هيوگنو

(تم التحويل من الهوگنو)
جزء من سلسلة عن
الكالڤينية
(طالع أيضاً البوابة)
John Calvin.jpg
جون كالڤن

خلفية
المسيحية
القديس أوگستين
الإصلاح
Five Solas
Synod of Dort

السمات المميزة
النقاط الخمس (TULIP)
Covenant Theology
Regulative principle

وثائق
Calvin's Institutes
Confessions of faith
Geneva Bible

تأثيرات
تيودور بزا
جون نوكس
هولدريخ زوينگلي
جوناثان إدواردز
Princeton theologians

الكنائس
Reformed
Presbyterian
Congregationalist
Particular Baptist
Anglican

أشخاص
Afrikaners
هوگنوتs
Pilgrims
المتطهرون
الاسكوت

 ع  ن  ت

أو هيوگونوت (النطق الفرنسي: [yɡno]؛ بالإنگليزية: Huguenots، English: /ˈhjuːɡənɒt/، /huːɡəˈnoʊ/) كانوا أعضاء كنيسة فرنسا المـُصـْلـَحة الپروتستانتية (أو الكالڤينيون الفرنسيون) من القرنين السادس عشر والسابع عشر. ومنذ القرن السابع عشر، شاع الاشارة إلى الهيوگنو بصفتهم "پروتستانت فرنسيون"، اللقب الذي اقترحه رفاقهم الألمان في الطائفة أو "كالڤينيون". البروتستانت في فرنسا ألهمتهم كتابات جون كالڤين في عقد 1530، وكان الاسم "هيوگنو" مستخدماً في عقد 1560. بنهاية القرن 17، نحو 200,000 هيوجنو كانوا قد أُخرِجوا من فرنسا أثناء سلسلة من الاضطهادات الدينية. وقد هاجروا أساسً إلى إنگلترة، سويسرا، هولندا، پالاتينات الألمانية، وغيرهم في اوروبا الشمالية وكذلك إلى ما هو الآن جنوب أفريقيا وإلى أمريكا الشمالية.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الفرنسيون البروتستانت

لم يحاول أحد البحث في أن الحاجة ماسة لإصلاح ديني، وظهر هنا رجل الدين الصالح والشرير كما ظهر في أي مكان آخر: قساوسة مخلصون ورهبان متبتلون وراهبات قديسات. وظهر هنا وهناك أسقف نذر نفسه للدين أكثر مما نذرها للسياسة، وقساوسة جهلة أو خائرو العزيمة. ورهبان كسالى وفاسقون ورهبان ينبشون عن المال ويتظاهرون بالفقر. وأخواة ضعيفات في الأديان وأساقفة يؤثرون عرض الدنيا ويعرضون عن ثواب الآخرة. وبينما ارتفع شأن التعلم هوى الإيمان، وبينما كان لرجال الدين النصيب الأكبر في التعليم فإنهم أظهروا بسلوكهم أنهم لم يعودوا يتأثرون بفلسفة الحشر والنشر المروعة، التي أملتها عليهم يوماً عقيدتهم الرسمية. وخص بعض الأساقفة أنفسهم بعدد وافر من المناصب والكراسي الأسقفية، وعلى هذا احتفظ جين ديلورين وتمتع بإيرادات من أسقفيات منز ونول وفردان وأبرشيات ريمس وليون وناربون وألبي وماكون وآجن ونانت وأديار جورز وفيكامب وكلوتي ومارموتيين وسالنا - أورين وسان ده لاون وسان جرميه وسان مدار ده سواسون وسان- مانس دي تول(33). ولم تكفيِ هذه لتلبية احتياجاته وشكا من الفقر(34). وندد الرهبان بتكالب الأساقفة على عرض الدنيا، وندد القساوسة بالرهبان، ويستشهد برانتوم بعبارة شاعت في فرنسا وقتذاك وهي: "إنه شحيح أو فاسق كأنه قسيس وراهب(35"). وأول جملة في الأيام السبعة تصف أسقف سيس بأنه يتلهف على إغراء امرأة متزوجة. وهناك اثنتا عشرة قصة في الكتاب تروي بالتفصيل الأعمال المماثلة لرهبان مختلفين، وتقول إحدى الشخصيات: "عندما تقع عيناي على راهب يتملكني رعب شديد إلى حد أني لا أستطيع حتى أن أعترف لهم، لأني أعتقد أنهم أسوأ من كل الرجال الآخرين(36)". وتسلم وازيل - وهو الاسم الذي أطلقته مرجريت على أمها في الأيام السبعة - بأنه بينهم رجالاً صالحين ولكن هذه السيدة نفسها لويز أميرة سافوي كتبت في يومياتها تقول: "في عام 1522... بدأنا أنا وابني، بنعمة الروح القدس نعرف المنافقين، الأبيض والأسود والأشهب والقاتم. ومن كل الألوان أولئك الذين يحفظنا الرب برحمته الواسعة منهم ويدفع عنا أذاهم، لأنه إذا لم يكن المسيح كاذباً فليس بين كل أبناء البشرية جيل أخطر منهم(37)".

ومع ذلك فإن جشع لويز وتعدد نساء ابنها وأخلاق حاشيتها النزاعة إلى الفوضوية لم تكن نموذجاً يحتذيه رجال الدين الذين كانوا خاضعين للملك إلى حد كبير. وفي عام 1516 حصل فرانسيس من ليو العاشر على اتفاقية بابوية تخوله الحق في تعيين أساقفة فرنسا ورهبانها، ولكنه لما أسرف في هذا التعيين الذي لجأ إليه لمكافأة مَن أدوا له خدمات سياسية، تأكدت الصفة الدنيوية للأسقفية. ونصت الاتفاقية البابوية السارية المفعول على أن تكون الكنيسة الجاليقية مستقلة عن البابوية وتابعة للدولة. وبهذه الوسيلة حقق فرانسيس قبل أن ينشر لوثر رسائله بعام، في الواقع، وإن لم يبد ذلك لحس الحظ في الشكل، ما كان قميناً بأن يكسبه الأمراء الألمان وهنري الثامن بالحرب أو الثورة ألا وهو تأميم المسيحية. وماذا كان في وسع الفرنسيين البروتستانت أن يقدموه لملك فرنسا أكثر من هذا؟

لقد سبق أولهم لوثر. في عام 1512 قام جاك ليفيفر، المولود في أنابل في بيكاردي والذي قام بالتدريس في جامعة باريس بعد ذلك، بنشر ترجمة لاتينية لرسائل بولس مع شرح يفسر، بين هرطقات أخرى، اثنتين منها، كانتا حريتين بأن تكونا بعد عشر سنوات متفقتين في الأساس مع لوثر وهما: "إن الناس يمكنهم أن يظفروا بالخلاص لا بالأعمال الصالحات، ولكن بالإيمان برحمة الله التي ينالونها بتضحية المسيح للتكفير عن خطايا البشر، وإن المسيح موجود في القربان المقدس بفعله وإرادته الطيبة، لا بأي تجسيد كهنوتي للخبز والنبيذ. وطالب ليفيفر مثل لوثر بالعودة إلى الإنجيل، وسعى مثل أرازموس إلى استعادة النص الصحيح للعهد الجديد، وتوضيحه كوسيلة لتطهير المسيحية من أساطير القرون الوسطى والزيادات الكهنوتية. وأصدر عام 1523 ترجمة فرنسية للتوراة وللمزامير بعد ذلك بعام. وقال في إحدى تعليقاته: "ما اشد خزينا عندما نرى أسقفاً يطلب من الناس في إلحاح أن يشربوا معه، لا هم له إلا المقامرة... والصيد باستمرار، والتردد على البيوت سيئة السمعة(38") وأدانته السوربون وقضت بأنه هرطيق ففر إلى شتراسبورج (1525)، وتشفعت له مرجريت فاستدعاه فرانسيس وعينه أميناً للمكتبة الملكية في بلوا ومربياً لأطفاله. وفي عام 1531 عندما أغضبت أعمال البروتستانت التي تجاوزوا فيها الحد الملك، لجأ ليفيفر إلى مرجريت في جنوبي فرنسا وعاش هناك حتى وفاته بالغاً من العمر سبعة وثمانين عاماً (1537).

وشرع تلميذه جيوم بريسونيه الذي عين أسقفاً لمو (1516) في إصلاح الأسقفية بروح أستاذه. وبعد أربع سنوات من العمل الحماسي شعر بأنه من القوة بحيث يستطيع أن يقدم على ابتداع تغييرات لاهوتية. فعين للإشراف على الصدقات مصلحين معروفين من أمثال ليفيفر وفاريل ولوي ده بركان وجيرار روسل وفرانسوا فاتابل وشجعهم على أن ينادوا في عظاتهم بـ "العودة إلى الإنجيل". وأثنت عليه مرجريت وعينته موجهاً روحياً لها. ولكن عندما أعلنت السوربون مدرسة اللاهوت التي تسيطر الآن على جامعة باريس - أدانتها للوثر (1521) أمر بريسوفيه زملاءه بمسالمة الكنيسة فقد كانت وحدة الكنيسة في نظره، مثله في هذا مثل أرازموس ومرجريت، أهم من الإصلاح.

ولم تستطع السوربون أن توقف تدفق الأفكار اللوثرية عبر نهر الراين، فقد كان الطلبة والتجار يجلبون مؤلفات لوثر من ألمانيا باعتبار أنها تمثل أعظم الأخبار إثارة وقتذاك، وأرسل فروبن نسخاً من بازيل لتباع في فرنسا. وتلقف العمال الساخطون العهد الجديد واعتبروه وثيقة ثورية واستمعوا بابتهاج إلى مبشرين استخلصوا من الإنجيل مدينة فاضلة تتحقق فيها المساواة الاجتماعية.

وعندما نشر الأسقف بريسونيه عام 1523 على أبواب كاتدرائيته كتاباً للبابا عن صكوك الغفران مزقه جان لكلير، وكان يعمل في تمشيط الصوف في مو ووضع مكانها إعلاناً ملصوقاً يصف البابا بأنه مناهض للمسيحية، فقبض عليه، ووسم بالنار على جبهته (1525) بناء على أمر المجلس النيابي لباريس. فانتقل إلى ميتز وهناك حطم التماثيل الدينية، التي كان من المقرر أن يمر أمامها موكب لتقديم البخور. وقطعت يده اليمنى واجتث أنفه، وانتزعت حلمتا ثدييه بملقط، وربط رأسه بشريط من الحديد المحمى إلى درجة الاحمرار. وأحرق حياً (1526)(39). وأرسل عدد كبير من المتطرفين الآخرين إلى المحرقة في باريس بتهمة "التجديف" أو لإنكارهم ما للعذراء والقديسين من تفويض في الشفاعة (1526-27).

