حنة آرنت

(تم التحويل من هنا أرندت)
وائل عجام
ساهم بشكل رئيسي في تحرير هذا المقال

حنة آرنت Hannah Arendt ‏(14 أكتوبر 1906 - 4 ديسمبر 1975) كانت منظرة سياسية وباحثة يهودية من أصل ألماني. على الرغم من أنه كثيرا ما تم وصفها بالفيلسوفة، فانها كانت دائما ترفض هته العلامة على أساس أن الفلسفة تتعاطى مع "الرجل في صيغة المفرد."[1] وبدلا عن ذلك وصفت نفسها بالمنظرة السياسية لأن عملها يركز على كون "الرجال، لا الرجل، يعيشون على الأرض ويسكنون العالم."[2]

حنة آرنت
حنا أرنت.jpg
وُلِدَ14 أكتوبر 1906، هانوڤر، ألمانيا
توفي4 ديسمبر 1975، نيويورك، الولايات المتحدة
العصرفلسفة القرن 20
المنطقةالفلسفة الغربية
المدرسةعلم الظواهر
الاهتمامات الرئيسية
النظرية السياسية، الحداثة، فلسفة التاريخ
حنا أرنت على طابع بريد ألمانيا لعام 1988، ضمن سلسلة المرأة في التاريخ الألماني.

وقد اهتمت ارندت بتقديم مفهومها الخاص للقوة وعلى خلاف غيرها من المفكرين فإن فهم طبيعة مفهوم القوة يبدأ بفحص عدد من المفاهيم المرجعية ولعل أهمها السياسة فقد كان اهتمام أرنت الأساسي هو تأكيد طبيعة وخبرة الحياة السياسية فدعت لحس متميز بالسياسة في مقابل اختزالها لمجرد منهج تكنوقراطي ترى أرنت أن السياسة يصعب تحديدها أنطولوجيا لأنها ليست كامنة في ذات الإنسان كما ظن ذلك أرسطو, بل تتجلى في العلاقات بين الناس وتوجد في فضاء خارج الإنسان-الفرد. إن السياسة بحكم أنها نظام من العلاقات, فإنها ترتقي باختلاف البشر وتمايزهم, وبالاعتراف بتساوي البشر رغم اختلافهم, وكل تغييب للاختلاف والتمايز يقود حتما إلى تفقير السياسة وانحدارها وعليه سعت أرنت لإيجاد لغة جديدة للسياسة كعلاقة بين نظراء، بدلا من العلاقة بين فاعل ومفعول به.

والسياسة عند أرنت واحدة من المجالات الهامة للوجود الإنساني من خلاله وفيه نعطي معنى لغربتنا الوجودية وغربة الآخرين الذين يشتركون معنا فيها بما يعني أنها مسؤولية بشكل أساسي، وردٌّ على نداء الحاضر الذي يفترض أننا نلتقط "الفرص التي تعرضها الظروف". وإمكان الفعل نفسه يفترض مفهومًا للتاريخ في كلِّ مرة لا يكون فيها الحاضر محددًا تمامًا، ولكنه يترك دائمًا، ولو على نحو ضئيل، فرصة صغيرة، لا يمكن استغلالها إلا إذا جرى اتخاذ مبادرة سياسية. فمسألة الحاضر المباشر ليست الضرورة، بل الإمكان؛ والإمكان، أي الواقع، "لا يقع دائمًا في مرمى بصرنا". وعلى هذا النحو، فإن الواقعية السياسية تخطئ في إدراك الواقع؛ إذ إنها تأخذ الماضي على أنه الواقع وتفوِّت الواقع الوحيد الدال: الممكن.

