يستخدمون أحدث برامج السوفتوير في ترسيم الحدود". الحضور على كثرتهم وكبر ألقابهم لم يكونوا صانعي قرارات. وقد تغيب عن الاجتماع أعضاء لجنة الأمن القومي بمجلس الشورى، بالرغم من أنهم وعدوني قبله بساعات بالحضور. ولاحقاً حين عاتبت أعلاهم صوتاً بأنه "نسي أن هناك مؤتمر للجمعية الشرعية لنصرة أخواتنا من كوسوڤو."

بعد اعلان إسرائيل وقبرص عن حقليهما، تغيرت خريطة الثقل السياسي في شرق المتوسط، وأصبحت أمريكا وروسيا والصين والاتحاد الاوروبي يخطبون ود إسرائيل وقبرص للتشارك معهم في أي من مراحل انتاج الغاز. وانتقل البلدان إلى المرحلة التالية وهي البحث سبيل تصدير الغاز المكتشف. فالحقلين يقعان تحت عمق مائي يتراوح من 1500-2480 متر، واقامة أنبوب غاز تحت هذا العمق يشكل تحدي هندسي غير مسبوق. ولعل أسهل سبل تصدير هذا الغاز هو عبر أنبوب بري من إسرائيل عبر سوريا ثم تركيا إلى اوروبا. إلا أن الواقع السياسي يحول دون تنفيذ ذلك، ويرى كثيرون أن تمرير هذا الأنبوب كان سبباً رئيسياً في اشتعال الحرب الأهلية السورية. لذا لا يبقى أما إسرائيل إلا إنشاء أنبوب بحري لتصدير ذلك الغاز إلى اوروبا، إلا أن ذلك يعوقه أمران:

  1. المياه التي تفصل قبرص عن كريت اليونانية هي مياه مصرية، لذا تحاول مختلف الدول العمل على تنازل مصر عن تلك المياه، بدلاً من أن تكون شريكة.
  2. المياه الفاصلة بين قبرص وكريت يبلغ عمقها بين 4,000 و 6,000 متر.


المشهد الأول: عبـّارات ابن أردغان

في 6 يوليو 2013 تكدست 350 شاحنة ضخمة لنقل الحاويات في الموانئ التركية وأعداد مماثلة من الشاحنات التركية في الموانئ المصرية والسعودية انتظاراً لتحميلهم في عبارات رو-رو، حسب الأرقام من هيئة النقل التركية في اسطنبول.[1]
مسار الشاحنات التركية إلى الخليج العربي.

وبعد سنة كابوسية من حكم الإخوان الذي اتسم بالسعي لمآرب فئوية على حساب الوطن وأمنه القومي، ثار الشعب المصري وأطاح بذلك النظام. وبعد أسبوع من الاطاحة بمرسي، طالعتنا الصحف التركية بمشكلة هائلة تهدد الاقتصاد التركي، ألا وهي تكدس آلاف الشاحنات التركية بانتظار عبارات تأخذها لمصر أو من مصر في طريقها للخليج العربي.