وكان شعب فرنسا يؤيد بوجه عام عمليات الإعدام هذه(40) وكان يحب عقيدته الدينية ويرى أنها وحي من لدن الله ومن قوله، ويمقت الهراطقة لأنهم يسلبون من الفقراء أعظم عزاء عندهم ولم يظهر في فرنسا رجل مثل لوثر. يثير الطبقة الوسطى ضد طغيان البابا، فقد كانت الاتفاقية البابوية تمنع استغاثة مثل هذه ولم يكن كالفن قد وصل بعد إلى الشهرة الجنيفية التي تتيح له أن يبعث بدعوته الصارمة للإصلاح. ووجد الثائرون بعض التأييد بين طبقة الأرستقراطية بيد أن السادة والسيدات كانوا قليلي الاهتمام إلى درجة أنهم لم يتشبثوا بالأفكار الجديدة إلى الحد الذي يخل بعقيدة الشعب أو يقض مضاجع الحاشية، وقد تسامح فرانسيس نفسه مع الدعاية اللوثرية ما دامت غير منطوية على أي تهديد بقيام فتنة اجتماعية أو سياسية، وكانت له بدوره شكوكه الخاصة - في سلطات البابا وبيع صكوك الغفران ووجود المطهر(41)، ولعله رأى أن يستخدم تسامحه مع البروتستانتية سلاحاً يشهره ضد بابا يميل كثيراً إلى الانحياز لشارل الخامس. وكان يعجب بأرازموس وسعى إليه لتعيينه في الكلية الملكية الجديدة، وكان يؤمن معه بتشجيع التعليم والإصلاح الكهنوتي - ولكن بخطوات لا تقسم الشعب إلى نصفين متحاربين أو تضعف تأثير الخدمات التي تقدمها الكنيسة لتهذيب أخلاق الأفراد والنظام الاجتماعي(42). وكتبت مرجريت إلى بريسونيه عام 1521 تقول: "إن الملك والسيدة (لويز أميرة سافوي) على أهبة الآن أكثر من أي وقت مضى لإصلاح الكنيسة(43")، وعندما قبضت السوربون على لوي ده بركان لقيامه بترجمة بعض مصنفات لوثر (1523) أطلق سراحه بفضل تشفع مرجريت له عند الملك. ولكن فرانسيس أفزعته ثورة الفلاحين في ألمانيا التي يبدو أنها نشبت نتيجة الدعاية البروتستانتية، وقبل أن يرحل ليلقى الهزيمة في بافيا أمر الأساقفة بسحق الحركة اللوثرية في فرنسا.

وبينما كان الملك أسيراً في مدريد، سجن بركان مرة أخرى ولكن مرجريت حصلت ثانية على أمر بإطلاق سراحه. وعندما فك إسار فرانسيس نفسه انهمك في يوبيل للتحرر، ولعله فعل هذا إقراراً بفضل شقيقته التي سعت كثيراً، لتحريره، فاستدعى ليفيفر وروسل من المنفى وشعرت مرجريت بأن الحركة من أجل الإصلاح الديني قد ظفرت بيومها الموعود.

ووقع حادثا دفعا الملك إلى العودة لعقيدة المحافظين. فقد كان في حاجة للمال ولافتداء ولديه اللذين كان قد سلمهما لشارل مقابل حصوله على حريته. ووافق رجال الدين على منحه 1.300.000 جنيه ولكنهم أرفقوا بالمنحة التماساً بوقفة أكثر حزماً مع الهرطقة، فوافق (16 ديسمبر سنة 1527)، وفي يوم 31 مايو سنة 1528 هاله أن يعلم بتحطيم راس العذراء والابن في تمثال لهما خارج كنيسة في أبرشية سان جرمان أثناء الليل. وصاح الناس يطالبون بالانتقام، وعرض فرانسيس ألف كراون مكافئة لمن يعثر على المخربين وقاد موكباً حزيناً من الأساقفة وموظفي الدولة والنبلاء وعامة الناس لترميم التمثال المحطم برأسين من الفضة. وانتهزت السوربون فرصة رد الفعل لسجن بركان مرة أخرى وبينما كان فرانسيس غائباً في بلوا ودفع باللوثري الذي رفض التوبة إلى المحرقة (17 أبريل عام 1529) وسط فرحة الحاضرين من الجمهور(44).

وكان مزاج الملك يتغير تبعاً لتغيرات دبلوماسيته، ففي عام 1532، وقد أغضبه تعاون كليمنت السابع مع شارل الخامس قدم عروضاً للأمراء اللوثريين الألمان وأذن لمرجريت بتنصيب روسل مبشراً لجماهير كبيرة في اللوفر، وعندما احتجت السوربون نفي زعماءها من باريس.

وفي أكتوبر سنة 1533 كان على وفاق مع كليمنت، فوعد باتخاذ إجراءات فعالة ضد الفرنسيين البروتستانت. وفي أول نوفمبر ألقى نيكولاس كوب خطابه في الجامعة، فاستشاطت السوربون غضباً وأمر فرانسيس باضطهاد جديد. ولكن اشتدت وقتذاك حدة نزاعه مع الإمبراطور فأرسل جيوم دي بلاي المناصر للإصلاح إلى فيتنبرج ليطلب من ميلانكتون أن يتوصل لصيغة توفيق بين العقيدة القديمة والأفكار الجديدة (1534) وبهذا يجعل في الإمكان عقد تحالف بين ألمانيا البروتستانتية وفرنسا الكاثوليكية. فأذعن ميلانكتون وأخذت الأمور تتحرك بسرعة عندما قامت جماعة متطرفة من المصلحين الفرنسيين بلصق إعلانات في شوارع باريس وأورليان وغيرهما من المُدن، بل وحتى على أبواب مخدع الملك في أمبواز تندد بالقداس وتصفه بأنه من قبيل عبادة الأوثان وبالبابا ورجال الدين الكاثوليك، وتصفهم بأنهم "ذرية دودة... مارقون، ذئاب... كذابون، كافرون ومزهقون للأرواح" (18 اكتوبر سنة 1534)(45). فاستشاط فرانسيس غضباً وأمر بسجن جميع المشتبه فيهم بدون تمييز وامتلأت السجون. وقبض على عدد كبير من الطابعين، وظلت الطباعة قاطبة محظورة لفترة ما. وانضمت مرجريت ومارو وكثير من البروتستانت المعتدلين إلى مَن استنكروا الإعلانات الملصقة. وسار الملك وأولاده والسفراء والنبلاء ورجال الدين في صمت مهيب، يحملون شموعاً موقدة ليستمعوا إلى قداس أقيم للتكفير في كاتدرائية نوتردام (21 يناير سنة 1525). وأعلن فرانسيس أنه سيقطع رأس أولاده إذا اكتشف أنهم يطوون جوانحهم على مثل هذه الهرطقات الخارجة على الدين. وفي عشية تلك الليلة أحرق ستة من البروتستانت حتى الموت في باريس بطريقة رئي أنها تصلح لتهدئة المعبود. فقد علقوا فوق نار وكانوا يدلون إليها ويرفعون منها مراراً وتكراراً وذلك لإطالة أمد عذابهم(46). وأحرق في باريس أربعة وعشرون من البروتستانت وهم أحياء من العاشر من نوفمبر عام 1534 والخامس من مايو عام 1535. وزجر البابا بول الثالث الملك لهذه القسوة التي لا داعي لها وأمره بوقف الاضطهاد(47).

وقبل أن ينصرم العام كان فرانسيس يخطب ود البروتستانت الألمان من جديد. وكتب بنفسه إلى ميلانكتون (23 يوليو سنة 1535) يدعوه إلى الحضور "والتباحث مع بعض المبرزين من الدكاترة عندنا عن الوسيلة لإعادة توطيد دعائم ذلك التناسق السامي في الكنيسة، الذي أرى أنه أعز أمنية لدي على الإطلاق(48)". ولم يحضر ميلانكتون ولعله ايتراب في أن فرانسيس يستخدمه شوكة في جبن الإمبراطور، وربما أثنه عن عزمه لوثر أو أمير ساكسونيا المختار الذي قال: "إن الفرنسيين ليسوا من الإنجيليين بل هم إرازميون(49)". وكان هذا صحيحاً بالنسبة لمرجريت وبريسونيه ليفيفر وروسل، ولم يكن صحيحاً بالنسبة لأنصار لصق الإعلانات والهوجينوت الكالفينيين الذين بدأوا يتكاثرون في جنوب فرنسا. وتخلى فرانسيس عن كل جهوده لاسترضاء البروتستانت بعد مسالمة شارل (1538).

ولم يكن أعظم خزي لحق بعهده إلا نتيجة خطأه إلى حد ما فقد سمح للفوديين أو الولدانيين، الذين كانوا لا يزالون يحبون الآراء شبه البروتستانتية لبيتر والد ومؤسس طائفتهم في القرن الثاني عشر، بالاحتفاظ بوجودهم الذي يشبه نظام طائفة الكويكر، في ظل الحماية الملكية، في نحو ثلاثين قرية امتداد نهر دورانس في بروفانس. وفي عام 1530 شرعوا في مكاتبة المصلحين في ألمانيا وسويسرة، وبعد عامين استخلصوا اعترافاً بعقيدة تقوم على آراء بوسر وأويكو لامبادريوس، وعقد قاصد رسولي بينهم محكمة للتفتيش فاستغاثوا بفرانسيس، فأمر بوقف الاضطهاد (1533). واكن الكاردينال ده تورنون ادعى أن الولدانيين كانوا يدبرون مؤامرة تنطوي على خيانة للحكومة، وأقنع الملك العليل المتذبذب بتوقيع مرسوم (أول يناير سنة 1545) ينص على أن كل الولدانيين الذين يكتشف أنهم مذنبون ويثبت عليهم تهمة الهرطقة يجب أن يعدموا. وفسر موظفو المجلس النيابي في إكس - أن - بروفانس - الأمر بأنه يعني الإبادة الجماعية. وأبا الجنود في مبدأ الأمر إطاعة الأمر وعلى أية حال فإنهم حملوا على قتل فئة قليلة ثم ألهبتهم حرارة القتل فحولوه إلى مذبحة. وفي خلال أسبوع واحد (12-18 أبريل) أحرقت بضع قرى حتى سويت بالأرض، وفي إحداها ذبح 800 رجل وامرأة وطفل، وفي مدى شهرين أزهقت أرواح 3.000 نفس وهدمت اثنتان وعشرون قرية، وأكره 700 رجل على العمل في السفن. ولقيت خمس وعشرون امرأة مذعورة لجأن إلى كهف حنقهن خنقاً بنار أشعلت عند مدخله. ورفعت سويسرة وألمانيا البروتستانتيتان احتجاجات مروعة وبعثت أسبانيا بالتهاني إلى فرانسس(50) وبعد عام اكتشفت جماعة لوثرية صغيرة مجتمعة في سو برئاسة بيير لكلير شقيق جين الذي وسم بالنار وعذب أربعة عشر من الجماعة وأحرقوا كما أحرق ثمانية منهم بعد أن انتزعت ألسنتهم (7 أكتوبر سنة 1546).