وكثيرا ما تقترن السياسة عند المفكرين بالسيطرة والغلبة والعنف, على أن هذه النظرة السلبية للسياسة هي ناتجة عن تحيزات وأحكام مسبقة وهي مرتبطة بالوضع المأزوم للإنسانية. على أن هذا الوضع ليس قدرا محتوما على الإنسانية ولا يمكن على أساسه استخلاص ماهية السياسة. وبالفعل عرفت الإنسانية أوضاعا سليمة نسبيا في عصور قديمة وفي عصر الثورات الليبرالية والاشتراكية, وحينذاك برزت السياسة في معناها الحقيقي (أي, التحاور والتواصل والتداول). إن النظرة السلبية تجاه السياسة دفعت بالبعض إلى التفكير في إسناد السلطة للبيروقراطية لتفادي شخصانية الحكم وعسفه. على أن البيروقراطية قد تتحول إلى أخطر حكم سياسي على الإطلاق, لأن السلطة فيها مجهولة وغير مرئية. ولابد أن تأتي المعرفة في سياق الفهم إن الفهم يسبق ويتبع المعرفة فالفهم أساس لأي معرفة وفي الوقت نفسه فإن الفهم الحق لابد أن يتجاوز مجرد المعرفة ليجعل للمعرفة معنى وهو ما يقصر عنه مفهوم العلم الجامد والتحليل السياسي السياسي لن يثبت أو ينفي ماً يمكن اعتباره كطبيعة أو جوهر للحكومات اللاستبدادية أو الطغيانية أو الجمهورية فهذه الطبيعة الخاصة يأخذها الفهم الأولي كمعطى يؤسس عليها العلم نفسه في حين إن الفهم الحق يرجع دوماً إلى الأحكام والتحيزات التي تلحق وترشد البحث العلمي وكل ما يمكن أن يؤديه العلم أن ينور - لا أن يثبت أو ينفي - الفهم الأولي الذي انطلق منه فإذا افتقد العالم هذا الدليل وتصرف كخبير فني محتقراً الفهم العامي الذي انطلق منه فسرعان ما يفتقد الخيط الناظم الذي يرشده في متاهة نتئج بحثه إن الأزمة العالمية لاترتبط بالشمولية وحدها بل بالموقف الحديث الذي نحتاج فيه لتجاوز الفهم الأولي والمدخل العلمي الصارم معاً حيث فقدنا أدوات الفهم ومن ثم اتسمنا بالغباء بالمعنى الذي وصفه كانت فبحثنا عن المعنى يحثه ويحبطه في وقت واحد فقداننا قدرتنا على توليد المعنى.

إن جوهر الأزمة الحضارية هو تزايد غياب المعنى مترافقاً مع فقدان الحس المشترك منذ بداية القرن العشرين في غباء متزايد بحيث عدنا " لا نعلم حضارة قبلنا يكيف الناس فيها احتياجاتهم للسلع والأشياء كما تنشر الإعلانات ولم نعرف في أي قرن مضى أن العلاج الناجع يرتبط بالدفع السخي لمن يقوم بالعلاج" إن هذا التدهور الخاصة انسحب على كل مجالات الحياة العادية وترى أرنت أن ذلك ليس هذا مجرد عرض للمجتمع الجماهيري بل ما جرى هو انتشار نزعة المنطق الشكلاني الذي ينطوي على التحول الشمولي لتحريف الفكرة إلى مقدمة منطقية أو جملة واضحة بذاتها يمكن استدلال كل شيء منها في اتساق منطقي داخلي يفصل الصحة عن الملاءمة فيصبح مثلاً 2+2= 4 أمر هي صحيح بالنسبة للرب والعبد معاً بغض النظر عن الشرط الوجودي والاجتماعي.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

حياتها

 
طابع بريد في الذكرى المئوية لمولد لآرنت.

ولدت حنة آرنت لعائلة علمانية من يهود ألمانيا في مدينة ليندن (وهي الآن جزء من هانوفر)، ونشأت في كونيگسبرگ وبرلين.

وتعتبر محطات سيرتها الذاتية بحد ذاتها تجسيداً لأهم أحداث وخصائص هذا القرن الدموي بحيث يمكن القول مع إرنست گيلنر إن "حياة هذه الناقدة اللاذعة تجسد أيضا جملة الحياة الفكرية والسياسية في عدة قرون أوروبية".

