مذبحة القلعة

مذبحة القلعة، أو مذبحة المماليك هي واقعة شهيرة في التاريخ المصري دبرها محمد علي باشا للتخلص من أعدائه المماليك، فعندما جاءته الدعوة من الباب العالي لإرسال حملة للقضاء على حركة الوهابيين في الجزيرة العربية، دعا زعماء المماليك إلى القلعة بحجة التشاور معهم، ثم أغلق خلفهم الأبواب الضخمة وأمر جنوده بإطلاق النار عليهم، ويروى أن بعض المماليك استطاعوا الهرب بتسلق أسوار القلعة وركوب أحصنتهم والهرب إلى الصعيد المصري من بينهم إبراهيم بك الذى هرب بالسودان ثم رجع بعدها بحوالى 3 سنين ليقتل بخدعة شبيهة بمذبحة القلعة.

وقد كانت هذه الفكره هي فكرة لاظوغلي باشا. وقد وقعت هذه المذبحة في يوم 1 مارس لعام 1811 ميلادية.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

علاقة محمد علي بالمماليك

 
مذبحة القلعة

موقف محمد علي ازاء المماليك

كان عدد المماليك في ذلك الحين يبلغ 2500 من المقاتلين كما قدرهم المسيو مانجان، وقد استعان محمد علي باشا على رؤسائهم منذ سنة 1807 بالحيلة، فابتدأ باستمالة شاهين بك الألفي خليفة محمد بك الألفي، وما زال يعرض له المودة والصفاء حتى اجتذبه الى القاهرة ووافقه على ان يقيم بالجيزة ويكون له ايراد اقليم الفيوم وثلاثين قرية في اقليم البهنسا، وعشر قرى في الجيزة، واطلق له التصرف في ذلك كله التزاما وكشوفية وضم له كشوفية البحيرة بتمامها الى الاسكندرية، وكتب له الحجة بذلك.

فارتضى شاهين بك بهذا الصلح، وطالب له نفسه، وجاء القاهرة لزيارة محمد علي باشا، فأكرمه، ودعا الى مأدبة عند ابنه طوسون، ثم سكن شاهين بك بالقصر الذي أُعد له بالجزية (شوال سنة 1222 – ديسمبر سنة 1807)، وضرب صفحاً عن عيشة الكفاح والقتال، وحذا حذوه بعض الامراء المماليك، فبدلوا الطاعة لمحمد علي باشا، وأرسل في أوائل سنة 1808 (ذي القعدة سنة 1222) الى زملائه المماليك في الصعيد يرغبهم في الاذعان والولاء لمحمد علي.

كان لدعوة شاهين بك اثرها في كسر حدة المماليك، فوقفت حركات القتال في الصعيد، وهدأت الحالة هدوءا نسبيا، ويرجع سبب هذا الهدوء الى ما أصاب المماليك من الضعف، والى اليأس الذي تسرب الى نفوس زعمائهم، فات ابراهيم بك الكبير قد أضعفته الشيخوخة، فصار اقرب الى الراحة والسكون بعد ما هدت السنون من نشاطه وقوته، وكذلك عثمان بك حسن، وهذان هما كبيرا المماليك المعترف لهما بالزعامة بعد موت الالفي والبرديسي، على أنهما ما ما تولاهما من الضعف واليأس ظلا على عهدهما القديم من كراهية محمد علي باشا وعدم الثقة في مقاصده حيال المماليك، أما شاهين بك المرادي (خليفة البرديسي) فلم يكن له نفوذ بجانب ابراهيم بك وعثمان بك حسن.

كان محمد علي باشا يعلم نفسية ذينيك الزعيمين، ويعرف ان التجارب جعلتهما لا يطمئنان اليه، ولا يثقان به، فتخطاهما وصرف مساعيه الى استمالة صغار البكوات والكشاف من اتباعهما، فانتهز فرصة الهدوء النسبي الذي ساد صفوف المماليك وجعل يوفد رسله اليهم يدعوهم الى الاخلاد للطاعة على ان يرتب لهم رواتب تقوم باودهم في القاهرة، وانتهى بهذه الوسيلة الى فصم عرى المماليك واجتذاب بعضهم الى العاصمة.

ولما مات شاهين بك المرادي خليفة البرديسي (في مايو سنة 1808) أراد محمد علي ان يظهر سطوته وأنه ولي الامر، فعين سليم بك المحرمجي رئيسا للماليك المرادية، خلفا لشاهين بك، وخلع في الوقت نفسه على مرزوق بك بن ابراهيم بك الكبير خلعة حاكم جرجا، فوضع المماليك بهذا التعيين المزدوج أمام الامر الواقع، وجمع في الوقت نفسه بين اعلان سلطته عليهم واجتذاب ابراهيم بك بتعيين ابنه حاكما لجرجا، ولم يعهد المماليك ان يتحكم فيهم الولاة الاتراك السابقون ويتدخلون في شئونهم الى هذا الحد الذي وصل اليه محمد علي، فانهم كانوا محتفظين باستقلالهم في اختيار زعمائهم وكان الصعيد تحت مطلق تصرفهم.