وكانت هذه الاضطهادات أعظم فشل مني به عهد فرانسيس. وأضفت شجاعة الشهداء جلالاً وروعة على قضيتهم، ولابد أن ألوفاً من المشاهدين قد تأثروا وانزعجوا، ولولا عمليات الإعدام المشهودة هذه لما كلفوا أنفسهم قط عناء تغيير عقيدتهم الموروثة. وعلى الرغم من الأرهاب المتكرر فإن "حشوداً" سريعة من البروتستانت وجدت عام 1530 في ليون وبوردو وأورليان وريمس وأميان وبواتييه وبورج ونيم، ولا روشيل وشالون وديجون وتولور. وكأن الأرض قد انشقت عن فرق من الهوجينوت، ولابد أن فرانسيس قد عرف وهو على فراش الموت أنه قد ترك ابنه تحدق به العداوة من إنجلترا وألمانيا وسويسرة ولم يكن يواجه هذا فحسب بل يواجه أيضاً إرثاً من الكراهية في فرنسا نفسها.


التاريخ المبكر والمعتقدات

الإنسان حيوان منافس مادام يخشى الخطر أو يذكر افتقاره إلى الأمن. كذلك حال الجماعات والطبقات والأمم والأجناس التي تفتقد شعور الأمن. فهي تتنافس بذات الحرص الذي يتنافس به الأفراد المؤلفة منهم، وبعنف أشد، لأنها أقل تقيداً بالقانون، وتمتعا بالحماية، ان الطبيعة تدعو جميع الكائنات الحية إلى العراك. وفي حمى الصراع الأوربي بين حركة الاصلاح البروتستنتي (1517) وصلح وستفاليا (1648) استخدم هذا التنافس الجماعي الدين ستاراً وسلاحاً لتحقيق الأهداف الاقتصادية أو المآرب السياسية. فلما ألقى المحاربون سلاحهم بعد قرن من النضال، احتفظت المسيحية ببقائها وسط الخرائب بشق الأنفس.

كانت فرنسا أول من عانى وأول من أفاق، فقد كانت »حروبها التي خاضتها من 1562 إلى 1594 بالنسبة لها ما ستكونه حرب الثلاثين (1618-48) بالنسبة لألمانيا، والحروب الأهلية (1642-48) بالنسبة لإنجلترا. ذلك أنه عند موت هنري الثاني في صراع مؤسف (1559) وارتقاء ابنه البالغ من العمر خمسة عشر ربيعاً العرش باسم فرنسيس الثاني، كانت الأمة على شفا الإفلاس من جراء النزاع الطويل بين آل هابسبورج وملوك فالوا. كان مجموع ايراد الدولة السنوي أنئذ 12.000.000 جنيه وبلغ الدين الأهلي43.000.000. وتخلفت رواتب كثير من الحكام المحليين أربع سنوات، واستحال اقناع الشعب الفرنسي بدفع الضرائب(1). وترددت ليون في الفوضى الاقتصادية عام 1559 إثر انهيار مالي مفاجئ. وكان من أثر تدفق فضة أمريكا وذهبها إلى فرنسا بطريق أسبانيا والبرتغال أن هبطت قيمة العملة، وتضخمت الاسعار، وانطلق سباق شرس بين الأجور والأسعار لم يفد منع غير الرأسماليين العليمين ببواطن الأمور والمنشغلين بالمضاربات. وحاولت الحكومة عام 1567 وعام 1577 أن تسن القوانين لتحديد أقصى الأسعار والأجور، ولكن التزاحم الاقتصادي طغى على القوانين(2)، واستشرى التضخم، ربما باعتباره طريقة غير دينية لدفع نفقات الحروب الدينية. أما المنظمة الغنية الوحيدة في الدولة فكانت الكنيسة الكاثوليكية التي انضوى تحت لوائها 94.000 من رجال الدين (في عام 1600)، و 80.000 راهبة، و 70.000 راهب أو أخ، و 2.500 يسوعي، وملكت الكاتدرائيات المهيبة، والأسقفيات الفخمة، والأراضي الشاسعة المثمرة، لقد كان ثلث ثروة فرنسا-وقيل ثلثاها- ملكاً للكنيسة(3). وتوارت خلف الحروب الدينية تلك الرغبة في الاحتفاظ بهذه الثروة الكنسية أو الحصول عليها، وواتى الحظ الكنيسة بارتقاء شارل دجيز منصب كبير وزراء فرنسيس الثاني، وكان قد نصب كردينالا للورين وهو لا يتجاوز الخامسة والثلاثين. وقد أخذ الأموال من آل جيز لقبهم هذا من قلعتهم القريبة من لاون، ولكن مقرهم الرئيسي كان في اللورين، التي لم تندمج في فرنسا إلا مؤخراً. أما الكردينال فكان رجلاً وسيم الطلعة، حاضر الذكاء، مهذب المسلك، إدارياً قديراً، يملك ناصية البلاغة في اللاتينية والفرنسية والإيطالية، ولكن شغفه بالمال والسلطان، ونفاقه المصقول، وتحفزه لاضطهاد الخوارج والانتقام من المعارضين، وخفضه الجريء نفقات الحكومة-كل هذا خلق له أعداء في كل طبقة تقريبا. وكان أخوه الكبر، فرنسيس دوق جيز، قد اكتسب سمعة في الاستراتيجية وميادين القتال، وأصبح الآن وزيراً للحربية، ولكن إفلاس البلاد كان يتطلب السلام، لذلك كان على فرنسيس أن يشبع أطماعه في تبطر مثير، فعشق مظاهر العظمة، والثياب الفاخرة، والعرض الفروسي، ولكن آدابه الملوكية وكياسته ومسلكه الشخصي-كلها جعلت منه معبود فرنسا الكاثوليكية. ولم يكن يطيق الهرطقة، فرأى استئصال شأفتها بالقوة(4)-وكان هو وأخوه على يقين من أن الكنيسة ستشرف لا محالة على الفناء إذا اعتنقت فرنسا البروتستنتية كما اعتنقتها ألمانيا وإنجلترا، وان فرنسا ستفقد تلك الحماسة الدينية التي دعمت من قبل نظامها الاجتماعي ووحدتها القومية. وفي سبيل الدفاع عن ايمانها وسلطانهما تحدى الأخوان جيز الكثير من المخاطر، ولقيا حتفهما قبل الأوان، وشاركا تبعة إيذاء فرنسا وتعذيبها.

لم يعد الهيجونوت أقلية ضئيلة عاجزة من الفرنسيين البروتستنت يقودهم ويلهمهم كالفن من جنيف، بل ثورة عقائدية واجتماعية واسعة الانتشار على الكنيسة. وقد قدرهم كالفن بعشر الشعب الفرنسي عام 1559(5). وقدر ميشليه إن عددهم تضاعف عام 1572(6). كان لهم مراكز في كل إقليم من دوفيني إلى بريتني، ولا سيما في الجنوب الغربي من فرنسا، حيث استؤصلت في الظاهر هرطقة الألبيجنس قبل ثلاثة قرون. فعقدوا اجتماعاتهم للصلاة برغم قوانين الخطر التي أصدرها فرنسيس الأول وهنري الثاني، وعاشوا على العظات الجادة التي تبشر بالجبرية، وأصدروا الكتيبات النارية حول مفاسد الكنيسة وعسف الأخوين جيز، وعقدوا مجمعاً عاماً في باريس (26 مايو 1559) تحت سمع الملك وبصره. لقد أعلنوا ولاءهم للملكية الفرنسية، ولكنهم نظموا الأقاليم التي سادوها وفق الأساليب الجمهورية. وصاغوا لهم ما تصوغه أية أقلية مضطهدة من ايدلوجية مؤقتة للحرية، ولكنهم وافقوا الكاثوليك على أن من واجب الدولة أن تفرض »الدين الحق« على فرنسا كلها. وكانت نظريتهم الخلقية أكثر صرامة من ناموس خصومهم الذي تراخى مع الزمن، فاجتنبوا الرقص، والثياب البهية، والمسرح، ونددوا ساخطين بأخلاق القصر، حيث »الرجال لا يغرون النساء« بل النساء يغرون الرجال(7) كما قالت جان دالبير لابنها.

أما الملكة الأم، كاترين دي ميدتشي، فرأت أن الدين عند الفريقين »إن هو إلا ستار لا نفع له إلا إخفاء الأحقاد والضغائن، ومع ذلك فقلوبهم لا تنطوي على شئ أضأل من الدين(8). ولعلها قست في حكمها هذا، ولكن ما من شك في أن العوامل الاجتماعية والاقتصادية كانت تكمن خلف الصراع الديني؛ وثبت الفلاحين على الكثلكة، ولم يكن لهم مصلحة في هذا النزاع، ولم يجدوا جبرية صارمة كالبروتستنتية بديلاً يعوضهم عن الأساطير المعزية وملطفات الأعياد التي أتاحتها لهم عقيدتهم القديمة. أما البرولتاريا، الصغيرة عدداً الكبيرة بروح الثورة، فقد نددت برؤسائها واستمعت في تعاطف إلى صوت »الإصلاح« لأنه يعد ببعض التغيير، وكما حدث في إنجلترا اللورد والبيورتان وألمانية حرب الفلاحين، كذلك أصبح الإنجيل هنا كتاب الثورة(9). كذلك استمعت الطبقات الوسطى إلى الوعاظ الأجرياء الذين دربتهم جنيف وبعثتهم إلى فرنسا. وأما رجال الأعمال الذين التقوا في الأسواق الكبيرة بالأثرياء من الألمان والانجليز والسويسريين فقد لاحظوا الحلف الناجح بين هؤلاء التجار وبين الحكام البروتستنت والأفكار البروتستنتية. لقد طالما كابدوا الإهانات تحت سلطان الأساقفة والبارونات الذين احتقروا التجارة وارتبطوا بعادات الاقطاع. وسرهم وأثار حسدهم ما علموه من عطف كالفن على دنيا المال والأعمال، ومن إشراكه العلمانيين في رقابة الأخلاق والأشراف على الكنيسة. وقد كرهوا ثراء الكنيسة وعشورها، وغاظتهم المكوس الاقطاعية المفروضة على التجارة. ولم يستطيعوا ان يغتفروا للملكية اخضاعها الكومونات البلدية للحكومة المركزية بعد أن ظلت قروناً حكراً سياسياً لهم(10). وحتى أصحاب المصارف رضوا عن الهيجونوت الذين لم يحتقروا تقاضي الفائدة على المال، وهو الأمر الذي استنكرته الكنيسة منذ زمن سحيق، وأن اغضت عنه مؤخراً بعين لاهوتية وقور. وكان كثيرون من النبلاء يعتنقون قضية الثوار، لأنهم هم ايضاً لم يرتضوا مركزة السلطة في دولة موحدة. ولا بد أنهم سمعوا بأمراء الاقاليم الألمان الذين استطاعوا بتحالفهم مع البروتستنتية أن يتحدوا الأباطرة والبابوات، والذين أثروا من غنائم الكنيسة، إذن فما الذي يحول دون استخدام هؤلاء الهيجونوت البواسل أداة جاء أوانها لتهذيب الملك واخضاعه؟ لقد كان النبلاء يهيمنون على حقول فرنسا ومحاصيلها وفلاحيها، وينظمون فرقها العسكرية ويقودونها، ويسيطرون على حصونها، ويحكمون أقاليمها، فلو أن حركة الاصلاح كسبت طبقة النبلاء لدعمت ظهرها بقوة منتشرة في الأمة كلها. وقد نبه كردينال اللورين هنري الثاني عام 1553 إلى أن النبلاء ينحازون إلى صف الهيجونوت. فلم يحل عام 1559 حتى كان النبلاء في نورمانديا، وبريتني، وبواتو، وأنجو، ومين، وسانتونج، يتزعمون ثورة الهيجونوت علانية.