واكتشفنا أن تلك الشاحنات تحمل صادرات تركية تقدر بنحو 10-20 مليار دولار سنوياً إلى الخليج. حجم أسطول الشاحنات التركية العاملة على التصدير للخليج العربي (حالياً عبر مصر) هو 105,750 شاحنة. تدفع الشاحنة (18-عجلة) ترانزيت عبور مصر 150 دولار (ذهاب + عودة). كل عبارة تحمل ما بين 100-200 شاحنة بالاضافة إلى نحو 100-200 شخص. يعني كل عبارة تدفع 15,000 دولار لعبور مصر، بالاضافة لاستهلاكهم وقود مصري مدعوم واستهلاك وتعطيل لشبكة الطرق المصرية. في حين أن تلك العبارة لو مرت عبر قناة السويس فستدفع 400,000 دولار في الذهاب ملآى و200,000 دولار في العودة فارغة، أي إجمالي 600,000 دولار في رحلة الذهاب والعودة - ولكن بدلاً من ذلك تدفع شاحنات العبارة 15,000 دولار بدلاً من 600,000 دولار في كل رحلة. توجد ثلاث شركات عبارات تركية تعمل على خطوط بين تركيا ومصر بما لا يقل عن 6 رحلات أسبوعياً. يملك الشاب العصامي أحمد براق أردغان (34 عاماً، ابن رئيس الوزراء رجب طيب أردغان) شركتين من ثلاث شركات المالكة للعبارات ويسيطر على الثالثة. وهذه الشاحنات تمر تقريبا مجاناً عبر مصر، لتحرم قناة السويس من دخل سنوي يصل لمليار دولار سنوياً. هذه الشاحنات حملت معها نحو نصف مليون لاجئ من أشقائنا السوريين. تقصيت قضية الشاحنات التركية منذ اندلاعها في 10 يوليو 2013 وتابعتها عبر حسابي على تويتر، إلا أني شعرت بالحاجة للتمهل قبل نشر مقال لمزيد من الفهم. فإذا بالقضية تزداد عجباً. فالحكومة المصرية تحرص على تذليل المصاعب أمام عبـّارات ابن أردغان التركية (المارة تقريباً مجاناً)، في نفس الوقت التي يطالب فيه أردغان الأب بتجميد عضوية مصر في الأمم المتحدة ثم في منظمة التعاون الإسلامي ثم تطلب وتلتقي بوفد الاتحاد الأفريقي المخصص لمصر!

ما الذي أتى بتلك الآلاف من الشاحنات التركية لمصر، ومنذ متى تمر عبر مصر؟ ومن سمح لها؟ ومن الذي سمح لها بإحضار لاجئين سوريين؟ وكم تستفيد من مصر وكم تفيد مصر؟ وما علاقة وقف سوريا مرور تلك الشاحنات عبر أراضيها بقضية غاز شرق المتوسط؟

المشهد الثاني: تفريط جديد في مياهنا - الحدود المصرية اليونانية

أقصر مسافة بين مصر وتركيا هي الخط الواصل بين بلطيم وأرخبيل شاويش كوي 274 ميل بحري. أقصر مسافة بين قبرص واليونان هي الخط الواصل بين پافوس (قبرص) وپالكاسترو (كريت) 297 ميل بحري. النقاط الثمانية شمال مصر هي نقاط الحدود المصرية القبرصية حسب الاتفاقية المعيبة في 2003. كما يظهر حقلي لڤياثان وشمشون.

في ظل أزمة اقتصادية تعتصر العالم، يظهر الغاز الطبيعي منقذاً. فتستغنى أمريكا لأول مرة عن غاز الشرق الأوسط بما تنتجه من الغاز الصخري. وفي بحر الصين الجنوبي تُصارع الصين سبع دول حول استخراج الغاز. وفي شرق المتوسط أصبحت إسرائيل وقبرص دول كبرى في صناعة الغاز، وتتنافس روسيا والصين وأمريكا على المشاركة في تلك الثروة الهائلة. أما في مصر، فقد اكتشفت شركة شل بئري غاز أمام دمياط في نوفمبر 2003، وأعلنت أنهما غيرا خريطة الغاز في العالم وسيجعلا مصر من أكبر منتجي العالم في خلال 3 سنوات. إلا أن شل سرعان ما تباطأت حتى انسحبت من المشروع غداة تنحي حسني مبارك؛ ولا تعرف مصر أين هي الآبار التي حفرتها. وحين أعادت مصر طرح بلوكات التنقيب في 2012، لم تتقدم شركة كبيرة، ولم يتقدم أحد لسبعة من 15 بلوك مطروحين، في حين تتنافس الشركات الكبرى على التنقيب في البلوكات القبرصية الملاصقة للبلوكات المصرية المهجورة.