فعلى الرغم من انجذاب أرنت لدراسة الفلسفة منذ صغرها ثم انتظمها في دراستها بشكل نظامي في الجامعة حيث درست الفلسفة في جامعة ماربورگ مع مارتن هايدگر، والذي دخلت معه في علاقة طويلة، رومانسية وعاصفة، والتي كانت قد انتقدت في وقت لاحق بسببها اثر دعم هايدگر للحزب النازي بينما كان يشغل منصب عميد جامعة فرايبورگ. جاءت وصول النازيين وإيديولوجيتهم الشمولية إلى الحكم في ألمانيا في عام 1933 شكل نقطة تحول مركزية في حياة آرنت دفعتها إلى الابتعاد عن الفلسفة بمفهومها النظري البحت والتوجه إلى العمل السياسي بشكل عملي. وفي صيف عام 1933 اعتقلت المخابرات النازية حنة أرندت، ثم أطلقت سراحها فيما بعد. ثم نجحت هذه "اليهودية الألمانية المطاردة من قبل النازيين"، على حد تعبيرها، في الهروب من براثن النازية إلى باريس ثم إلى نيويورك، حيث عملت صحفية، ومراجعة لغوية ومحاضرة جامعية وبدأت عملها السياسي الحقيقي، فسعت لاستكشاف أصول الأنظمة الشمولية من خلال وضع أرنت الشكلين الأكثر بروزا للأنظمة الكليانية وهما النازية الألمانية والستالينية الروسية تحت المجهر في كتابها الموسوعي "أصول الشمولية" إدراكاً لخطورة هذه النظم والأهم خطورة الاعتقاد بأنها أصبحت تنتمي إلى الماضي واكدت أرنت على التحدي الذي تثيره هذه الإيديولوجيات باعتبارها تشكل انبثاقا لظاهرة جديدة جذريا تجبر كل الباحثين على القيام بمراجعة كاملة لأدوات التحليل العلمي المعهودة، علاوة على أنها انعطافة نكوصية لم يشهدها تاريخ الفكر الأوروبي قبل ذلك". وعلى هذا النحو توضح آرنت أن "الأصالة المرعبة للشمولية لا تنشأ عن أن فكرة جديدة جاءت إلى العالم، وإنما على شرخ جديد سحق كل مقولاتنا السياسية وكل مقاييسنا الخاصة بالحكم الأخلاقي. فجبروت الحدث يتفوق هنا على المفهوم". ورغم فاشية الجوهر الإيديولوجي للنازية والستالينية، إلا أن السمة الشمولية تظهر جليا في هدف هذه الأنظمة، الذي لا يقتصر على الاستيلاء على السلطة فحسب، بل يمتد ليـ"يشمل" كل المجتمع ويجسد التماثل الكامل بين الحزب الحاكم والدولة.

 
Gedenktafel am Geburtshaus Lindener Marktplatz 2 في هانوفر-ليندن

وفيما بعد وضعت أرنت كل طاقتها وموهبتها في خدمة المنظمات اليهودية العاملة في نيويورك، التي أخذت على عاتقها إنقاذ ما يمكن إنقاذه من يهود أوروبا والعمل على إقامة وطن لليهود على أرض فلسطين التاريخية. لكنها انفصلت عن هذه المنظمات لاحقاً، وبدأ هذا الابتعاد إبان الخلاف الذي نشب داخل الحركة الصهيونية حول التحالفات التي من الممكن عقدها بين ما أُطلِقَ عليه أنصار "الواقعية السياسية" (هرتزل) وأنصار "المثالية الأدبية" (ب. لازار)، وقفت أرندت بجانب الأخير، لأن السياسة الواقعية الوحيدة تنحصر في سياسة تحالف مع الشعوب المتوسِّطية الأخرى التي تعزز الوضع المحلِّي اليهودي في فلسطين والتي تؤمِّن تعاطفًا حقيقيًّا مع الجيران.

ورأت أرندت أن أحد مصادر العمى الصهيوني الخاص بما تسميه "المسألة العربية" يكمن في الاتجاه نحو الواقعية السياسية، أي الاندراج في لعبة القوى العظمى. وبهذا المعنى لا تكون هذه السياسة سوى سياسة تُلغي معناها بسبب تقريبها ممَّن يمتلك قوة أكثر؛ لذلك فهي "غير مبصرة للواقع" الضروري للفعل.