لم تغتفر أسر البوريون المعتزة بنفسها لأسرة فالوا الحاكمة أنها دفعت شارل دوق بوربون إلى الخيانة والموت قبل الأوان (1527)، ولا استطابوا إقصاءهم عن الحكم على يد آل جيز المتعصبين لقومهم، والذين اعتبروهم أغراباً أصلهم من اللورين الذي كان ألمانياً أكثر منه فرنسياً. لقد كان لويس الأول البوربوني، أمير كونديه، سليلا للملك لويس التاسع، يجري في عروقه الدم الملكي، وتسمو مرتبته فوق مرتبة الأخوين جيز، وقد انضم إلى الهيجونوت، ومات في محاولته الوصول إلى السلطة على جناح عقيدتهم. أما أخوه انطوان البوربوني، ملك نافار لقبا-والذي لا يحكم فعلاً غير إقليم بيارن في جنوب فرنسا الغربي-فقد انحاز حيناً إلى صف الهيجونوت، متأثراً إلى حد كبير برأي زوجته جان دالبير. وكانت جان الابنة المناضلة لأم رقيقة هي مارجريت النافارية، التي احتفظت في الظاهر بكثلكتها إحتراماً لأخيها فرنسيس الأول، ولكنها بسطت حمايتها على كثيرين من المهرطقين والهيجونوت... وكما أن الأم مثلت النهضة في حبها للحياة والشعر، فكذلك مثلت جان دور النساء في الإصلاح البروتستنتي الفرنسي وخلقهن-غيورات في دينهن إلى حد التعصب، يربين أطفالهن ويكرسنهم ليواصلوا الحرب المقدسة حتى الموت أو النصر. وقد أنشأت ولدها الشهير الذي عرف فيما بعد بهنري الرابع، على كل فضيلة إسبرطية وبيوريتانية، ولم يفسح لها في الأجل حتى تراه يرتد إلى مرح النهضة المنحل. ولا بد أنها لأعجبت أشد الإعجاب بجاسبار دكوليني، فقد جمع في شخصه كل مثلها الأعلى: إنسان شريف لقباً وخلقاً، وزعيم حصيف وفيّ لقضية الهيجونوت، وجندي ورجل دولة صارم أخزت مناقبه خيانات البلاط المتوارية خلف طلاء زائف. كان كالفن قد حذر أتباعه الهيجونوت من المقاومة العنيفة للحكومة(11). ولكن صبرهم عيل تحت وطأة الاضطهاد. ذلك أن هنري الثاني كان قد أمر جميع القضاة بأن يحكموا بالإعدام على كل البروتستنت المتشبثين بعقيدتهم (يونيو 1559). ثم جدد فرنسيس الثاني هذا الأمر بتحريض من الأخوين جيز، وأضاف إليه أمراً بهدم جميع المباني التي تعقد فيها اجتماعات دعاة الإصلاح البروتستنتي، وأمراً بإعدام الأشخاص، وحتى الأقرباء، الذين يؤوون مهرطقاً محكوماً عليه، أو يقصرون في إبلاغ الحكام عنه. وفي الشهور الخمسة الأخيرة من عام 1559 أحرق ثمانية عشر شخصاً أحياء لتماديهم في الهرطقة، أو لرفضهم حضور القداس أو تناول القربان الكاثوليكي. وفر مئات من الهيجونوت الفرنسيين إلى جنيف حيث آواهم كالفن. أما الذين بقوا في فرنسا فقد بدأوا ينظمون أنفسهم لخوض الحرب الأهلية.

وفي 23 ديسمبر 1559 أحرقت آن دبور لأنها اجترأت في »برلمان« باريس على إدانة الاضطهاد بسبب الهرطقة. وبعد هذا بقليل خنق جاسبار وهو في قصر فانسين الريفي بأمر الأخوين جيز، وتآمر زوج أخته، جودفروا دباري، سيد إقليم رنودي، مع الأشراف وغيرهم على اعتقال الأخوين جيز وعزلهما بهجوم مباغت يقومون به في أمبواز، واكتشف كردينال اللورين المؤامرة، فجرد جنده وقهر المتآمرين وقبض عليهم، ثم شنق بعضاً، وقطع رؤوس بعض، ووضع بعضاً في زكائب وقذف بهم في اللوار. جاء في سجل أخبار معاصر »لا شئ غير شنق الناس أو إغراقهم طوال شهر بأكمله، حتى غطت الجثث نهر اللوار« (مارس 1560)(12). ودعي كونديه للمثول أمام المحكمة الملكية ليجيب عن تهم الاشتراك في المؤامرة، فذهب وأنكر التهم، وتحدى كل من يتهمه بالإحكام إلى السيف، ولم يقدم أي دليل ضده، فأخلى سبيله.

وأزعجت كاترين »فتنة أمبواز« هذه، وعلو مكانة المتآمرين، ووحشية قمع الحركة، وحمى الثأر التي أججت سخط الهيجونوت والنبلاء، فأقنعت الملك الضعيف والأخوين جيز، الكارهين لرأيها هذا، باتاحة الفرصة لتجربة التسامح. ودعت ميشيل دلوبيتال ليتقلد منصب المستشار (مايو 1560) وطلبت إليه ان يهدئ من هياج فرنسا. وكان ميشليه قد تعلم خلال طلبه العلم في إيطاليا أن يكون إنسانياً لا دجماطياً، وقد عامل الكاثوليك والبروتستنت خلال توليه القضاء الإقليمي في فرنسا معاملة المساواة في الشفقة والاعتبار. لذلك اقترح الآن على البرلمان نفس الآراء التي أفضت إلى حرق دي بور: »كل إنسان صنع ديناً لنفسه، ولكن بعض الناس... يودون أن يقبل دينهم هم ويطارد دين غيرهم... فعلينا أن نترفق بعضنا ببعض، وأن نخترع طريقة للعيش معاً(13) وعملاً بنصيحته دعت كاترين مجلساً للأعيان يتألف من الكاثوليك والبروتستنت، انعقد في فونتنبلو في 21 أغسطس 1560. وقدم كوليني في المجلس إلتماساً للملك مرفوعاً من الهيجونوت أكدوا فيه ولاءهم له، ولكنهم طلبوا حرية العبادة كاملة ودعا بعض الأساقفة إلى الإعتدال من الطرفين، وحضوا الاكليروس على أن يصلحوا من أخلاقهم. وقرر المجلس أن المشاكل التي ينطوي عليها بحثه تقتضي دعوة مندوبين من كل الطوائف والطبقات في فرنسا. فأمر الملك بعقد مجلس الطبقات هذا في 10 ديسمبر، وحظر أثناء ذلك أي محاكمات على تهمة الهرطقة حتى يفصل المجلس الجديد في أسباب الخلاف الأساسية التي تحدث الانقسام والفرقة في البلاد. أما البوريون الهيجونونت فقد رفضوا حضور مجلس الأعيان مخافة أن يقبض عليهم، وإذا تشكك أمير كونديه وانطوان دبوربون في إمكان التوفيق، فإنهما تآمرا لجمع جيش وإقامة دولة مستقلة تتخذ ليون عاصمة لها. ولكن الحكومة اعترضت طريق أحد سعاة كونديه، وفضحت أوراقه المؤامرة، فقبض على كونديه، وحوكم، وحكم عليه بالاعدام في 10 ديسمبر. واستعاد الأخوان جيز سلطتهما الدكتاتورية.

وإذا الموقف يتغير فجأة يموت فرنسيس الثاني (5 ديسمبر) وهو بعد في السادسة عشرة، فخلفه أخوه شارل التاسع في تقلد سلطته رسمياً، ولكن لما كان لا يتجاوز العاشرة، فقد قبل وصاية أمه، التي انضمت الآن إلى اليزابيث ملكة إنجلترا، وفليب الثاني ملك أسبانيا، في توجيه الفوضى الأوربية نحو تحقيق مأربهم المتضاربة.

كاترين دي مديتشي

ما زالت هذه المرأة لغزاً برغم انقضاء أربعة قرون من التفسيرات المتعارضة. كانت سليلة لورنزو الفاخر، وحفيدة البابا ليو العاشر، فهي إذن المديتشية النموذجية، في ميراثها الحكم، وفي دمها الدهاء، ولدت في فلورنسة (1519) لأبوين ماتا بالزهري قبل أن تتم الشهر، فظلت قطة الشطرنج عاجزة تحركها دبلوماسية أقربائها المتحفزين للعراك، حتى زوّجها عمها البابا كليمنت السابع وهي بعد في الرابعة عشرة لهنري الثاني ملك فرنسا المقبل. وظلت عشر سنوات عاقراً بينما كرس زوجها المكتئب نفسه لخليلته ديان دبواتييه. ثم انبعث الاطفال من بطنها كل سنة تقريباً حتى بلغوا العشرة عداً. وكانت تؤمل وتخطط لتنال لهم العرش. ومات ثلاثة منهم أطفالاً، وارتقى ثلاثة عرش فرنسا، وأصبحت اثنتان منهم ملكات. وذاقوا كلهم تقريباً مرارة المأساة، ولكنها كانت أكثرهم فجيعة، لأنها عمرت بعد موت زوجها وثلاثة من أبنائها الملوك واحداً بعد الآخر وسواء كانت ملكة أو ملكة أماً؛ فقد احتملت صروف عهود ملكة أربعة وسلختها بفضل ما أوتيت من حصافة وضبط للنفس ونفاق لا يتقيد بمبادئ الشرف.