تزامن مع انسحاب شركة شل من تطوير حقول الغاز المصرية العميقة، اكتشاف إسرائيل ثم قبرص لحقلي غاز هائلين (لفياثان وأفروديت) على بعد كيلومترين من الحدود المعيبة. سيجلب الحقلان 10 مليار دولار سنوياً لكل من الدولتين. وكنت قد اختتمت مقالي الأول عن مشكلة غاز شمال دمياط، المنشور في جريدة الحياة البيروتية في 5 يونيو 2012، بأنه بعد حفر حقلي لڤياثان وأفروديت، فإن الجولة القادمة هي تأمين مسار أنبوب لتصدير الغاز عبر قبرص واليونان وذلك يحتاج مصادرة المياه المصرية المحاددة لتركيا، لكي تحادد اليونان قبرص، وهو الأمر المستحيل حسب قانون البحار. فأقصر مسافة بين مصر وتركيا هي الخط الواصل بين بلطيم وشاويش كوي 274 ميل بحري. بينما أقصر مسافة بين قبرص واليونان هي الخط الواصل بين پافوس (قبرص) وپالكاسترو (كريت) 297 ميل بحري. أي أن مصر يحق لها أن تكون ملاصقة لتركيا وبالتالي لا يحق لليونان أن تكون ملاصقة لقبرص.

وتبقى مشكلة هندسية هائلة هي مد أنبوب على عمق مائي 4,000-6,000 متر. لذا تصدت المفوضية الأوروبية لها بإدراجها في 10 ديسمبر 2012، أجزاء الخط كخمسة عشر مشروعا لنقل وتخزين غاز وطاقة شرق المتوسط، إلى اوروبا.[2] وفي 21 يونيو 2013، أعلنت المفوضية الاوروبية قرب تخصيص تمويل للبدء في مشروعين منهما، خط الأنابيب بين قبرص وكريت، وإنشاء محطة إسالة في قبرص.[3]

أين وزارة الخارجية المصرية من كل ذلك؟ المشروعات تفترض موافقة مصر على التنازل عن مياهها الاقتصادية لكي تتواصل حدود قبرص واليونان. وتذكر صحيفة إنرگيا أن مصر خائفة من ترؤس اليونان للاتحاد الاوروبي العام القادم!

ونعود لبر مصر في 2003 وبالتزامن مع إنشاء جمال وعلاء مبارك صندوق بوليون الاستثماري في قبرص، جاء طلب رفيع لوزارة الخارجية المصرية للبدء على الفور في ترسيم الحدود الاقتصادية مع قبرص. وبسرعة، خلف أبواب مغلقة، تم التوصل لاتفاقية ترسيم (معيبة) للحدود تنازلت فيه مصر عن مساحة من مياهها تفوق ضعف مساحة الدلتا. ثبت أن فريق الترسيم المصري لم يقم بأي بحث لحقوق مصر التاريخية في منطقة الترسيم، كما لم يأخذ في الاعتبار السيادة البريطانية على الطرف الجنوبي لقبرص. وتقاعس الترسيم عن تحديد نقطة البداية الثلاثية مع تركيا ونقطة النهاية الثلاثية مع إسرائيل. ونتيجة لكل هذا التراكم من الأخطاء، لا تعترف تركيا بأربع من الثمان نقاط. وقد طالبتُ في الاجتماع الحكومي بوزارة البترول في نوفمبر 2012، أن يكون ترسيم مصر لحدودها مع التسع دول الأخرى في علانية وشفافية. إلا أنه بعد عام، بدأت مصر مفاوضات ترسيم سرية أخرى، مع اليونان، شاءت الصدف أن تفضحها الصحافة اليونانية.

ففي 16 نوفمبر 2013، كشفت صحيفة إثنوس اليونانية عن انعقاد مباحثات ثلاثية بين مصر واليونان وقبرص خصيصاً لترسيم الحدود المصرية. وأوردت احتجاج اليونان على حدود مصر الاقتصادية كما يشكلها البلوك-12 المصري للتنقيب عن الغاز (شمال الإسكندرية)، الذي اتبع ترسيم الحدود المعيب المفرّط الذي وقعته مصر مع قبرص في 2003. يعني حتى لو رضينا بتنازلاتنا لقبرص، فإن اليونان تريد أضعاف تلك التنازلات بأن تقبل مصر (بالرغم من قانون البحار) بمنطقة اقتصادية خالصة عرضها 200 ميل بحري لجزيرة كاستلوريزو اليونانية (التي يبلغ عرضها كيلومتران) لكي يتحقق لليونان التلاصق مع قبرص على حساب كل من مصر وتركيا. أي أن اليونان تريد من مصر أن تتنازل عن 50,000 كم² من المياه الاقتصادية، كما تحرم مصر من أي حدود مائية مع تركيا التي هي الدولة المقابلة مباشرة للساحل المصري من جمصة إلى مارينا بطول نحو 322 كيلومتر