رأت أرنت أن "إنجازات اليهود في فلسطين هي مصدر الشرعية ونقطة التقاء محتمل مع العرب، فإذا كان هناك بُعدٌ "تاريخي" لاختيار فلسطين دون أي بقعة أخرى في العالم – بحسب الزعم الصهيوني – فهذا لا يضفي وحده شرعية على الوجود اليهودي فيها. فالشرعية لا يمكن أن تتأتى إلا من مبدأ يمكن الآخرين الاعتراف به. وبالنسبة إلى العرب، الحق المعترف به لليهود هو في "جعل الأرض التاريخية بلدًا لهم، لا بالقوة، ولكن بعملهم labor وبثمرة work رؤوسهم وأيديهم". والأمر نفسه، بطبيعة الحال، ينطبق على العرب. وذهبت أرنت إلى ضرورة الاتفاق على "بعض المطالب الرئيسية"؛ ومنها

 
المنزل الذي وُلدت فيه آرنت، هانوڤر-ليندن.

أن حقَّ الشعب اليهودي في فلسطين "مماثل لحقِّ كلِّ إنسان في حيازة ثمرة عمله"، سواء أكان يهوديًّا أم عربيًّا. وتأكد هذا الانسلاخ عندما وجدت أرنت الدولة اليهودية تغرق في مستنقع "السياسة الواقعية" Realpolitik، حسب تعبيرها وبعد تغطيتها محاكمة أيْخْمانْ لحساب مجلة النيويوركر وصدرت لاحقاً في كتاب «أيخمان في القدس» وكان أدولف أيخمان هو المسؤول عن ترحيل وإعدام اليهود في ألمانيا النازية وكان العنوان الفرعي للكتاب«تقرير عن عادية الشر» هو الذي جلب عليها طوفاناً من النقد والهجوم والحملات الصهيونية حيث أبرز إيخمان موظفاً بورجوازياً تافها، وليس سادياً أوشاذاً كما حاول الادعاء الإسرائيلي أن يصوره، بل شخصاً عادياً تماماً، ومرعباً في عاديته. لم تر أرنت في أيخمان تجسيداً للشر، بل أدركت أن الكارثة تكمن في قدرة النظم الشمولية على تحويل البشر إلى محض «منفذين» و«تروس» في الآلة الإدارية – أي تجريدهم من إنسانيتهم.

اعتبرت أرنت المحاكمة محاولة من الدولة الإسرائيلية ترسيخ دعائمها عبر محاكمة مسرحية رأت فيها بدايةً لاستخدام الهولوكوست أداةً سياسية، لا سيما أنها أُجريت في وقت كان بن گوريون يسعى فيه إلى الحصول على المزيد من التعويضات المالية من ألمانيا الغربية. كما كشفت أرنت دور المجالس اليهودية في التعاون و«العمالة» مع النظام النازي بما أثار الشك في الإدعاء الصهيوني بكون اليهود «ضحايا دائمين»، وهو ما أدى لاتهامها بـ "معاداة السامية".


مفهوم القوة والتواصل

 
لافتة على منزل آرنت، ماربورگ، لوترستر.

ترى حنا أرنت " القوة جزء هام من من العالم الاجتماعي غالباً ما يتم إهمال إسهامها في تشغيل الحياة الاجتماعية وأدائها لوظائفها " وفي تفصيل هذه الرؤية تقول أرنت أن " كل المؤسسات السياسية هي تجليات وتجسدات مادية للقوة، فهي تتكلس وتتحلل عندما تكف القوة الحية للناس عن دفعها". وقد انعكس هذا حتى على تحديد معنى القوة فالحقيقة الأساسية في الحياة الإنسانية هي الجماعية والتنوع في نفس الوقت، وهذا يولد الحاجة إلى العمل معا، وتميز في هذا الخصوص بين نوعين من العمل:

  • العمل المعبر عن الشخص، والعمل الاتصالى
  • العمل الاتصالى، والعمل التقريرى

القوة وفقا تعبر عن العمل الاتصالي فهي ليست قدرة البشر على أن يعملوا معا فقط، ولكن أن يعملوا بطريقة متناسقة فالقوة في معناها الأصلي تصور رضائي أو طوعي Consensual Notion يعتمد على اتفاق جماعة من الفاعلين الاجتماعيين على كيفية تنظيم ووضع قواعد لممارساتهم الحياتية المتعددة فالقوة عند أرنت ضرورية لتحقيق التنسيق بين الأفراد لأداء هدف اجتماعي متفق عليه فهي ضرورية لأي هيكل تنظيمي إنساني ولابد أن تقوم على الاقتناع الحر من جانب المحكومين ومن ثم تكون القوة ها قوة اجتماعية إيجابية وبدون هذا الرضاء يصبح الكيان السياسي القائم هو اغتصاب وسلطة Authority والقوة بالوصف المشار إليه لا يمكن أن تكون أبداً خاصة فردية بل إن تعود إلى جماعة وتظل موجودة طالما ظلت المجموعة مع بعضها البعض وعليه فإن القوة لا تحتاج إلى تبرير انطلاقاً من كونها لا تقبل أي فصل عن وجود الجماعات السياسية نفسه وما تحتاج إليه القوة إنما هو المشروعية فالقوة تنبثق من كل مكان يجتمع فيه الناس ويتصرفون بالتناسق فيما بينهم لكنها تستنبط مشروعيتها من اللقاء الأول أكثر مما تستنبطه من أي عمل قد يلي ذلك.

ورأت حنا أرنت أن ثمة خطأ جوهري في بنية مفهوم القوة الاجتماعية بجعلها تعتمد بالأساس على عدم المساوة والهيمنة وترفض أن تشير القوة لبنى الهيمنة والعنف في المجتمع ف"السلطة تكمن حقاً في جوهر كل حكومة لكن العنف لا يكمن في هذا الجوهر العنف بطبيعته أداتي"

المفاهيم المناقضة

 
Berliner Gedenktafel am Haus Opitzstraße 6, in Berlin-Steglitz

العنف

ترى حنا أرنت عند تحليلها للنظم الشمولية أن العنف يتعارض جوهريا مع السياسة بل يقصيها ويغيبها تماما. إن العنف يرتبط بأفعال غير سياسية في عمقها: التحايل الضبط أو التطويع الاجتماعي, التخدير الإيديولوجي. فتذهب في كتابها في العنف إلى القول: "إن السلطة والعنف يتعارضان: فحين يحكم أحدهما حكما مطلقا يكون الآخر غائبا. ويظهر العنف "لما تكون السلطة مهددة. لكنه إن ترك على سجيته سينتهي الأمر باختفاء السلطة". إن العنف لا يمثل إلا مسلكا من المسالك التي تلجأ إليها السلطة, وهي لما تقوم بذلك تحاول تبريره. إن الأفعال السياسية الحق لا تحتاج إلى تبرير، أما العنف فيوجب في أغلب الأحيان التبرير. وتقول حنا أراندت: "لا يمكن للعنف أن ينحدر من نقيضه الذي هو السلطة, وأنه يتعين علينا, لكي نفهم العنف على حقيقته أن نتفحص جذوره وطبيعته". وتبعا لمقاربتها الظاهراتية (الفينومنولوجية), ترى أرنت أن العنف يعبر في كثير من الأحيان عن مشاعر لا ترتبط بالضرورة بالسياسة: كالخوف من الموت والفناء, والبحث عن الخلود عن طريق استمرارية الجماعة. ويظهر العنف المضاد للسلطة عند غياب الحرية. فالحرية تعني "القدرة على الفعل" أو "القدرة على التأثير". إن الديمقراطيات الحديثة لها طابع بيروقراطي بشكل رئيسي وبالتالي فهي تجنح إلى التقليص من فضاء الحرية, بل تسعى إلى جعلها بدون جدوى وفعالية وبدون معنى, سيما وأن البيروقراطية تبدو وكأنها "سلطة بدون هوية سياسية". إن المثقفين في الشرق ينشدون الحرية ويطالبون بها, أما المثقفون في الغرب فيرون أن حريتهم ليست لها معنى, وهذا ما أفضى في النهاية إلى أعمال العنف. إن المفكرين المحدثين الذين مجدوا العنف إنما انطلقوا من أساطير وأوهام سياسية, فاعتبروا أن العنف قد يكون خلاقا ومنقذا للجماعة كما هو الشأن عند جورج سوريل أو أنه باعثا على الحياة كما هو الشأن عند فرانز فانون.