وصفها معاصر بأنها «امرأة جميلة حين يتوارى وجهها خلف القناع»(14) أي أن لها قواماً جميلا، ويؤكد لنا برانتوم أن صدرها «أبيض ممتلئ» وأن «فخذاها غاية في الجمال» وأن يديها وأناملها بديعة(15). ولكن قسماتها كانت خشنة، وعينيها أكبر وشفتيها أغلظ وفمها أوسع مما ينبغي. فإذا كانت قد أغوت الرجال فإنما عن طريق غيرها من النساء. وقد أرجفت الشائعات بأنها احتفظت من حولها بـ »سرب طائر« من الحسان اللاتي يغرين الرجال بتحقيق مآربها(16)، ولكن يبدو أن هذه التهمة باطلة(17)، فقد جرح كرامتها تسلط ديان في السياسة والحي معا، ومن ثم وجدت بعد موت هنري ثأرها بأن جعلت نفسها القوة الكامنة وراء العرش مدى ثلاثين عاماً، وكان لزاماً ان يعوض دهاؤها عن عجز أبنائها، لقد كرهوا تدخلها، ولكن اخفاقهم في الملك فرض هذا التدخل. وإذ ألقيت في دوامة الثورة الدينية، وأحاط بها الأشراف المغامرون واكتنفها الدجماطيات المتعصبة، فقد حاربت بالأسلحة الوحيدة التي تملكها -وهي المال المديتشي والفطنة الإيطالية، والدبلوماسية المكيافللية. لقد أهدى مكيافللي كتابه »الأمير« لأبيها من قبل، ولم تكن كاترين في حاجة لتعليمه، لأنها رأت مبادئه مطبقة في كل مكان من إيطاليا وفرنسا. وقد بزت جميع رجال الدولة الملتفين حولها كما فعلت اليزابث ملكة إنجلترا، وفاقتهم في الكذب، و »كان لديها من الخدع أكثر مما لدى جميع مستشاري الملك(18)«. وقد صرفت شئون الدولة بهمة وكفاية. قال مراقب إيطالي »لم يكن ليتم شئ دون علمها، وقل أن وجدت متسعاً لتناول طعامها(19)«-مع أنها بطريقة ما أصبحت بدينة. أما أخلاقياتها الشخصية فقد سمت فوق جيلها، إذ يبدو أنها كانت مخلصة لزوجها غير المخلص، وفية لذكراه، لبست الحداد عليه حتى نهاية حياتها. وقد ترفق في الحكم عليها أعظم خلفائها هنري الرابع فقال:

«أسألكم ماذا كان في استطاعة امرأة أن تفعل بعد أن تركها موت زوجها بخمسة أطفال صغار على ذراعيها، وأسرتين في فرنسا تفكران في انتزاع التاج-أسرتا (البوربون) وأسرة جيز؟ ألم تكن مكرهة على أن تلعب أدوارا غريبة، لتخدع الواحد أولا ثم تثني الآخر، حتى تحمي أبناءها كما حمتهم، وتيسر لهم أن يملكوا الواحد بعد الآخر بفضل السياسة الحكيمة التي اتبعتها هذه الأم الداهية؟ أنه ليدهشني إنها لم تتصرف قط على نحو أسوأ مما فعلت(20)».

ولعلنا نرتضي هذا الحكم تقديراً منصفاً لمسلك كاترين قبل عام 1570. فقد ضربت هذه الأسر والقوى المنافسة التي أحاطت بها بعض ببعض. وكتبت تقول:»أنني بمشيئة الله لن اسمح لنفسي بأن يتحكم فيها هذا الفريق أو ذاك، لأنني أيقنت للأسف أنهم جميعاً يحبون الله، والملك، وأياي، أقل مما يحبون مكاسبهم... وإشباع أطماعهم(21)«. كان فيها من خلق إيطالي النهضة ما زهدها في صرامة الهيجونت الجبرية، ثم إنها كانت تطلب قرضاً من الكنيسة لتحول دون إفلاس الدولة(22). ومع ذلك ففي سبيل فرنسا كانت على استعداد لتزوج ابنتها مارجريت لهنري نافار الهيجونوتي، وابنها هنري لاليزابث المحرومة من الكنيسة. ونظرت إلى الموقف في صورته الأسرية والسياسية لا الدينية أو الاقتصادية. وكان عليها أن تحمي وطنها المقسم من تحالف أسبانيا والنمسا الهابسبورجي. وكانت معاهدة كاتو-كامبريزي قد تركت القوة الأسبانية متفوقة في فلاندر، ومتعدية تعدياً خطيراً على شمال فرنسا الشرقي. وقد تشتعل الحرب القديمة بين أسرتي فالوا وهابسبورج من جديد في أية لحظة، وعندها تحتاج فرنسا إلى دماء وسلاح الهيجونوت والكاثوليك على السواء-فالخطر من الخارج يتطلب السلام في الداخل.

بهذا المزاج استعدت هي ومستشارها لوبيتال للاجتماع بمجلس طبقات الأمة في أورليان. ولم تكن »أقاليم« بل كانت »طبقات«: النبلاء، والأكليروس، وبقية فرنسا ممثلة في الطبقة الثالثة-وهي أساس البورجوازية أو الطبقات الوسطى ساكنة المدن الكبيرة والصغيرة، ولكنها تضم أيضاً في تمثيل متواضع الفلاحين والبرولتاريا الناشئة. ولم يكن للمندوبين نظرياً أي سلطة تشريعي لأنهم انتخبوا بالقوى المحلية والطبقية لا بأي اقتراع واسع، وكل ما كان لهم ن حقوق هو حق إسداء النصيحة للملك، على أن حاجته للمال عززت هذه النصيحة بعض التعزيز.

وافتتح لوبيتال الدورة (13 ديسمبر 1560) بدعوة مثالية للتسامح من الفريقين. وقال مناشداً إن وظيفة الحكومة هي حفظ السلام والنظام والعدالة بين جمع المواطنين دون تحيز ودون نظر لآرائهم الدينية، ومن المرغوب فيه أن يكون الفرنسيون جميعاً على دين واحد، لآن هذا من شأنه أن يعين على الوحدة والقوة القوميتين، ولكن إذا لم يكن في الاستطاعة بلوغ هذا الاتفاق العام بالوسائل السلمية، فالتسامح إذن خير وأبقى. فمنذا الذي يعرف ما الهرطقة وما الحق؟ »أنت تقول إن دينك أفضل الدينين، وأنا اقول كذلك عن ديني، فهل اعتناق رأيك معقول أكثر من اعتناقك رأي؟... فلننه إذن هذه الأسماء الشيطانية، وهذه البطاقات الحزبية والشيع والتحريضات على الفتنة-اللوثريين، والهيجونوت، والكاثوليك؛ دعونا نغير أسماءنا إلى مسيحيين(23)« 

ولكن الاستجابة لم تكن حارة. وطالب فقيه من لاهوتي السوربون-وهي يومئذ كلية اللاهوت في جامعة باريس-بالموت جزاء لكل المهرطقين، ونصح مندوب البابا كاترين بأن تبدأ بحرق جميع المندوبين الهيجونوت، ثم تثني بجميع الهيجونوت في أورليان(24). أما المندوبون الهيجونوت فاقترح على الملكة الأم شتى الاصلاحات: أن يختار الشعب جميع رعاته الدينيين؛ وأن يختار الرعاة وأشراف الأسقفيات أساقفتهم؛ وأن يخصص ثلث الإيرادات الكنسية لإعانة الفقراء، وثلث آخر لبناء الكنائس والمستشفيات والمدارس؛ وأن تقتصر تعاليم الكنيسة على الأسفار المقدسة(25) وكان في هذا من التقدمية أكثر قليلاً مما تطيقه كاترين، مع حاجتها الماسة لأموال الكنيسة. فهدأت ثائرة الهيجونوت بالإفراج عن كونديه السجين وحض البابا بيوس الرابع على السماح بإزالة الصور والتماثيل الدينية من الكنائس ومناولة الأسرار المقدسة بالخمر كما تناول بالخبز(29). وفي 28 يناير 1561 أفرجت عن جميع الأشخاص الذين اعتقلوا لـ »جرائم« دينية، وأمرت بإنهاء كل الاضطهادات بسبب الدين حتى إخطار آخر. وفي الحادي والثلاثين من يناير أجلت اجتماع مجلس الطبقات إلى مايو حين ينعقد ويسد حاجتها للمال.

واغتبط الهيجونوت وتمددوا في دفء هذه القرارات. ففي 2 مارس عقدوا في بواتييه مجمعهم القومي الثاني. وراح القساوسة البروتستنت يعظون دون تحرج في مساكن كونديه وكوليني بلاط فونتنبلو. وفي كاستر بجنوبي فرنسا خصت الانتخابات البلدية (1 يناير 1561) البروتستنت بجميع الوظائف، وما لبث أن صدر الأمر لجميع المواطنين بحضور الخدمات الدينية البروتستنتية(27)، وحظراً الخدمات الكاثوليكية، وحكم على الصور والتماثيل الدينية رسمياً بالإتلاف والتحطيم(28). وفي آجن ومونتوين استولى الهيجونوت على الكنائس الكاثوليكية غير المستعملة. فشكل حاكم القلعة الهرم آن دمونمورنسي هو ودوق جيز ومارشال دسانت أندريه »حكومة ثلاثية« لحماية المصالح الكاثوليكية (6أبريل 1561). وتفجر الشغب في باريس، وروان، وبوفيه، وغيرها. وأصدرت الملكة »مرسوم يوليو« (1561) الذي حظر العنف وخدمات الهيجونوت الدينية العلنية وتجاهل الهيجونوت المرسوم، وهاجموا المواكب الكاثوليكية في مختلف المدن، ودخلوا الكنائس الكاثوليكية وأحرقوا الآثار والرفات المقدسة وحطموا التماثيل(29). وفي مونبلييه، في خريف عام 1561، نهبت الكنائس والديورة والستون كلها، وقتل كثير من القساوسة، وفي مونتوين أحرق دير »كلير الفقيرة« وشتت الراهبات ونصحن بأن يجدن لأنفسهن أزواجاً(30). وفي نيم طرد الهيجونوت جميع القساوسة، واستولوا على كل الكنائس الكاثوليكية أو دمروها، وأحرقوا الكاتدرائية، وداسوا القربان المكرس بأقدامهم (فبراير 1562)(32). أما في لانجدوك وجيين فكان الهيجونوت عادة إذا ملكوا زمام الأمر يستولون على الكنائس والأملاك الكاثوليكية ويطردون الكهنة الكاثوليك. ولم يكن القساوسة الهيجونوت أقل تعصباً من نظرائهم الكاثوليك وإن امتازوا في فضائلهم الشخصية(34)، فقد حرموا الهيجونوت الذين عقدوا زواجهم على يد القساوسة الكاثوليك أو سمحوا لأبنائهم بالزواج من الكاثوليك(35). وهكذا لم ير أحد الطرفين أي معنى للتسامح.