اجتماع رؤساء المماليك، وتشاوروا فيما يكون موقفهم حيال هذا التدخل، وبعد الأخذ والرد استقر رايهم على قبول الامر الواقع.

لكنهم لم يؤدوا ما على البلاد التي تحت سلطتهم من الاموال الاميرية، نقدا أو غلة، فتهددهم محمد علي بتجريد حملة عليهم اذا لم يؤدوها، فتوسط شاهين بك الالفي بين الفريقين، واتفقوا على ان يؤدوا ثلث ما عليهم من غلال الحكومة، وقدر ذلك سبعة آلاف ومائة ألف اردب في مارس سنة 1809* ولكنهم لم يفوا بها، فجرد عليهم، في سبتمبر سنة 1809، جيشا لاخضاعهم واستخلاص الصعيد من أيديهم.

على أن المماليك لم يفكروا في مقاومته، فانسحبوا الى الجبال القريبة من جرجا وأسيوط، فرأى محمد علي ان الفرصة سانحة ليتولى حكم القبلي، فسار في شهر أكتوبر من القاهرة في جيش يبلغة ستة آلاف مقاتل، فلم يكد يبلغ أسيوط حتى بادر المماليك الى طلب الصلح، فاشترط عليهم محمد علي ان يرحلوا عن الوجه القبلي، ويقيموا في القاهرة، على أن يعطيهم بعض الجهات يستغلونها ويدفعون أموالها والضرائب التي تفرض عليها. وهذه الشروط تدل على مبلغ ما وصل اليه المماليك من الضعف، فان شروطهم السابقة كانت ان يتولوا حكم الصعيد على دفع الخراج، أما الشروط الاخيرة فأساسها التخلي عن الحكم والاقامة في القاهرة تحت حكم محمد علي.

تم هذا الاتفاق في 27 رمضان سنة 1224 (نوفمبر سنة 1809) بأسيوط، وطلب المماليك مهلة ثلاثة يقضون فيها مصالحهم، فقبل محمد علي هذه المهلة، وعاد الى القاهرة، ولما انقضت المدة طلبوا مدها اشهرا فرضى بذلك، ولما انتهى الأجل انذرهم اذا لم يحضروا ان يجرد عليهم الجيش، فأذعنوا وأزمعوا الرحيل الى العاصمة.

سار ابراهيم بك وزملاؤه الى القاهرة (مايو سنة 1810)، فلما كان قريبا من الجيزة عسكر بالبر الغربي، ونصب خيامه على رمية المدفع من الجيزة، وهناك ترددت الرسل بين ابراهيم بك ومحمد علي باشا، وكان الباشا مقيما وقتئذ بقصره بشبرا، وتعددت مقابلات الرسل على غير طائل: اذا أن ابراهيم بك كان قليل الثقة في مقاصد محمد علي باشا، كما ان محمد علي نفسه لم يكن يبغي من هذه المفاوضات الا كسب الوقت لتقليم أظافر المماليك واذلالهم، واستاء ابراهيم بك من المعاملة التي عومل بها، اذ لم تضرب لحضوره المدافع كما كان ينتظر، وتركه محمد علي باشا في الجيزة دون ان يكترث له، فاعتزم العودة الى الصعيد، ناكثا الصلح، وبذلك تجدد الخصام بين محمد علي باشا والمماليك.

وقد توصل ابراهيم بك الى اقناع شاهين بك خليفة الالفي بنقض اتفاقه هو ايضا مع محمد علي، والرحيل عن القاهرة الى حيث يتحدوا واخوانه، فاستجاب له وانسل من الجيزة، وتبعه في انسحابه البكوات والكشاف المماليك الذين لبثوا بمصر سنتين راضين بحكم محمد علي، وعاد الاتحاد الى صفوف المماليك، فاستاء محمد علي من هذه الحركة، وجرد جيشا جديدا لمحاربة خصومه.

تجدد القتال، وزحف الجيش على الصعيد، فانتصر على المماليك في البهنسا واللاهون، واستولى على اقليم الفيوم، وانسحب ابراهيم بك وعثمان بك حسن وسليم بك زعماء المماليك الى أسوان، منهوكة قواهم منحلة عزائمهم، ورجع شاهين بك الالفي يطلب العفو من محمد علي باشا، فعفا عنه وسمح له بالاقامة في القاهرة واقطعه دارا جميلة ليسكن فيها بالأزبطية (أكتوبرة سنة 1810)، ولعله أراد اجتذابه هذه المرة ليلقى حتفه في مذبحة القلعة كما سيجئ بيانه، وكذلك فعل كثير من البكوات والكشاف والمماليك، فانهم طلبوا من محمد علي الامان، فأمنهم على أنفسهم وعفا عنهم، واذن لهم بالعودة الى القاهرة والاقامة فيها.