السلطة

 
طابع بريد ألماني يمثل حنة آرندت. صدر عام 1988.

وترى أرنت أن السلطة من أكثر الظواهر التباساً بما يجعلها أكثر عرضة لسوء الاستخدام وهي يمكن استخدامها على المستوى الشخصي كما يمكن استخدامها على مستوى المؤسسات في مجلس الشيوخ الروماني أو في التارتبية الهرمية الكنسية وتتميز السلطة بأن الذين يطلب إليهم الخضوع لها يعترفون بها دون أن يضعوا دون ذلك أي شروط ومن دون أن يحتاج الأمر إلى إقناع أو إكراه والإبقاء على السلطة يتطلب احتراماً معيناً للشخص أو المؤسسة المعنية والعدو الأكبر للسلطة هو الاحتقار أما الخطر الأكبر الذي ينسف التسلط فهو الاستهزاء.

ركائز السلطة

الحالة الجماهيرية

غالباً ما تسعى الحركات الشمولية برأي أرنت إلى تنظيم الجماهير وتفلح في ذلك لكنها تتساءل كيف ظهرت هذه الجماهير وكيف أصبحت كذلك ؟ وتجيب إن عبارة "الجماهير" تنطبق على الناس، الذين عجزوا، لسبب أعدادهم المحضة، أو لسبب اللامبالاة، أو للسببين المذكورين معاً عن الانخراط في أي من التنظيمات القائمة على الصالح المشترك ـ أكانت أحزابا سياسية، أم مجالس بلدية، أو تنظيمات مهنية أو نقابية. توجد الجماهير، وجوداً بالقوة، في كل البلدان، وتشكل غالبية الشرائح العريضة من الناس الحياديين واللامبالين سياسياً، والذين نادراً ما يصوتون ولا ينتسبون إلى أي حزب.