وأستأنف مجلس الطبقات جلساته في أول أغسطس 1561 متخذاً بونتواز مقراً له هذه المرة. وقد المال للحكومة مشترطاً ضرورة موافقته بعد ذلك على أي فرض للضرائب الجديدة أو إعلان للحرب. أما الطبقة الثالثة، التي أصبحت الآن المورد الأكبر للمال، فقد أضافت طلباً جريئاً-هو تأميم جميع أملاك الكنيسة الكاثوليكية في فرنسا، وأن تدفع الدولة رواتب الأكليروس، وأن تخصص 42.000.000 جنيه من الفائض الحاصل بهذه الطريقة وقدره 72.000.000 جنيه لاستهلاك الدين الأهلي. وسارع رجال الدين الكاثوليك المروعين إلى مصالحة كاترين بأن عرضوا عليها 16.600.000 جنيه تدفع لها في حذر على عشرة أقساط سنوياً. فقبلت، وحل مجلس الطبقات.

في هذه الأثناء كان لوبيتال- بموافقة كاترين وبرغم احتجاج البابا- قد دعا رجال الدين الكاثوليك والبروتستنت للاجتماع وإيجاد صيغة لتهدئة الخواطر. واجتمع في بوامبي، على أحد عشر ميلاً غربي باريس، ستة كرادلة، وأربعون أسقفاً، وإثنا عشر لاهوتيا من السوربون، وإثنا عشر من كهنة الكاتدرائيات، وعشرة قساوسة بروتستنت من فرنسا، وواحد من إنجلترا، وتيودور دبيز من جنيف، وعشرون علمانياً بروتستنتياً، في »ندوة بواسي« المشهورة (9 سبتمبر 1561). حضر الندوة الملك، والملكة الأم، وأمراء البيت المالك، ومجلس الدولة، بكل مظاهر الجلال والكرامة. واستقبل بيز، ممثل كالفن الشيخ، بحفاوة تقرب من حفاوة الملوك، وقام بخدمة دينية بروتستنتية ووعظ في قصر كاترين. بدأ عظته معتدلاً، وسحر السامعين جميعاً بفرنسيته الرائعة، ولكنه حين قال إن »جسد المسيح في القربان بعيد عن الخبز المكرس بعد السماء عن الأراضي«، صاح المندوبون الكاثوليك احتجاجاً، وتلا ذلك هياج كبير، والح الأساقفة في نفي كل الوعاظ الذين يتشككون في »الوجود الحقيقي«(36)، وارتضت الندوة والصراع على العقائد أشد مرارة وأبعد ما يكون عن الهدوء.

كان الهيجونوت يطربون حين يعقدون اجتماعاتهم في ميدان عام مواجه لكنيسة ويشوشون على القداس بترتيل صاخب لمزاميرهم، أما الكاثوليك فكانوا يدقون جرس الكنيسة ليغرقوا صوت الترتيل. وفي باريس استحال استمرار اجتماع بروتستنتي تجاه كنيسة سان ميدار بسبب قرع عنيف صادر من برج الأجراس، وقتل بروتستنتي داخل الكنيسة للاحتجاج، فثارت ثائرة البروتستنت ونهبوا المبنى وحطوا التماثيل والصليب. وجرح ثمانون من المصلين في المعركة التي تلت ذلك (27 ديسمبر 1561).

ورأت كاترين أن تهدئ خواطر الكاثوليك بإصدار »مرسوم يناير« (1562)، الذي ألزم الهيجونت بتسليم جميع المباني الكنسية لأصحابها السابقين وبعقد اجتماعاتهم خارج أسوار المدن فقط. ووافق زعماء الكاثوليك بيز على أن هذا مرسوم تسامح في حقيقته، اعترف بالبروتستنتية دينا شرعيا في فرنسا؛ وقال زعماء البرلمان لكاترين صراحة إنهم يؤثرون الموت على تسجيل هذا المرسوم. فلما أدان مونمورنسي وسانت أندريه سياستها. طردتهما من البلاط؛ ولما انفجر غضب الكردينال دتورنون عليها ألزمته عقر أسقفية. ورماها الوعاظ الكاثوليك بالفسق (مثل ايزابيل امرأة آخاب)- وهو نفس النعت الذي كان يستعمله نوكس البرتستنتي تنديداً بملكة اسكتلندة الكاثوليكية.

وفي يوم الأحد أول مارس 1562، بينما كان فرنسيس دوق جيز ماراً بقرية فاسي التي تقع نحو أربعين ميلاً شمال غربي ديجون، ومعه فرقة من مائتي تابع مسلحين، وقف بكنيسة هناك ليستمع إلى القداس. ولكن الصلاة شوش عليها ترتيل الهيجونوت لمزاميرهم في اجتماع لهم بجرن قريب. فأرسل إليهم رسولا يطلب إليهم أرجاء تراتيلهم خمس عشرة دقيقة حتى ينتهي القداس. ولكنهم وجدوا في هذا الطلب مضايقة شديدة. وبينما كان جيز يواصل صلاته تراشق بعض أتباعه بعبارات التحية المتعصبة مع الهيجونوت، وجرد الأتباع سيوفهم، وقذفهم الهيجونوت بالحجارة؛ وأصاب حجر منها جيز وهو خارج الكنيسة فأسال دمه النبيل، وما هي إلا أن اندفع أتباعه هاجمين على اجتماع الهيجونوت الذي ضم خمسمائة بين رجل وامرأة وطفل-فقتلوا منهم ثلاثة وعشرين، وحرروا مائة(37). وأثارت »مذبحة فاسي« هذه حمى القتال في البروتستنت الفرنسيين؛ أما الكاثوليك، لاسيما في باريس، فرحبوا بها أداة تهذيب جاءت في أوانها لتؤدب هذه الأقلية المكدرة لصفو البلاد. وأمرت كاترين جيز بأن يحضر إليها في فونتنبلو، فرفض ومضى إلى باريس، وانضم إليه مورنمورنسي وسانت أندريه في الطريق ومعهم ألفا رجل. وأمر كونديه قواته البروتستنت بأن تتجمع بسلاحها في مو. وزحف الثلاثي الكاثوليكي بالجند على فونتنبلو، فاعتقلوا الملكة الأم والأسرة المالكة، واكرهوهم على البقاء في ميلون على سبعة وعشرين ميلاً من باريس، ثم شكلوا »مجلساً خاصاً« جديداً ألف أكثر أعضائه من رجال جيز، وأقصى عنه لوبيتال. أما كونديه فقاد محاربيه البالغين 1.600 إلى أورليفي وناشد كل الجماعات البروتستنتية أن تمده بالجنود. وهكذا بدأت أولى »الحروب الدينية« (ابريل 1562).


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الحروب الأهلية

 
منشور دعاية يصور عدوان الهيوگنو على الكاثوليك في البحر. Horribles cruautés des Huguenots، القرن 16.

طلب الفريقان المعونة من الخارج وحصلا عليها، الكاثوليك من أسبانيا، والبروتستنت من إنجلترا وألمانيا، فأرسلت اليزابث 6.000 رجل إذ أغراها وعد البروتستنت بإعطائها كالية، واستولى 2.000 منهم على روان، ولكن جيز انتزع المدينة ونهبها (26 أكتوبر 1562)، ونهب جنده المتعطشون للغنيمة السكان الكاثوليك والبروتستنت وذبحوهم دون تحيز لأي فريق، وفي هذه الاشتباكات جرح أنطوان دبوربون جرحاً مميتاً، وكان قد اعتنق المذهب الكاثوليكي وانضم إلى القوات الكاثوليكية. وسيطر الهيجونوت على معظم المدن جنوبي فرنسا، ناهبين الكنائس محطمين التماثيل بحماسة دينية. وزحفت أهم قواتهم وعدتها 17.000 رجل يقودهم كونديه وكوليني على نورمانديا لينضموا إلى التعزيزات الإنجليزية. فقط عليهم الزحف عند درو جيش كاثوليكي قوامه 17.000 يقوده الحلف الثلاثي، وفي 19 ديسمبر خاض الفريقان معركة حامية حلفت 6.000 صرعى في الميدان، وقتل سانت أندريه، وجرح مونمورنسي وأسّره الهيجونوت، وجرح كونديه وأسّره الكاثوليك. وتغلبت روح المجاملة الفرنسية حيناً، فعومل مورنمورنسي معاملة الأبطال، وهو الذي دأب على القتال جنباً إلى جنب مع جنوده وجرح في سبع معارك مع أنه القائد الأعلى لجيوش الملك، أما الدوق دجيز فقد أحتفى بكونديه ضيفاً مكرماً، وتناول معه الطعام، وشاركه الفراش الوحيد الموجود في المعسكر(38). وعقد النصر غير الحاسم للكاثوليك، ولكن باريس والأسرة المالكة اعتقدا حيناً أن الهيجونوت هم الغالبون. واستقبلت كاترين النبأ في هدوء قائلة: »حسنا إذن، سنصلي لله بالفرنسية«(39).

أما جيز فقد لقي منيته عقب الانتصار. فبينما كان ينشر قواته لحصار أورليان رماه فتى هيجونوتي في التاسعة عشرة يدعى جان بولترو دميريه (18 فبراير 1563) بطلق ناري من كمين. ومات الدوق بعد ستة أيام من الألم، وأكد بولترو حين أحضر أمام كاترين أن كوليني استأجره على قتل جيز بمبلغ كبير من المال، وأن بيز وعده بالجنة إن وفق. وكتبت كاترين لكوليني تطلب جوابه عن التهمة، فأنكر أي مشاركة في خطة الاغتيال، وقال إنه طالما حذر الدوق من القتلة، واعترف بأنه سمع بولترو يجهر بنيته، وأنه لم يفعل شيئاً لمنعه، وأنه نفحه بمائة كراون، ولكن لأغراض أخرى، وهو على أي حال غير آسف لنجاح المؤامرة، »لأنه ليس في استطاعة« القدر أن يضرب ضربة خيراً من هذه لصالح المملكة وكنيسة الله، ولا سيما وأنها لصالحي وصالح ديني(40)«. ومزقت الخيل أوصال بولترو في 18 مارس، وقد أعاد اتهامه لكوليني وهو يعاني سكرات الموت(41). وأقسم هنري أن يثأر لموت أبيه، بعد أن أصبح الآن ثالث أدواق جيز.

وواصلت كاترين سعيها للسلام، وقد وضح لها أنه لو أتيح النصر الحاسم لأحد الفريقين لنحاها وربما عزل ولدها. فأعادت لوبيتال لمنصبه مستشاراً لها، ورتبت لقاء بين مونمورنسي وكونديه، وأقنعتهما بتوقيع مرسوم أمبواز الذي أنهى الحرب الدينية الأولى (19 مارس 1563). أما الشروط فكانت نصراً للنبلاء الهيجونوت وحدهم: فقد منحت حرية الضمير وممارسة الدين »المسمى مصلحاً« »لجميع البارونات والسادة الاقطاعيين رؤساء القضاء في بيوتهم، هم وعائلاتهم وأتباعهم« و »للأشراف المالكين لاقطاعات بدون أتباع والعائشين على أراضي الملك، ولكن لهم ولأسرهم شخصياً«. أما عبادة الهيجونوت فيسمح بها حيث مارسوها قبل 8 مارس 1563، وألا تقصر على أطراف مدينة واحدة في أي وكالة اقطاعية أو منطقة نفوذ الشريف. أما في باريس فهي محظورة إطلاقاً. واتهم كوليني بأنه ضحى بجماهير الهيجونوت ليحمي طبقته.