أخضع محمد علي الصعيد لحكمه، ودانت له مصر قاصيها ودانيها، ورجع المماليك الذين قدموا طاعتهم الى القاهرة، واخذوا ينصرفون الى أسباب الرفاهية والرغد، واغدق عليهم محمد علي من خزانة الحكومة ما جعلهم يستطيبون الاقامة في القاهرة، ويؤثروها على عيشة الكفاح والقتال، وانصرفوا الى ترتيب عيشتهم الجديدة، وتجميل بيوتهم وتأثيثها بفاخر الرياض والأثاث، وشرع معظمهم في التزوج واعداد الأفراح والمسرات، وخيل اليهم انهم استراحوا من شظف العيش، وأهوال الكر والفر، وانهم مقبلون على حياة الهناء والرفاء والبنين، ولم يدروا ما خبأ لهم القدر من خاتمة رهيبة.

ذلك أن محمد علي باشا اوجس خيفة من بقاء المماليك في القاهرة، وخاصة لما اعتزم تجريد الحملة على الحجاز لمحاربة الوهابيين تلبية لأوامر الاستانة، وخشى اذا غادر الجيش مصر وضعفت قوته الحربية ان يعودوا لمناوأته وانتزاع السلطة من يده، فرأى أن لا وسيلة للاحتفاظ بسلطانه وانفراده بالحكم سوى التخلص من البقية الباقية من المماليك، ومن هنا نبتت في رأسه فكرة اغتيالهم في المؤامرة المعرفة بمذبحة القلعة.[1]

تفاصيل المذبحة

كان محمد علي يريد الانفراد بسلطة مصر فكان علية التخلص من الزعامة الشعبية والجند الالبانيين الذين حاولوا قتله، واكثر المشاكل التى واجهت محمد على هم المماليك الذين كانوا يرون انهم الحكام الاصلين لمصر وكانوا دائيمين التمرد والازعاج لمحمد على فلم تنفع معهم محاولات الصلح والارضاء بالاموال التى قام بها محمد على حتى انه أراد أن يسترضي مراد بك زعيم المماليك واعطاه حكم الوجة القبلى مقابل فريضة من المال وعدم مساعدة المماليك للانجليز ولكن لم يجدى هذا معهم حتى جاءت الفرصة لمحمد على وارسل السلطان العثماني لمحمد على يطلب منة تجهيز الجيوش والخروج لمحاربة الحركة الوهابية في شبة الجزيرة العربية وهى تنسب إلى محمد بن عبد الوهاب كانت في بدايتها تدعو للتجاة الدينى ثم انحرفت إلى الاتجاة السياسي، قلق محمد علي حيث اذا خرج الجيش في هذا الوقت وترك محمد على وحيدآ دون حماية فسوف يفكر المماليك في انتهاز هذه الفرصة والقضاء عليه، لذلك فكر محمد على في انتهاز هذة الفرصة والقضاء عليهم حيث فكر في ان يدعو زعماء المماليك ان يأتوا إلى القلعة بحجة انه سوف يقيم حفلا لتوديع الجيش الخارج لمحاربة الوهابيين، وذهبت الدعوة إلى المماليك في كل صوب من اركان مصر من مشرقها إلى مغربها ولم يشك زعماء المماليك في نية محمد على بل اتستعدوا وارتدوا الملابس الرسمية استعدادآ للحفل وهم لا يعلمون انه سوف يكون اخر يوم لهم في الحياة .

وفى يوم الحفل (1 مارس 1811) استعد محمد علي للحفل وجاء زعماء المماليك بكامل زينتهم يركبون على احصنتهم وبعد ان انتهى الحفل الفاخر دعاهم محمد علي لكى يمشون في موكب الجيش الخارج للحرب.

 
رؤس البكوات المماليك على باب مسجد الحسين، بريشة جان ليون جيروم، الذي عاش بالقاهرة بعد 20 سنة من المذبحة.

وكان المنظر بدء المذبحة بدقائق:

يتقدم الموكب جيش كبير كبير من الاحصنة التى يركبها جيش محمد علي بقيادة ابنه (إبراهيم بك). ثم طلب محمد على من المماليك ان يسيروا في صفوف الجيش لكى يكونوا في مقدمة مودعيه. وكانت أرض القلعة في عام 1811 غير ممهدة ويصعب السير عليها. وأيضا كانت الرؤية صعبة ومحجوبة على امراء المماليك الذين كان يسير امامهم جيش كبير من الرجال.

وفى هذه اللحظة بعد ما خرج الجيش من باب القلعة اغلقت الابواب والحراس الذين كانوا يديرون رئوسهم للمماليك استداروا لهم وانطلقة رصاصة في السماء، لم ينتبه المماليك الا الان ولكن بعد فوات الاوان!