لقد أدرك أيدلولوجيو وزعماء الشمولية بيقين تام هذا الأمر، وعملوا كل ما بوسعهم كي يجزئوا المجتمع ويذرروه ويحرموا الإنسان من العلاقات الاجتماعية المتوارثة عن الماضي، ويعزلوا الناس بذلك عن بعضهم البعض. بمعنى آخر: لقد طمحت الشمولية إلى أكثر ما يمكن من اجتثاث كل الجذور التي تربط الإنسان بتلك الجماعات, وإلى الحد الأقصى من توحيد كل روابطه الاجتماعية، وتعرية كل الجوانب، والنواحي المقدسة في حياته الخاصة وكشفها على الملأ. لقد مهدت الفردية السبيل، على ما يبدو عليه ذلك من تناقض، تحقيق هذا الهدف ولئن صح أن الحريات الديمقراطية قامت على أساس من المساواة بين جميع المواطنين أمام القانون، إلا أنها لا تكسب معناها ووظيفتها العضوية إلا حالما ينتمي المواطنون إلى جماعات تمثلهم، أو تشكل في ذاتها هرمية اجتماعية وسياسية لكن اللامبالاة إزاء الشؤون العامة، والحياد في المجال السياسي، ليسا شرطين كافيين لنمو الحركات الشمولية فقد كان انهيار منظومة الطبقات، مؤاتياً لانطلاقة النازية لقد كان من شأن انهيار نظام الطبقات أن أفضى بصورة آلية إلى انهيار نظام الأحزاب نفسه، ولما كانت هذه الأحزاب قائمة على المصالح، لم يسعها أن تمثل مصالح طبقة من الطبقات وسط هذا المناخ، وخلال انهيار مجتمع الطبقات، أخذت تتنامى نفسية "رجل الجمهور" الأوروبي. ولئن أصاب نفس المصير جمهوراً من الأفراد، في تماثلية رتيبة ومجردة، فإن ذلك لم يحل دون أن يطلق هؤلاء على أنفسهم أوصاف الفشل الفردي، كما لم يحل دون إطلاق أحكام الظلم لمخصوص على العالم. مع ذلك، فإن هذه المرارة الشخصية ما كانت لتشكل رابطاً مشتركاً بين أعداد الناس، رغم حدوثها في حالاتٍ فردية كثيرة ومعزولة: ورغم ميل هذه المرارة إلى محو الاختلافات الفردية، لم تقم على أية مصلحة مشتركة، أكانت اقتصادية، أم اجتماعية، أو سياسية. وبالتالي، فإن الانطواء على النفس بات متلازماً مع إضعافٍ إرادي في غريزة البقاء. وقد تجلى ذلك في عدم المبالاة، بمعنى ألا يكون للمرء قيمة في نظر نفسه، وفي الشعور بإمكان أن يكون المرء مضحى به، على أن هذين لم يكونا تعبيراً عن مثالية فردية، إنما دلا على ظاهرة جماهيرية. ومن ناحية أخرى لطالما كانت الحركات الشمولية أحوج إلى ظروفٍ خاصة تكون فيها الجماهير مفتتة ومشظاة، لذلك تتشكل الحركات الشمولية من تنظيماتٍ جماهيرية تضم إليها أفراداً مبعثرين ومعزولين فكان على الشمولية التخلص نهائياً من حيادية لعبة الشطرنج"، أي أن تتخلص من أي نشاطٍ ذي وجود مستقل. أما الذين ما برحوا يهوون "لعبة الشطرنج لذاتها"، والذين قارنهم مصنفوهم مع "محبي الفن للفن" مقارنة محقةً، فلا يعدون كونهم عناصر لا تزال تبدي مقاومة إزاء مجتمع قائم على الجماهير، والذي يشكل تجانسه التام أحد شروط الشمولية الأساسية.

الإرهاب

 
كتاب في العنف لحنة آرنت. انقر على الصورة لمطالعة الكتاب كاملاً.

تكمن العلاقة الفارقة للنظام الشمولي في أن الرعب والإرهاب يستخدمان وإنما كأدوات اعتيادية وواسعة الاستخدام لقيادة الجماهير. ولتحقيق هذا الهدف يغذى دائماً، ويعاد إنتاج مناخ الحرب الأهلية.يعمم الإرهاب دون أي سبب واضح، أو استفزاز مسبق، وتكون ضحاياه من غير المذنبين إطلاقاً، حتى من وجهة نظر أولئك الذين ينفذون الإرهاب فالإرهاب هو تحقق قانون الحركة إذ يقضي هدفه الرئيسي في جعل قوة الطبيعة أو التاريخ تنصر على الجنس البشري برمته وفي هذا السياق يصبح الإرهاب هو الشرعية إذا ما صار القانون قانوناً لحركة قوة فوق بشرية سواء الطبيعة بالنسبة للنازية أو التاريخ بالنسبة للماركسية.

الأيديولوجيا

إن الايديولوجيات جميعها تتضمن عناصر شمولية غير أن الحركات الشمولية دفعت بها إلى التنامي بصورة كاملة فالمسألة الحاسمة للذهنية الشمولية أنها تستخدم الحجج، والمبادئ المؤسسة على الأيديولوجيا مكان الوقائع الحقيقية. هنا يسود منطق العبث على منطق العقل السليم، يحل الواقع المزيف، والموهوم، المركب صنعياً مكان الواقع القائم فعلياً. من هذه الزاوية تعتبر العلاقة القوية بين الحقيقة والقوة الخاصية الثابتة للشمولية.

 
شاهد قبر حنة آرنت في نيويورك.