 
لوحة ميليه، هيوگنو وحبيبته الكاثوليكية عشية يوم القديس بارتولوميو

وفي 16 سبتمبر أعلن بلوغ شارل التاسع رشده وهو لم يبلغ الرابعة عشرة، ونزلت كاترين عن وصيتها، ولكنها لم تنزل عن قيادتها. ففي مارس 1564 قادت الملك وحاشيته في رحلة تخترق فرنسا، من جهة لترى الأمة مليكها الجديد، ومن جهة أخرى لتدعم السلام الهش. وأصدرت في روستون مرسوماً بالتسامح الجزئي، داعية كلاً من الفريقين إلى احترام حرية الآخر. وبعد أربعة عشر شهراً من الرحلة الملكية وصلت الجماعة إلى بايون (3 يونيو 1565)، حيث رحبت كاترين في ابتهاج بابنتها اليزابث التي أصبحت ملكة على أسبانيا، واجتمعت مع الدوق ألفا في مفاوضات سرية أزعجت الهيجونوت. فقد خامرتهم الظنون-بحق في أن ألفا أشار باتخاذ الإجراءات ضدهم، ولكن خطاباته المتخلفة لفليب تبين أن كاترين رفضت اقتراحاته، وأبت أن تطرد لوبيتال، وتشبثت بسياستها السلمية(42). وعقب عودتها إلى باريس (ديسمبر 1565) استخدمت كل نفوذها لتصلح بين كوليني، ومورنمورنسي، وكونديه، ودوقي جيز.

وفي عام 1564 دخل اليسوعيون فرنسا، وأثارت عظاتهم حماسة الكاثوليك، وحولوا في باريس خاصة نفراً من الهيجونوت لمذهبهم. أما في الأقاليم فقد ألغي رد الفعل الكاثوليكي كثيراً من المكاسب البروتستنتية. وانتهكت مراسيم التسامح المرة بعد المرة، وأفرخت الهمجية في ظل المذهبين. ولم يكن من غير المألوف أن يشنق حكام الأقاليم المواطنين لا لجريمة سوى أنهم هيجونوت(43). وفي نيم ذبح البروتستنت ثمانين كاثوليكياً (1567)(44). وبين عامي 1561 و 1572 اقترفت ثماني عشرة مذبحة للبروتستنت، وخمس للكاثوليك، وأكثر من ثلاثين اغتيالاً(45). واستقدمت كاترين الجنود المرتزقة من سويسرة ولم تعط كونديه جواباً شافياً حين سألها عن قصدها من استقدامهم، واعتقد كونديه وكوليني أن حياتهما في خطر، فحاولا مع أتباعهما المسلحين أن يقتلوا الملك والملكة الأم في مو (سبتمبر 1567) ولكن مونمورنسي أحبط المحاولة. وأصبحت كاترين تخشى كوليني خشيتها جيز من قبل.

وأحس كوليني وكونديه أن الحاجة ماسة لحرب ثانية ترد للهيجونوت ولو حقوقهم المحدودة. فاستقدما هما أيضاً المرتزقة لا سيما من ألمانيا تعزيزاً لقواتهما المستنزفة، واستوليا على أورليان ولاروشل وزحفا على باريس وطلبت كاترين التعزيزات من ألفا، فوافاها بها فوراً، وفي سان دنيس، خارج العاصمة مباشرة، قاد مونمورنسي ستة عشر ألف رجل ضد جيش كونديه في معركة من أبشع هذه الحروب وأقلها حسماُ. ومات مونمورنسي من جراحه. وراحت فرنسا مرة أخرى تتساءل أي دين هذا الذي يدفع الناس إلى مذابح كهذه، واغتنم لوبيتال الفرصة ليرتب صلح لونجومو (33 مارس 1568)، الذي رد التسامح المتواضع الذي منحه مرسوم امبواز. وندد الكاثوليك بالمعاهدة ورفضوا تنفيذ شروطها. واحتج كوليني لدى كاترين، فدافعت عن نفسها بضعفها. وفي مايو 1468 أبلغ خوان دي ثونيجال، سفير أسبانيا في روما، أنه سمع من البابا بيوس الخامس أن الحكومة الفرنسية تنظر في اغتيال كوليني وكونديه(46). ولعل مثل هذا النبأ قد نمى إلى الزعيمين البروتستنتيين، فهربا إلى لاروشيل، حيث انضمت إليهما جان دالبير وابنها، الذي بلغ الآن خمسة عشر عاماً وكان يتحرق للعمل. وتكون جيش هيجونوتي جديد، وحشد أسطول، وعززت الأسوار، وصدت كل محاولات بذلتها قوات الحكومة لدخول المدينة. وقبلت المراكب الخاصة الإنجليزية تفويض كونديه، ورفعت رايته، وانقضت على كل ثروة كاثوليكية تقع في يدها(42). وأصبح كونديه السيد المتصرف جنوبي اللوار.

أما كاترين فقد اعتبرت هذه الحرب الدينية الثالثة ثورة، ومحاولة لقسم فرنسا إلى أمتين واحدة كاثوليكية والأخرى بروتستنتية. ولامت لوبيتال على فشل سياسات التوفيق التي أخذ بها، فاستقال، وأحلت مكانه في منصب المستشار مشايعاً متعصباً لآل جيز. وفي 28 سبتمبر 1568 ألغت الحكومة مراسيم التسامح وحظرت البروتستنتية في فرنسا.

وأخذت القوات المتنافسة تتجهز لحرب فاصلة طوال ذلك الشتاء. وفي 3 مارس 1569، التحمت في جارناك قرب أنجوليم. فهزم الهيجونوت، واستسلم كونديه بعد أن أعيته إصاباته، ولكنه ضرب بالنار من المؤخرة ومات. فتسلم كوليني القيادة وأعاد تنظيم الجيش لتقهقر منظم. وفي موكونتور هزم الهيجونوت ثانية، ولكن كوليتي استعاد ببراعة التخطيط ما خسره في المعركة، وزحف الهيجونوت الذين لا تفل لهم عزيمة، برغم افتقارهم إلى الانتصارات، وبلا طعام تقريباً، حتى لم يبق بينهم وبين باريس غير مسيرة ساعات (1570). وعلى الرغم من الاعانات المالية التي أرسلتها روما وأسبانيا، وجدت الحكومة مشقة في تمويل جيوشها وحمل النبلاء الكاثوليك على البقاء في ساحة القتال أكثر من شهر أو شهرين كل مرة. واجتاحت جحافل المرتزقة خلال ذلك البلاد تنهب الكاثوليك والبروتستنت على السواء وتقتل كل من يجرؤ على المقاومة.

وعرضت كاترين على كوليني تجديد معاهدة لونجومو، فرفضها لأنها لا تفي بالغرض، وواصل زحفه. هنا أكد الملك الفتي شارل التاسع سلطته فجأة وأبرم في سان جرمان (8 أغسطس 1570) صلحاً أعطى الهيجونوت الذين هربوا مرارا من قبل أكثر مما كسبوا في أي وقت مضى، أعطاهم حرية العبادة إلا في باريس أو على مقربة من البلاط، وحقهم الكامل في تقلد المناصب العامة، وحق الاحتفاظ بأربع مدن تحت حكمهم المستقل مدى عامين ضماناً لاحترام تنفيذ هذه الشروط. واستشاط الكاثوليك غضباً وتساءلوا، فيم الاستسلام بعد كل هذه الانتصارات؟ واحتج فليب والبابا. وصرفتهما كاترين بتأكيدها أنها إنما تترقب الفرصة المواتية ).

ومع ذلك راحت تدعم الصلح الجديد بعرضها تزويج ابنتها مارجريت فالوا من هنري ملك نافار، الذي أصبح بعد موت ونديه الزعيم الرسمي للهيجونوت. وكانت هذه آخر ضرباتها وأجرئها. لا يهم كونها هي وجان دالبير خصمين لدودين، ولا أن هنري قتل في الحرب من قتل من الكاثوليك. إنما المهم أنه صغير السن مطواع، فلربما استطاع سحر أميرة جميلة مرحة أن يحتذيه بعيداً عن هرطقاته. إذن ستشهد باريس زفافاً باهراً، وسيدعى إليه الرجال والنساء من المذهبين؛ وستبعث من جديد روح النهضة المرحة وسط مرارة الاصلاح البروتستنتي؛ وسيكون هناك تعطيل لنشاط اللاهوت، والحرب، والقتل.

مذبحة يوم القديس بارتولوميو

 
روية شاهد عيان لمذبحة يوم القديس بارتولوميو بريشة فرانسوا دوبوا (1790 - 1871).

ولكن، أترضي بذلك أم هنري؟ لقد كانت جان دالبير هيجونوتية دماً ولحماً. وحين جاءت إلى البلاط عام 1561 أعلنت أنها "لن تحضر القداس ولو قتلوها قتلاً، وأنها تؤثر أن تلقى بابنها وملكه في البحر عن أن تستسلم(48) "، بل إنها دعت قسيسها الهيجونوتي ليعظها والأبواب مفتوحة على مصاريعها، وتجاهلت في تحد الاتهامات التي رمتها بها الجماهير الباريسية. وحين اعتنق زوجها الكاثوليكية تركته هو والبلاط (1562) وعادت إلى بيارن وجمعت المال والجيش لكونديه. وبعد موت زوجها فرضت البروتستنتية على إقليم بيارن (وكان يضم مدن بو، ونيراك، وتارب، وأورتيه، ولورد)؛ وطردت الكهنة الكاثوليك وأحلت محلهم القساوسة الهيجونوت(49). ولم يسمع بعدها قداس في بيارن طوال خمسين عاماً(50). وحرمها البابا بيوس الرابع وأراد أن يعزلها، ولكن كاترين ثنته(51)، ولعل جان ذكرت هذا حين قبلت عرضها بربط أسرتي فالوا وبوريون برباط الزواج، وذكرت كفاح كاترين الطويل في سبيل السلام. ثم أن أبناء كاترين معلولون. أفليس من المحتمل أن يموتوا كلهم ويتركوا عرش فرنسا لهنري نافار؟ أو لم يتنبأ العراف نوسترا داموسي بأن أسرة فالوا ستنقرض عما قليل؟

أما أكثر أبناء كاترين سقاماً، وهو شارل التاسع، فربما كان فتى محبباً لولا نوبات طارئة من القسوة والغضب تشتعل أحياناً فتستحيل سورة تشرف على الجنون. وفيما بين هذه الغضبات كان قصبة تحركها الريح، وإمعة لا رأى له. ولعله أضعف نفسه بالانهماك في اللذات. كان زوجاً لاليزابيث ابنة الإمبراطور مكسمليان الثاني، ولكن حبه الحرام الثابت كان لخليلته الهيجونوتية ماري توشيه. وكان حساساً للفن والشعر والموسيقى، يحب أن يتلو غنائيات رونزار، وقد كتب في تكريم رونزار أبياتاً جميلة جمال شعر رونزار:


كلانا يلبس تاجاً،

أما أنا فتلقيته ملكاً، وأما أنت فتهبه شاعراً،

أن قيثارتك التي تسحر بأنغامها الحلوة،

تخضع لك الأرواح، التي لا أملك غير أجسادها،

إنها ترقق القلوب، وتسترق الجمال،

في قدرتي أن أعطي الموت، أما أنت فتعطي الخلود.