فقد كانت هذة هى الاشارة لبدأ مذبحة لم ينساها التارخ يوما، انهال الرصاص من كل صوب ومن كل مكان على المماليك.

اذا ذهبت يوما الى قلعة صلاح الدين لتتعرف ما تشتمل عليه من المواقع والمباني والآثار، فقف قليلا تحت منارة جامعة السلطان حسن، واتجه بنظرك الى القلعة، تجدها ماثلة أمامك، بموقعها المنيع، وأسوارها العالية، وأبراجها الشاهقة وأبوابها الضخمة، وأول ما يلفت نظرك قباب جامع محمد علي ومآذنه الهيفاء البديعة الصنع التي تداعب السحاب في علوها، فاذا رجعت الطرف في هذا النظر فدعه جانبا، لأنه لم يكن موجودا بتمامه في العصر الذي نكتب عنه، اذ لم يكن محمد علي باشا قد بنى جامعه الى هذه السنة (عام 1811) وانظر أمامك، تجد بابا ضخما غائرا في الجبل، تعلوه أبراج قديمة، هذا الباب هو المسمى (باب العزب) وهو باب القلعة من الجهة الغربية، ويقع على الميدان المسمى الآن ميدان (صلاح الدين)، وكان يسمى في ذلك العهد ميدان الرميلة، فاذا دخلت هذا الباب تجد طريقا وعرا متعرجا، منحوتا في الصخر، تسير فيه صعدا بالجهد والعناء الى رحبة القلعة، وتصل من هذه الى جامعة محمد علي، ثم الى قصره.

فاذا تعرفت تلك المواقع، وثبتت صورتها في ذهنك، فاسمع ما جرى فيها يوم أول مارس سنة 1811.

لما عاد محمد علي باشا من الوجه القبلي أخذ يجهز جيشا ينفذه الى الحجاز لمحاربة الوهابيين، تلبية لنداء الحكومة التركية، وجعل يهيئ معدات الحملة في أوائل سنة 1811، وعقد لواء قيادتها لابنه أحمد طوسون باشا، وأعد مهرجانا فخما بالقلعة، حدد له يوم الجمعة أول مارس سنة 1811 للاحتفال بالباس ابنه خلعة القيادة، ودعا رجال الدولة وأعيانها وكبار الموظفين العسكريين والملكيين لشهود ذلك الاحتفال الفخم، وكان الترتيب ان يلبس طوسون باشا خلعة القيادة، ثم ينزل من القلعة في أبهته وموكبه مخترقا اهم شوارع المدينة ليصل الى معسكر الحملة في القبة.

وكان مثل هذا الاحتفال من المواكب المشهودة التي تحتشد لها الجماهير، وقد دعا الباشا جميع الامراء والبكوات والكشاف المماليك وأتباعهم لحضور الحفلة، فعد المماليك هذه الدعوة علامة الرضا من محمد علي باشا، وركبوا جميعا في زينتهم وكبكبتهم، وارتدوا اجمل وأثمن ما عندهم من الملابس، وامتطوا خير ما لديهم من الجياد، وذهبوا صبيحة ذلك اليوم الى القلعة قبل الموعد المضروب لركوب طوسون باشا.

وقبل ابتداء الحفلة دخل البكوات المماليك على محمد علي باشا في قاعة الاستقبال الكبرى، فتلقاهم بالبشر والحفاوة، وقدمت لهم القهوة، وشكرهم الباشا على اجابتهم دعوته، وألمع الى ما ينال ابنه من التكريم اذا ما ساروا معه في موكب، فأجابوه بالشكر، واعتذروا عن تخلف بقية أخوانهم الذين ما زالوا في الصعيد ولم يحضروا للاشتراك في الاحتفال، فقابل الباشا الاعتذار بالتجاوز والاعراب عن تسامحه وحسن مقاصده للمتخلفين، وتجاذب هو وضيوفه أطراف الحديث هنيهة ثم ما لبث ان اذ مؤذن الرحيل، فقرعت الطبول وصدحت الموسيقي، فكان ذلك اعلانا بالتأهب لتحرك الموكب.

تحرك الموكب، تتقدمه طليعة من الفرسان الدلاة يقودها ضابط يدعى أوزون علي، يتبعها والي الشرطة، والأغا (محافظ المدينة) والمحتسب، ويليهم الوجاقلية، ثم كوكبة من الجنود الأرناءوط يقودهم صالح أق قوش ثم المماليك يتقدهم سليمان بك البواب، ومن بعدهم بقية الجنود الأرناءود فرسانا ومشاة، وعلى أثرهم كبار المدعوين من أرباب المناصب.