ولعل سبب تعجل مصر ترسيم الحدود مع اليونان هو تصريح النائبة الأمريكية إليانا روس-لتينن، رئيسة اللجنة الفرعية للشرق الأوسط في مجلس النواب الأمريكي في 24 أكتوبر 2013، أن "الولايات المتحدة تفضل الخطة لتصدير الغاز الإسرائيلي والقبرصي إلى اوروبا عبر اليونان." [4].

ولا أدري إن كان نبيل فهمي، في يوم 5 سبتمبر 2013، كان يحاول التمويه على الدافع الأمريكي بإعطاء الانطباع بأن ترسيم الحدود مع اليونان هو نكاية في تركيا بقوله:

“كل بلد له مصالحه ولا يهمنا لو أن بلداً ثالثاً منزعج بهذا الاتفاق” في اشارة إلى تركيا.[5]

ياله من موقف عجيب. ففي شرق الدلتا مصر تمرر الشاحنات التركية تقريباً مجانا، بدون مبرر ليضيع على قناة السويس نحو مليار دولار سنوياً. وفي غرب الدلتا مصر تريد الترسيم مع اليونان نكاية في تركيا، وحتى لو كان في ذلك تفريطاً في مياهنا وثرواتنا.



المشهد الثالث: تبخر احتياطي مصر من الغاز

حتى عام 2010، كانت وزارة البترول تنشر أن الاحتياطي المؤكد، المدقَق من بيت خبرة عالمي، يكفي احتياجات مصر لمدة 30 عام. وفي لحظة تبخر، وأصبحت مصر تتسول الغاز، كما يشير تقرير بلومبرج الصادر في 20 نوفمبر 2013.[6] فكيف حدث ذلك؟

في عام 2005، كان هناك فائضاً كبيراً في انتاج مصر من الغاز الطبيعي، فبالاضافة للغاز الذي كانت تصدره مصر دون إسالة إلى إسرائيل والأردن، فقد افتتحت مصر في ذلك العام محطتين لإسالة الغاز الطبيعي لتصديره: المصرية الإسپانية للغاز في دمياط بتكلفة 1.3 مليار دولار؛ والشركة المصرية لإسالة وتصدير الغاز في إدكو، بتكلفة 2 مليار دولار. وفي نهاية 2005، كانت مصر تتبوأ المركز الثالث عشر بين أكبر منتجي الغاز المسال في العالم، وباحتياطي مؤكد ذلك العام قدرته وزارة البترول بنحو 1931 مليار م³. إلا أن الخبير النفطي الدكتور ابراهيم زهران يؤكد أن معملي الإسالة تم إنشاؤهما بالرغم من عدم وجود أي فائض من انتاج مصر من الغاز وأن وزارة البترول اضطرت في عام 2006، لتخفيض نسبة استهلاك محطات الكهرباء من الغاز من 98% إلى 38%، لكي توفر الغاز لمعملي الإسالة. وبعد ثورة يناير 2011، توقف تزويد الغاز لمحطة الإسالة الاسبانية بدمياط، فرفعت القضية للتحكيم الدولي، مما اضطر الدولة لمعاودة تزويدها بالغاز في خريف 2013، وسط أزمة طاقة طاحنة بمصر.