القوة هنا تحدد الحقيقة، حسب قول لنين: "مذهب ماركس كلي القوة لأنه صحيح يمكن للمؤرخين أن يختلفوا فيما بينهم في الرأي في تفسير هذه أو تلك من الأحداث التاريخية لكن يبقى هناك بحر من الوقائع التي لا يمكن لأحد منهم أن تظهر لديه شكوك في واقعيتهما. وتسعى الشمولية من حيث المبدأ لتجفيف هذا البحر من الوقائع، وتكون بذلك قد قضت على إمكانية الاتفاق بشأنها. لا عجب أن النازية أنكرت، بإصرار، وحدة البشر كممثلين للجنس البشري الواحد، وذلك كان ضرورياً كما يقول جورج أورويل: من أجل"الكذب التمهيدي" المدعو لخلق ليس المستقبل فحسب، وإنما الماضي- التاريخ بشكل عام حسب رؤية أرنت

 
صورة لأحد جدران قاعة مطالعة في المكتبة العامة لمدينة هانوفر الألمانية تحمل اسم حنة آرنت


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

المراجع

  1. ^ ".man in the singular"
  2. ^ ".men, not Man, live on the earth and inhabit the world"

عبد الله جاد فودة، مدخل تحليل المفاهيم: محاولة للتطبيق على مفهوم القوة، مدونة عمرانيات http://umranyat.blogspot.com/2008/04/blog-post_24.html


انظر أيضاً

قراءات إضافية

  • Elisabeth Young-Bruehl (1982), Hannah Arendt: For Love of the World, Yale University Press, ISBN 0-300-02660-9. (Paperback reprint edition, September 10, 1983, ISBN 0-300-03099-1; Second edition October 11, 2004 ISBN 0-300-10588-6.). 620 pages
  • Villa, Dana ed. (2000), The Cambridge Companion to Hannah Arendt, Cambridge University Press, ISBN 9780521645713 (hb).
  • Villa, Dana (1995), Arendt and Heidegger: the Fate of the Political, Princeton University Press, ISBN 0-691-04400-7.
  • Villa, Dana (1999), Politics, Philosophy, Terror: Essays on the Thought of Hannah Arendt, Princeton University Press, ISBN 0-691-00935-X.
  • Villa, Dana (2008), Public Freedom, Princeton University Press, ISBN 978-0-691-13594-6.
  • Harms, Klaus: Hannah Arendt und Hans Jonas. Grundlagen einer philosophischen Theologie der Weltverantwortung. Berlin: WiKu-Verlag (2003). ISBN 3-936749-84-1. (de)
  • Young-Bruehl, Elisabeth. Why Arendt Matters. New Haven, CT; London: Yale University Press, 2006 (hardcover, ISBN 0-300-12044-3).
  • Dietz, Mary G. Turning Operations: Feminism, Arendt, and Politics, Routledge (2002). ISBN 0-415-93244-0.
  • Seyla Benhabib. The Reluctant Modernism of Hannah Arendt. Rowan and Littlefield Publishers. 2003. ISBN 9780742521513
  • Jennifer Nedelsky and Ronald Beiner, ed. Judgment, Imagination, and Politics: Themes from Kant and Arendt. Rowan and Littlefield Publishers. 2001. ISBN 9780847699711
  • Birmingham, Peg. Hannah Arendt and Human Rights: The Predicament of Common Responsibility. Indian University Press (2006) ISBN 9780253218650
  • Maurizio Passerin d'Entrèves. The Political Philosophy of Hannah Arendt. New York: Routledge, 1994. ISBN 9780415087902
  • Roger Berkowitz, Thomas Keenan, Jeffrey Katz, ed.Thinking in Dark Times: Hannah Arendt on Ethics and Politics Fordham University Press, 2009, ISBN: 9780823230761

الهامش

وصلات خارجية

  اقرأ اقتباسات ذات علاقة بحنة آرنت، في معرفة الاقتباس.


كتاباتها

استعراضات عامة

أعمال عن آرنت


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

هيئات

غيرها

بلغات أخرى

قالب:Sonning Prize laureates