فاجتازت الباب طليعة الموكب، ثم رئيس الشرطة، ثم المحافظ ومن معه، ثم الوجاقلية، ولم يكد هؤلاء يجتازون باب العزب حتى ارتج الباب وأقفل من الخارج على حين فجأة اقفالا محكما في وجه المماليك، ومن ورائهم الجنود الأرناءوط، فلما رأى هؤلاء الجنود الباب قد أقفل، وكانوا عالمين بما تدل عليه هذه الاشارة، تحولوا عن الطريق في صمت وسكون، وتسلقوا الصخور التي تكتنفه وتعلوه يمينا وشمالا، واخذوا مكانهم على الصخور والاسوار والحيطان المشرفة عليه، ولم يتنبه المماليك بادئ الامر الى ان الباب قد اقفل، واستمروا يتقدمون متجهين اليه، ولكن لم تكد تبلغه صفوفهم الاولى حتى رأوه مقفلا في وجوههم اقفالا محكما، وأبصروا الأرناءود يتسلقون الصخور المشرفة عليهم، فتوقفوا قليلا عن المسير، وتضامت صفوفهم المتلاحقة بعضها أثر بعض، ولم تمض هنيهة حتى دوى طلق الرصاص من نوافذ احدى الثكنات، فكان هذا نذيرا بانفاذ المؤامرة، ذلك أنه لم تكد تلك الطلقات تدوى في الفضاء حتى انهال الرصاص دفعة واحدة على المماليك وهم محصورون في هذا الطريق الغائر في الارض، فالباب الضخم مقفل في وجوههم، والجنود الأرناءوط من ورائهم، ومن فوقهم، وعن يمينهم، وشمالهم، يتناولون برصاص بنادقهم.

لم يستطع المماليك دفاعا عن أنفسهم، ولم يكن لديهم الوقت ولا القدرة على الحركة، أو الرجوع القهقري، أو النزول عن جيادهم، لضيق المكان الذي حصروا فيه، ولأنهم جاءوا الاحتفال من غير بنادق ولا رصاص، ولم يكونوا يحملون سوى سيوفهم، وهيهات ان تعمل السيوف في ذلك الموقف شيئا، فانصب عليهم الرصاص، وحصدهم حصدا، وجاءهم الموت من كل مكان.

ولما سقطت الصفوف المكشوفة من المماليك تختبط بدمائها، أمكن للباقين أن يترجلوا عن جيادهم، وأرادوا النجاة بأنفسهم من تلك الحفرة المهلكة التي كانوا مكدسين فيها، فتسلق بعضهم الصخور المحيطة بالطريق بعد أن خلعوا ما كان عليهم من الفراوي والملابس الثمينة والثياب الفضفاضة ليسهل عليهم الفرار، ولكن الرصاص كان يتلقفهم أينما صعدوا، فلا تلبث ان تتساقط جثثهم في جوف الطريق، ومن هؤلاء شاهين بك الألفي الذي تمكن في عدة من مماليكه أن يتسلق الحائط وصعد الى رحبة القلعة وانتهى الى عتبة قصر صلاح الدين، فعالجه الجنود الأرناءود برصاصة أردته صريعا، واستطاع سليمان بك البواب أن يجتاز الطريق وجسمه يقطر دما، ووصل الى سراي الحرم، واستغاث بالنساء صائحا (في عرض الحرم)، وكانت هذه الكلمة تكفي في ذلك العهد لتجعل من يقولها في مأمن من الهلا: ولكن الجنود عاجلوه بالضرب حتى قطعوا رأسه، وطرحت جثته بعيدا عن باب السراي، وتمكن بعض المماليك من الوصول الى حيث كان طوسون باشا راكبا جواده منتظرا ان تنتهي تلك المأساة. فتراموا على أقدامه طالبين الأمان، ولكنه وقف جامدا لا يبدي حراكا، وعاجلهم الجنود بالقتل، وتكدست جثث القتلى بعضها فوق بعض في ذلك المضيق، وعلى جوانبه حتى بلغ ارتفاع الجثث في بعض الأمكنة الى أمتار، واستمر القتل الى أن أفنى كل من دخلوا القلعة من المماليك، ومن لم يدركه الرصاص ممن وقع تحت جثث الآخرين أوفر في نواحي القلعة أو تخلف عن الموكب، ساقه الأرناءود حيا إلى الكتخدا بك فأجهزوا عليه ضربا بالسيوف، واستمر القتل من ضحوة النهار الى هزيع من الليل حتى إمتلأ فناء القلعة بالجثث.

وهكذا دخل القلعة في صبيحة ذلك اليوم أربعمائة وسبعون من المماليك وأتباعهم، قتلوا جميعا، ولم ينج منهم الا وحد يسمى (أمين بك)، فانه كان في مؤخرة الصفوف، فلما رأى الرصاص ينهال على زملائه طلب النجاة فصعد بجواد الى المكان المشرف على الطريق وبلغ سور القلعة، وراى الموت محيطا به، فلم يجد منجي الا أن يرمي بنفسه من اعلى السور الى خارج القلعة، وكان الخطر المحقق في تلك المحاولة، اذ يعلو السور عن الارض ستين قدما، ولكنه خاطر بنفسه مؤثرا الموت على القتل، فلكز جواده، فقفز به مترديا، ولما صار على مقربة من الارض قفز هو مترجلا، وترك الجواد يتلقى الصدمة، فتهشم الجواد لفوره، ونجا أمين بك من الموت، ومضى يعدو في طريق الصحراء، ومازال يطوي الفدافد متنكرا حتى بلغ الى جنوب سورية.