تطور الاحتياطي المؤكد (أعلى) والاستهلاك المحلي (أسفل) من الغاز الطبيعي في مصر.
الاحتياطي المؤكد المدقَق يكفي احتياجات مصر لمدة 30 عام. وفي لحظة تبخر وأصبحت مصر تتسول الغاز. كيف؟

وحسب الإحصائية (المرفقة) للاحتياطي المؤكد للغاز الطبيعي بمصر التي نشرتها وزارة البترول في 2010 (والموثقة من بيت الخبرة وود ماكنزي) فإن الاحتياطي المؤكد في 2008 كان 2,152 مليار متر مكعب. وحسب إحصائية من الوزارة (في نفس المرفق) فإن معدل استهلاك مصر من الغاز الطبيعي هو 56 مليار متر مكعب في 2008، ومن تصريحات وزراء البترول المتعاقبين فإن ذلك الاستهلاك لم يتغير تقريبا حتى 2013. فبافتراض أن مصر لم تنتج أي غاز على الاطلاق منذ 2008 (وهو غير صحيح)، فإن الاحتياطي المؤكد كفيل بتلبية احتياجات مصر لنحو 30 سنة. فلماذا بدأت مصر تتسول الغاز منذ 2012؟ لا توجد إجابة لهذا السؤال إلا أن الاحتياطي المؤكد لم يكن مؤكداً قط، بل كان مُسيـّساً، ويجب رفع قضية دولية على بيت الخبرة وود ماكنزي بتهمة التضليل. وتوجد سابقة لذلك حين قاضت الحكومة الأمريكية بيت الخبرة الأكبر أرثر أندرسن لتدقيقه وتصديقه على الأرقام المضللة في ميزانيات شركة إنرون المفلسة. فأُجبر على توقف عن مزاولة مهنة التدقيق في 2002.

وفي 21 أكتوبر 2013، أعلن وزير الطاقة الإسرائيلي، سيلڤان شالوم، أن مصر طلبت استيراد الغاز من إسرائيل.[7] إلا أن المهندس طاهر عبد الرحيم، رئيس الشركة القابضة للغازات (إيجاس) نفى أن تكون الحكومة المصرية قد تقدمت بطلب لاستيراد الغاز من إسرائيل، إلا أنه أردف أن الباب مفتوح للقطاع الخاص (مثل حسين سالم) لاستيراد الغاز من أي مكان.[8] وأضاف المهندس عبد الرحيم أن "حصولنا علي الغاز سيكون من خلال مناقصة تتطلب وجود مركب تسهل الحصول علي الغاز المسال ولن تكون إسرائيل طرفا فيها مطلقا لأنه حتي لو فرض فلن تستطيع إسرائيل توريده لأنها لا تتعامل إلا من خلال خطوط الأنابيب ولن نفكر في هذه الطريقة حيث إن المراكب ستسهل حصولنا علي الغاز بسرعة لاحتياجات فصل الصيف التي بدأنا من الآن التجهيز لها‮. ‬مؤكدا أن مركب وحدة تسييل الغاز ستوفر‮ ‬500‮ ‬ مليون قدم مكعب قبل قدوم الصيف لسد حاجة محطات الكهرباء."[9] ولا تعارض بين ما يقول الوزير الإسرائيلي وما يقوله المسئول المصري. بل أن شركة دلك الإسرائيلية المنتجة لغاز حقل تمار أعلنت أنها تقوم حالياً بدراسة هندسية لتعديل خط أنابيب حسين سالم لكي يقبل الغاز في الاتجاه العكسي لتصدير الغاز الإسرائيلي إلى مصر.[10]

وبينما يتوهم مسئولون في وزارة البترول المصرية أن إسرائيل ليس أمامها من بديل لكي تصدر غاز لفياثان إلا تسييله في دمياط لأنها الأقرب، ولأن فيها معمل إسالة متعطل لعدم وجود غاز. وذلك، حسب أولئك المسئولين، ينقذ مصر من القضية التي رفعتها عليها شركة يونيون فنوسا الاسبانية صاحبة معمل الاسالة لعدم توريد مصر غاز للمعمل حسب العقد. كما أن غاز لفياثان بذلك سيقي مصر من نقص الطاقة في الصيف. إلا أن تلك الأماني غاب عنها أن معمل الإسال لا تملك مصر منه سوى 20%، وأن إسرائيل تناقش الفكرة مع شركة الحكومة الإيطالية صاحبة 80% من المعمل.[11] وقد نشرت الفايناشل تايمز مقالاً بست خيارات لتصدير غاز إسرائيل، ليس فيهم المرور عبر مصر.[12]