احكم محمد علي باشا تدبير المؤامرة، فلم يقف على سرها الا اربعة من خاصة رجاله، وهم حسن باشا قائد الجنود الأرناءود، والكتخدا بك محمد لاظ أوغلي، وصالح قوش احد ضباط الجند، وابراهيم اغا حارس الباب، وصالح قوش كما مر بك كان يقود كوكبة الجنود الأرناءود في الموكب، وهو الذي أمر باقفال باب العزب واعطى اشارة القتل الى رجاله.

وبينما كان صالح قوش يتأهب لتنفيذ المؤامرة كان محمد بك علي باشا جالسا في قاعة الاستقبال، ومعه أمناؤه الثلاثة، وقد ظل في مكانه هادئا الى أن بدأ الموكب يتحرك، واقتربت اللحظة الرهيبة، فساوره القلق والاضطراب، وساد القلعة صمت عميق، الى أن سمع اطلاق أول رصاصة، وكانت ايذانا ببدء المذبحة، فوقف محمد علي وامتقع لونه، وعلا وجه الاصفرار، وتنازعته الانفعالات المختلفة، واخذ يسمع دوي الرصاص وصيحات الذعر والاستغاثة وهو صامت لا ينبس بكلمة، الى ان حصد الموت معظم المماليك، واخذ صوت الرصاص يتضائل، وكان ذلك اعلانا بانتهاء المؤامرة، وعندئذ دخل عليه المسيو ماندريشي طبيبه الايطالي وقال له: "لقد قضى الأمر واليوم يوم سعيد لسموكم"، فلم يجب محمد علي بشئ، وطلب قدحا من الماء فشربه جرعة طويلة، وخرج الكتخدا بك وأخذ يجهز على الباقين من المماليك.

لم يكن أحد من سكان القاهرة يتنبأ قبل أن تقع المذبحة بما خبأه القدر بين أسوار القلعة، فكانت الجماهير يعلوها الابتهاج محتشدة في الشوارع المعدة لسير الموكب تنتظر مروره، ولقد مرت طليعة الموكب بين جموع المتفرجين، واخذ الناس يترقبون بلهف مرور الصفوف التي تليها، ثم انقطع تلاحق الصفوف، فعجب الناس وطفقوا يتساءلون عن السببن وذهبت أفكارهم في تفسير ذلك مذاهب شتى، وفيما هم ينتظرون قدوم الصفوف المتأخرة سمع المحتشدون في ميدان الرميلة الذي بأسفل القلعة صوت الرصاص يدوي في الفضاء بعد أن اقفل باب العزب، فسرى الذعر الى الناس اذ وصل خبر المذبحة الى الجماهير القريبة من القلعة وصاح صائح: "قتل شاهين بك" وسرعان ما ذاع الخبر بسرعة البرقة الى مختلف الانحاء، فتفرقت الجماهير واقفلت الدكاكين والاسواق، وهرع الناس الى منازلهم، وخلت الشوارع والطرقات من المارة، واعقب هذا الذعر نزول جماعات من جنود الأرناءود الى المدينة يقصدون بيوت المماليك في انحاء القاهرة، فاقتحموها واخذوا يفتكون بكل من يلقونه فيها من أتباعهم، وينهبون ما تصل اليه أيديهم، ويغتصبون من النساء ما يحملن من الجواهر والحلي والنقود، واقترفوا في ذلك اليوم واليوم الذي تلاه من الفظائع ما تقشعر منه الابدان، ولم يكتفوا بالفتك بمن يلقونه من المماليك ونهب بيوتهم واغتصاب نسائهم، بل تجاوزوا بالقتل والنهب الى البيوت المجاورة، وبلغ عدد المنازل التي نهبوها خمسائة منزل، واصبح اليوم التالي (السبت) والسلب والنهب والقتل مستمر في المدينة، واضطر محمد علي باشا الى النزول من القلعة في صحوة ذلك اليوم وحوله رؤساء جنده وحاشيته لوضع حد للنهب والاعتداء، فمر بالاحياء المهمة التي كانت هدفا لعدوان الأرناءود، وامر بقطع رءوس من استمروا في النهب والاعتداء، وكذلك فعل طوسون باشا.

قال الجبرتي: "ولولا نزول الباشا وابنه في صبح ذلك اليوم لنهب العسكر بقية المدينة وحصل منهم غاية الضرر".