ومازالت مصر في قحط هيدروكربوني يستفحل عاماً تلو الآخر مع الضخ الجائر وتراجع احتياطيات الحقول وإحجام شركات النفط عن التقدم لمزادات التنقيب في مصر منذ عام 2000، عندما اعتمدت مصر ما أسمته "عقد القرن" للتعاقد مع شركات التنقيب وبدون استشارتهم. ومن أخطر ما في ذلك العقد هو أن الدولة لا تحدد سلفاً سعر الغاز أو البترول في حال اكتشافه (ولا حتى تحدد آلية تُستخدم لتحديده حين يُكتشف)، وتؤجل تحديد السعر حتى تنفق الشركة المليارات في التنقيب وبعد أن تكتشف الغاز أو النفط تقرر الوزارة كيفية المحاسبة! وهو ما يفتح الباب على مصراعيه لشبهات فساد واسعة. نتيجة لذلك هربت شركات النفط الكبرى من مصر، وأُعطِيت امتيازات التنقيب لفنانين ولاعبي كرة قدم وراقصة، حسب الخبير النفطي الدكتور ابراهيم زهران.

وعلى الرغم من انعدام أنشطة التنقيب (أبستريم) بمصر، فلا نسمع كلمة أو جهد من أي مسؤول لمعالجة القضية. بينما الجميع يتسابق للإدلاء بتصريحات جوفاء "داونستريم" حول أنابيب البوتاجاز وهي قضية تموينية في الأساس.




. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

المشهد الرابع: برزخ السويس

قناة السويس
ميرسك (قطر) و"پي آند أو" (دبي العالمية) استأجرتا المدخلين الشمالي والجنوبي للقناة لـ49 عاماً في 2008.

مع بزوغ شرق المتوسط كأحد مراكز انتاج الغاز الكبرى في العالم بعد 2005، كثر الكلام حول محور قناة السويس. لذا قام نظام الفكر الجديد (جمال مبارك) بتأجير مدخلي القناة لأكبر شركتي ادارة موانئ في العالم، پي آند أو P&O البريطانية وميرسك الدنماركية وهما المتنافستان لأكثر من قرن من الزمان. لذلك أتعجب من الصخب المثار منذ 2011 حول مشروع محور قناة السويس، لأن عناصره الأربعة (المحددة من الحكومة) قد تم الاستحواذ عليها منذ فترة، ولا أمل في اعادة طرح أي منها:

  1. المدخل الجنوبي: تم تأجير ميناءه الرئيسي، ميناء السخنة، لمدة 49 سنة، بدءاً من 2008، لشركة پي آند أو (التي غيرت اسمها إلى دبي العالمية للموانئ بسمسرة إماراتية).
  2. المدخل الشمالي: تم تأجير مينائه الرئيسي، ميناء شرق التفريعة، لمدة 49 سنة (بدءا من 2009) لشركة ميرسك الدنماركية بسمسرة قطرية. ومؤخراً أدلى كلاوس لارسن، الرئيس الدنماركي للميناء، بأن الحكومة المصرية لم تنفذ سوى 2% من التزاماتها في المشروع[13]، في تهديد بمقاضاة الدولة المصرية لو استمرت في الحديث عن طرح المدخل الشمالي ضمن مشروعات تطوير إقليم قناة السويس.
  3. منطقة شمال غرب خليج السويس ولدت ميتة بسبب منح مصر قطاعات كبيرة منها لشركات صينية، إلا أن الصين تبدو، ربما لتوازنات استراتيجية، قررت عدم الانخراط بمشاريع في المنطقة الخاصة، على الرغم من اهتمامها الكبير بالموقع. لذا فلا مصر تستطيع أن تسحب الأراضي ولا الصين ستفعل شيئاً فيها. فعلاقاتنا بالصين خارج نطاق هذا المقال. والأراضي الهامشية بالمشروع التي سقعها محظيو لجنة سياسات جمال مبارك، لن تحيي المشروع.
  4. وديان التكنولوجيا: أصبحت مرادفاً للافلاس الفكري بعد أن أعيد طرحها أكثر من عشر مرات من 1985 بدون أي خطوات جادة.