ونبه على الأرناءود بأن يقتصروا على القبض على المماليك الذين بقوا أحياء لتخلفهم عن الذهاب الى القلعة في اليوم المشهود، وارسالهم الى القلعة، فكان الكتخدا بك يأمر بقطع رءوسهم، ولم ينج منهم الا من هرب من المدينة مختفيا وهاجر الى الوجه القبلي، وذلك صدر محمد علي أمره الى كشاف المديريات باعتقال كل من يلقونه من المماليك وقتلهم.

بلغ عدد من قتلوا من المماليك في القلعة وفي انحاء القاهرة والمديريات في تلك الايام الرهيبة نحو 1000 من امراء وكشاف واجناد ومماليك.

وقد ذكر الجبرتي اسماء من لهم شهرة ممن قتلوا بالقعلة وبلغه خبرهم، وهم شاهين بك كبير المماليك الألفية، ويحيى بك، ونعمان بك، وحسين بك الصغير، ومصطفى بك الصغير، ومراد بك، وعلي بك ، وهؤلاء من الامراء الالفية، ومن غيرهم احمد بك الكيلارجي، ويوسف بك ابو دياب، وحسن بك صالح، ومرزوق بك ابن ابراهيم بك الكبير، وسليمان بك البواب، وتابعه أحمد بك، ورشوان بك، وابراهيم بك، وقاسم بك تابع مراد بك الكبير، وسليم بك الدمرجي، ورستم بك الشرقاوي، ومصطفى بك أيوب، ومصطفى بك تابع عثمان بك حسن، وعثمان بك ابراهيم، وذو الفقار تابع جوهر، ومن الكشاف (الحكام) علي كاشف الخازندار، ورشوان كاشف، وسليم الكاشف، وفايد الكاشف، وجعفر كاشف، وعثمان كاشف، ومحمد كاشف، واحمد كاشف الفلاح، واحمد كاشف صهر محمد اغا، وخليل كاشف،وعلي كاشف قيطاس، واحمد كاشف ، وموسى كاشف.

نفذ القضاء في ذلك اليوم على فئة المماليك، ولم يبق منهم الا عدد ضئيل ممن بقوا مع ابراهيم بك الكبير وعثمان بك حسن اللذين لم يطمئنا من قبل لمصالحة محمد علي باشا وبقيا في الصعيد ومعهما ذلك الرهط من المماليك، ونجا أيضا من القتل عدا هؤلاء نحو ستين مملوكا فروا الى سورية.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الرأي في مذبحة القلعة

تلك هي الواقعة الشهيرة بمذبحة القلعة، ونحن هنا لا نريد ان ندافع عن المماليك، فانا عددنا عليهم من المساوئ التي ارتكبوها والمضار التي جلبوها على البلاد ما يغني عن البيان، ولكن مهما بلغت سيئاتهم فان القضاء عليهم بوسيلة الغدر أمر تأباه الإنسانية. ولو أن محمد علي باشا استمر في محاربتهم وجها لوجه حتى تخلص منهم في ميادين القتال لكان ذلك خيرا له ولسمعته، ولا يسوغ فعلته ان هذه الوسيلة كانت مألوفة في ذلك العصر، وان هذه المؤامرة هي صورة مكبرة لما أمر به الباب العالي سنة 1804 من الفتك بالمماليك، اذ عهد الى الصدر الاعظم والى حسين قبطان باشا ان يقضي عليهم بهذه الطريقة نفسها، فان تكرار السيئات لا يبررها، وبالجملة فمذبحة القلعة كانت نقطة سيئة في تاريخ محمد علي باشا.

وقد حاول بعض المؤرخين تبريرها بقولهم انه اضطر اليها دفاعا عن نفسه وان المماليك كانوا يأتمرون به حين ذهب الى السويس يتعهد شئون العمارة المعدة لنقل الحملة الوهايبة، ونمى اليه أنهم ينوون الفتك به عند عودته الى القاهرة (فبراير سنة 1811) فخرج من السويس ليلا على غير ميعاد واسرع في السير حتى دخل القاهرة ولما تحقق انه لا يأمن فتك المماليك به وخاصة اذا انفذ الحملة على الحجاز وخلت البلاد من الجنود اعتزم قطع دابرهم، وهذه الرواية لم نجد لها سندا قويا، ولا نعتقد ان هذا الحادث هو الذي أوحى الى محمد علي تدبير مذبحة القلعة، بل اغلب الظن انها كانت نتيجة تفكير عميق وتدبير واسع المدى سابق على ذلك الحادث وكان قبله بمدة.

ولم تلق مذبحة المماليك تبريرا قويا حتى من اصدقاء محمد علي المدافعين عنه وعن حكمه، فانظر مثلا الى ما كتبه المسيو مانجان وهو صديق للباشا تراه تقول:

"إنني ابعد ما أكون عن تبرير الفتك بالمماليك، على أنني أعده من بعض النواحي خيرا لمصر، فان بقاءهم يفضي الى حرب هي أضر على البلاد من الايقاع بهم، كما أن ارادة الباب العالي كانت تؤدي الى استمرار تلك الحرب، فالضربة الجرئية التي ضربها محمد علي تنفيذا لأوامر الباب العالي السرية قد قضت على نظام كانت تركيا تعمل على التخلص منه تدريجيا، ومن هذه الناحية يمكن تبرير عمل الباش، ومن جهة أخرى فان الدفاع عن سلامته كان يقضي أن يلجأ الى طرق حازمة، فقد كان محاطا بجنود فطروا على الشغب والفوضى، وكان مضطرا الى انفاذ جزء كبير من قواته الى جزيرة العرب، فكان عليه ان يفكر في اضعاف خصومه الذين يزدادون في هذه الحالة قوة ونفوذا، فقد بلغه ما قيل انهم كانوا يأتمرون به ليختطفوه عند عودته من السويس، ولما علم ان السياح من الافرنج يلومونه في رحلاتهم وكتبهم على اغتيال المماليك ويعدونه عملا منافيا للانسانية صرح بأنه يبغي ان يرسم صورة يضع فيها مذبحة المماليك بجانب حادثة اغتيال الدوق دانجان ليحكم الناس على الحادثتين.

ويقول المسيو جومار وهو الذي جعله محمد علي باشا مديرا لاول بعثة مدرسية مصرية في فرنسا:

"لو أمكن محو تلك الصحيفة الدموية من تاريخ مصر لما صار محمد علي هدفا لاحكام التاريخ القاسية".

هذا، واذا نظرنا الى هذه الحادثة من الوجهة القومية البحتة وجدنا ان البقية الباقية من المماليك كان قد ضعف شأنهم وتقلمت أظافرهم حتى لم يبق من وجودهم خطر على نفوذ محمد علي وسلطانه، فماذا كان يستطيع ابراهيم بك وعثمان بك حسن وغيرهما ان يفعلوه وليس معهم سوى ذلك العدد الضئيل من المماليك الذين كانوا يحيطون بهم؟

وماذا كان يستطيع ان يفعله شاهين بك وسليمان بك البواب ومرزوق بك وغيرهم وقد تركوا أخوانهم في الصعيد وجاءوا القاهرة مستأمنين خاضعين وغادروا حياة الكر والفر لينعموا بالرفاهية ورغد العيش؟ ما نظن مطلقا ان ثمة خطرا كان يتهدد محمد علي من هذه الناحية، وما نظنه كان في حاجة الى التخلص من تلك البقية الباقية من المماليك بتلك الوسيلة المنطوية على الغيلة والغدر.

ومن جهة أخرى فان الفتك بالمماليك على هذه الصورة الرهيبة قد كان له اثر عميق في حالة الشعب النفسية، لان مذبحة القلعة ادخلت الرعب في قلوب الناس وكان من نتائجها ان استولت الرهبة على القلوب، فلم يعد ممكنا الى زمن طويل ان تعود الشجاعة والطمأنينة الى نفوس الناس، والشجاعة خلق عظيم تحرص عليه الامم الطامحة الى العلا، وهي قوام الاخلاق والفضائل القومية، فاذا فقد الشعب الشجاعة وحلت الرهبة مكانها كان ذلك نذيرا بانحلال الحياة القومية وفسادها، فالرهبة التي استولت على النفوس بعد مذبحة القلعة كان لها أثرها في اضعاف قوة الشعب الخلقية والمعنوية، وتلك خسارة قومية كبرى، فانما الامم اخلاق وفضائل، اضف الى ذلك ان هذه الحادثة وقعت في الوقت الذي كانت فيه النفوس قد تطلعت الى مراقبة ولاة الامور ودبت فيها روح الحياة والديمقراطية، وتعددت مظاهر هذه الروح بما رأيت من اجتماعات الشعب واحتجاجاته على المظالم، وفنحسب ان مذبحة القلعة قد قضت على هذه الروح الى زمن طويل، واحلت في مكانها روح الرهبة من الحكام، ولعل هذه الروح الجديدة قد جعلت محمد علي باشا اكثر اطمئنانا على انفراده بالحكم، فلم يبد من الشعب في خلال السبع والثلاثين سنة التي قضاها في الحكم بعد تلك الحادثة روح ومعارضة او محاسبة او انتقاد، وغني عن البيان انه مع ما اسداه محمد علي من الخير للبلاد في خلال حكمه فانه لم يعوض على الشعب ما فقده من تلك الناحية الخلقية، ناحية الشجاعة الادبية والروح الديمقراطية، تلك الناحية التي هي من اركان عظمة الامم ومن دعائم حياتها القومية.

المصادر

  1. ^ الرافعي, عبد الرحمن (2009). عصر محمد علي. القاهرة، مصر: دار المعارف. Cite has empty unknown parameter: |coauthors= (help)
  هذه بذرة مقالة عن التاريخ تحتاج للنمو والتحسين، فساهم في إثرائها بالمشاركة في تحريرها.