والعمل؟

يتعامل الكثيرون مع قناة السويس بتقديس يشبه عبادة بني إسرائيل لعجل السامري، دون محاولة فهم السبب الذي حُفرت من أجله قناة السويس. وأن القناة كانت وتظل واحدة من سبل عدة مطلوبة، وتؤثر على بعضها البعض، لعبور برزخ مصر. لذلك فالفقرة التالية تشرح كيف تم تحويل الاحتياجات الاقتصادية العالمية لعبور برزخ السويس/مصر إلى عدة مشروعات أكبرها حفر قناة السويس.

التقرير النهائي من المفوضية الدولية لشق برزخ السويس، في ثماني مجلدات، 1855.[14] جدير بأن يترجمه المشروع القومي للترجمة.

سبق شق قناة السويس، في 1869، اهتمام اقتصادي واستراتيجي وهندسي عالمي منذ عام 1820 بما أسموه "برزخ السويس" وأحياناً "برزخ مصر". والبرزخ هو الشريط الأرضي الضيق بين بحرين، وبرزخ السويس هو الشريط البري بين كل ساحل مصر على البحر المتوسط وكل ساحلها على البحر الأحمر. فكان الاهتمام منصباً على طرق تذليل المواصلات بين البحرين المتوسط والأحمر عبر برزخ السويس. فسافر پروسپير إنفانتان ومعه عشرون من أتباعه من السان سيمونيين وعدد كبير من المهندسين لمقابلة محمد علي باشا، الذي توجس خيفة من مبادئه الاشتراكية الطوباوية وطلب منه أن يشهر إسلامه. إلا أن إنفانتان نجح في اقناع القنصل الفرنسي، فردينان دلسپس بفكرة قناة بحرية، وأقنع الملحق العسكري البريطاني واگ‌هورن بفكرة سكة حديدية. وأنشأ جمعية دراسة برزخ السويس (1845)، ثم المفوضية الدولية لشق برزخ السويس (1854-1857) التي شاركت فيها ثمان دول اوروبية بعسكرييها ومهندسيها ومصرفييها. وطوال الفترة من 1820 وحتى 1857 كان هناك اجماع على أن شق برزخ السويس لا يكفي أن يكون بقناة مائية (قناة السويس)، بل أن النقل البري له دور هام ويؤثر على حجم الطلب على الممر البحري. كما بحثت المفوضية الدولية الحاجة لعبور كابلات التلغراف البحرية (التي بدأت في الظهور في 1842) لبرزخ السويس. ولذلك قامت إنجلترة منفردة بشق برزخ مصر بسكك حديد مصر (1854) والبوستة الخديوية (1861) قبل حصول المفوضية على موافقة حكام مصر. وبمجرد احتلال بريطانيا لمصر قامت في 1883 بمد كابل اتصالات تلغرافية بحري من أبو تلات، بالإسكندرية إلى العين السخنة. ومنذ ذلك الحين وتلك النقطتين هما نقطتا الإبرار الرئيسيتان لكل الكابلات بمصر.

لذلك فأهم خطوة يجب اتخاذها حالياً هو أن تُمنح هيئة قناة السويس سلطة الاشراف على برزخ السويس وبرزخ مصر كاملاً لعبور أي شيء بين البحرين المتوسط والأحمر.

خريطة توضح المسار الشمالي الشرقي بمحاذاة القطب الشمالي، الذي خلقه ذوبان الجليد بسبب الاحترار العالمي.     المصدر: وزارة النقل الروسية.

وفي ذات الوقت نرى اجراءات حكومية مصرية تضيع مليارات الدولارات سنوياً على قناة السويس، وتلك بعض أمثلتها:

  1. السماح للعبارات التركية أن تتحايل على المرور في قناة السويس بأن تُنزل شاحناتها في دمياط وبورسعيد ثم تأخذهم شاحنات تركية أخرى من السويس إلى السعودية.
  2. تمرير كابلات الاتصالات الدولية مجاناً عبر مصر فتحرم مصر من مليارات الدولارات سنوياً.
  3. تسعير المرور في خط أنابيب سوميد يجب أن يتم بإشراف هيئة قناة السويس لتعظيم دخل مصر من المعبرين المارين ببرزخ مصر.

كما نرى مشروعات منافسة لقناة السويس مثل الطريق البحري الشمالي الذي افتتحته روسيا منذ ثلاث سنوات في فصل الصيف مبدئياً، ومشروع سكة حديد إيلات-عسقلان، ومشروع قناة طابا-العريش.

مشاهد أخرى

هناك مشهد خامس مؤلم، هو قوارب الموت للهجرة غير الشرعية في ضوء الشراكة الأورومتوسطية (عملية برشلونة) والحوار المتوسطي العسكري مع حلف الناتو. كما يجدر بنا ذِكر غياب مشهد سادس بسبب اختفاء صورة العلم المصري مرفرفاً على سفن تجارية مصرية. فقد انقرض الأسطول التجاري المصري وما استتبعه ذلك من مصاعب وكوارث نقل المعتمرين والعمال وارتفاع تكاليف تجارة مصر الدولية تصديراً واستيراداً. إلا أن تناول المشهدين يتعدى نطاق هذا المقال.

وسأتناول كل من المشاهد الأربعة السابقة في مقالات منفصلة. هذا المقال موجود بصيغة إلكترونية في موسوعة المعرفة بروابط لأكثر من مائة مقال مفصل عن مختلف الموضوعات المذكورة.

الهامش

  1. ^ "Trade between Egypt, Turkey faces deadlock". hurriyetdailynews.com. 2013-07-06. Retrieved 2013-07-10.
  2. ^ Gus J Papamichalopoulos (2012-12-10). "European Commission highlights the importance of Greek energy projects". مكتب القانون الدولي.
  3. ^ Francesco Guarascio (2013-06-21). "Cyprus-Greek pipeline could get some EU cash". رويترز.
  4. ^ Ran Dagoni, Washington (2013-10-24). "Economic attache: Israel needs US investors to develop gas fields". مجلة گلوبس الإسرائيلية.
  5. ^ Ansa Med (2013-09-06). "Energy: Greece and Egypt to jointly delineate maritime zones". stratrisks.
  6. ^ Eduard Gismatullin (2013-11-20). "Egypt's thirst for cheap gas threatens export prospects". بلومبرگ.
  7. ^ "إسرائيل: أنباء عن طلب مصر شراء الغاز منا.. ولا نرى مشكلة في تصديره". صحيفة الشروق المصرية. 2013-10-22.
  8. ^ وكالة أنباء الشرق الأوسط (2013-10-22). "رئيس «إيجاس» للغاز ينفي مزاعم إسرائيل بطلب استيراد الغاز منها". صحيفة المصري اليوم.
  9. ^ خالد النجار (2013-10-26). "حفاظا علي شركته القبرصية التي اشتراها من نجلي مبارك. الشاطر أمر مرسي بعدم خروج طائرات لكشف سرقة إسرائيل للغاز المصري". صحيفة الأخبار المصرية.
  10. ^ John Reed (2013-11-06). "Israel set to become major gas exporter". فاينانشل تايمز.
  11. ^ عميرام بركات (2013-12-02). "وزير إيطالي يريد استيراد الغاز الإسرائيلي". گلوبس (مجلة أعمال إسرائيلية).
  12. ^ Katie Carnie, Cleve Jones, Peter Feeney and John Reed (2013-11-06). "Options for exporting Israeli gas". فاينانشل تايمز.{{cite web}}: CS1 maint: multiple names: authors list (link)
  13. ^ صديق العيسوي (2013-11-14). "قناة السويس للحاويات تشتكى تكدس الشاحنات بشرق التفريعة بسبب إغلاق كوبرى السلام". صحيفة التحرير المصرية.
  14. ^ فردينان ده لسپس (1853). "شق برزخ السويس". هنري پلون.