فلما انضم كوليني إلى البلاط في بلوا (سبتمبر 1571) رحب به شارل كما يرحب الضعف بالقوة. هنا رجل مختلف كل الاختلاف عن الكثيرين الذين يتراقصون حول العرش: جنتلمان، وأرستقراطي، ولكنه هادئ رزين، يحمل نصف فرنسا في قوة كلمته. وكان الملك الشاب يخاطب القائد المكتهل بـ "أبي "، وعينه قائداً للأسطول، ومنحه من جيب الملك الخاص 100.000 جنيه تعويضاً عن خسائره في الحروب. وانضم كوليني إلى مجلس الملك ورأسه في غيابه(52). وكان شارل دائم الغيرة والخوف من فيلب الثاني، كارهاً تبعية فرنسا الكاثوليكية لأسبانيا. واقترح عليه كوليني الرأي في حرب مع أسبانيا تعطي فرنسا قضية توحد صفوف الفرنسيين، وتصحح ذلك الحد الشمالي الشرقي الذي تتعدى عليه أسبانيا، ولقد آن اوانها لأن وليم أورنج يقود ثورة قامت بها الأراضي المنخفضة على سيدها الأسباني، فما هي إلا دفعة قوية حتى تصبح فلاندر فرنسية. واستمع إليه شارل في تعاطف. وفي 27 أبريل كتب إلى الكونت لوي تاسو الذي تزعم التمرد البروتستنتي في إينو يقول "إنه مصمم... على استخدام القوى التي أودعها الله في يده لتخليص الأراضي المنخفضة من الظلم الذي ترزح تحته(53) ". وعرض لوي وأخوه وليم أورنج تسليم فلاندو وأرتوا لفرنسا لقاء تقديمها المعونة الحاسمة ضد أسبانيا(54). وفي خريف تلك السنة تفاوض شارل مع أوغسطين ناخب سكسونيا لتأليف حلف دفاعي بين فرنسا وألمانيا البروتستنتية(55).

أما كاترين فقد حكمت على اقتراحات كوليني بأنها غير عملية إلى حد الحماقة. فمن الخرق أن تعود بهذه السرعة إلى إطلاق شياطين الحرب بعد أن ظفرت بالسلام الذي تفتقر إليه فرنسا أشد افتقار. صحيح أن أسبانيا مفلسة إفلاس فرنسا، ولكنها ما زالت أقوى دولة في العالم المسيحي، ولقد كللت نفسها مؤخراً بالغار حين هزمت الترك في ليبانتو، وإذن فستكسب تأييد كل أوربا الكاثوليكية، ومعظم فرنسا الكاثوليكية- لو دخلت فرنسا حلفاً بروتستنتياً. وفي حرب كهذه سيكون كوليتي القائد الأعلى، وبفضل نفوذه على شارل الطيع سيكون هو الملك الفعلي، وستنحي كاترين إلى شينونسو إن لم يكن إلى إيطاليا. وعلم هنري جيز وهنري أنجو- أخو الملك- في فزع أن شارل سمح لكوليني بتجريد جيش للانضمام إلى لوي ناسو؛ وقهر ألفا هذا الجيش بعد أن نبهه إليه أصدقاؤه في البلاط الفرنسي (10 يوليو 1572). واستمع اجتماع كامل لمجلس الملك إلى كوليني يدفع عن مقترحاته للحرب مع أسبانيا (6- 9 أغسطس 1572)، ورفضت كلها بالاجماع؛ ولكن كوليني أصر عليها قائلا "لقد وعدت على مسئوليتي بمساعدة أمير أورنج، فأرجو ألا يسوء الملك أن أوفي بوعدي عن طريق أصدقائي، وربما بشخصي. " ثم قال للملكة "سيدتي، إن الملك يتجنب اليوم حرباً تعده بمنافع عظيمة، وقانا الله نشوب حرب أخرى لا يقوى على تجنبها(56) ". وانفض المجلس في غيظ شديد لما بدا كأنه تهديد بحرب أهلية ثانية. وقال المارشال دتافان "لتحذر الملكة من مشورات ابنها الملك وخططه وأحاديثه السرية، أن الهيجونوت ظافرون به إن لم تأخذ حذرها(57) ". وأخذت كاترين شارل جانباً ولامته على أنه أسلم عقله لكوليني، فإن أصر على شن الحرب على أسبانيا فستستأذنه في الانسحاب مع إبنها الآخر إلى فلورنسة. وطلب اليها الصفح ووعدها بطاعة الابن لأمه، ولكنه ظل الصديق الوفي لكوليني.

في هذا الجو قدمت جان دالبير إلى بلوا لعقد الزواج الذي كان مزمعاً أن يوحد فرنسا الكاثوليكية والبروتستنتية. وأصرت على أن يقوم الكردينال دبوربون بالمراسيم لا بصفة الكاهن بل الأمير، لا داخل كنيسة ولا خارجاً، وألا يصحب هنري زوجته إلى الكنيسة ليستمع إلى القداس. ووافقت كاترين، وان أفضى هذا إلى مزيد من النزاع مع البابا، الذي رفض الحل لمارجريت بالزواج من الابن البروتستنتي لبروتسنتي محروم. ثم ذهبت جان إلى باريس تتسوق، فمرضت بذات الجنب، وماتت (9 يونيو 1572), وخامرت الهيجونوت الظنون بأنها ماتت مسمومة، ولكن هذا الفرض لم يعد له محل(85)، وحضر هنري نافار إلى باريس من بلوا في أغسطس على الرغم من شكوكه وحزنه، مصحوباً بكوليني وثمانمائة من الهيجونوت. ولحق بهم أربعة آلاف هيجونوتي في العاصمة(59). من جهة ليشهدوا الاحتفالات، ومن جهة أخرى ليحموا ملكهم الشاب. وأثار هذا السيل المتدفق وما رافقه من عشرات العظات النارية حفيظة باريس الكاثوليكية(60)، فنددت بالزواج لأنه استسلم من الحكومة للقوة البروتستنتية. ومع ذلك تم الاحتفال (18 أغسطس) دون حل من البابا، وأتخذت كاترين تدابيرها لتمنع البريد من الاتيان بحظر بايري. وقاد هنري زوجته حتى باب نوتردام، ولكنه لم يدخل معها. إن باريس لم تكن في نظره تسـتأهل بعد أن يحضر قداساً من أجلها. ونزل مع مارجريت قصر اللوفر مؤقتاً.

ولم تجش باريس بمثل هذا الانفعال من قبل إلا فيما ندر. واعتقد الناس أن كوليني يتأهب للذهاب إلى جبهة القتال لأنه ما زال مصراً على المعونة العلنية تبذلها فرنسا للأراضي المنخفضة الثائرة. وأنذر بعض الكاثوليك كاترين بأن الهيجونوت يخططون مرة أخرى لمحاولة خطفها هي والملك(61). وكشف طرق السندانات في أرجاء المدينة عن صنع السلاح على عجل. وفي هذه الفترة الحاسمة وافقت كاترين، فيما زعم ابنها هنري، على قتل الأميرال(62).

ففي 22 أغسطس، بينما كان كوليني يسير من اللوفر إلى بيته، قطع عياران أطلقا من نافذة سبابة يسراه ومزق ذراعه حتى الكوع. واندفع رفاقه إلى المبنى، ولكنهم لم يجدوا سوى قربينة مدخنة، فقد هرب المعتدي من الخلف. وحمل كوليني إلى مسكنه. وحين نمى الخبر إلى الملك صاح غاضباً "ألا يتاح لي الهدوء أبداً؟ " وأرسل طبيبه الخاص، أمبروازياو الهيجونتي، ليعالج جراح كوليني، وعين حراساً ملكيين على بيته، وأمر الكاثوليك بأن يخلوا المساكن المجاورة وسمح للهيجونوت بشغلها(63). وحضرت الملكة والملك وأخوه هنري لمواساة الجريح، وأقسم شارل بـ "اغلظ اليمان " لينتقمن لكوليني من هذا العدوان. وعاود كوليني حث شارل على دخول الحرب للحصول على فلاندر(64). وانتحى به جانباً وأسر أليه شيئا. وبينما الأسرة المالكة في طريقها إلى اللوفر، أصرت كاترين على أن يبوح الملك بالسر. فأجاب "حسنا إذن، قسماً بموت الإله، ما دمت تصرين على أن تعرفي، فهاك ما قاله لي الأميرال: أن السلطة كلها تحطمت في يديك، وأن النهاية ستكون وبالاً عليّ ". وفي سورة غضبه حبس الملك نفسه في غرفته الخاصة. وراحت كاترين تجتر همومها في غيظ وخوف(65).

وذهب هنري نافار إلى كوليني وناقش معه إجراءات الدفاع. وأراد بعض حاشية الأميرال أن يمضوا لتوهم ويغتالوا الزعماء من آل جيز، ولكنه نهاهم. وقال الهيجونوت "إذا لم تجر العدالة مجراها كاملاً فهم لا بد مجروها بأنفسهم(66) ". وراح الهيجونوت يحومون حول اللوفر طوال ذلك اليوم، وقال أحدهم للمكلة إنهم سيقتصون من الجاني بأيديهم إن لم يأخذ العدل مجراها سريعاً(67). ومرت عصابات من الهيجونوت المسلحين المرة بعد المرة بأوتيل اللورين الذي يقيم فيه آل جيز وصاحت تهدد بالموت(68). ولجأ آل جيز إلى الملك طالبين الحماية وتحصنوا في بيتهم. أما شارل فقد اشتبه في أنهم استأجروا القاتل وقبض على نفر من خدمهم وهدد دوق جيز. وأستأذن هنري جيز وأخوه دوق أومال في أن يغادروا باريس، فأذن لهما، ومضيا حتى بوابة سانت أنطوان، ثم انقلبا عائدين واتخذا طريقهما خفية إلى أوتيل اللورين.

وفي 23 اغسطس اجتمع مجلس الملك للتحقيق في الجريمة. وتبين للمجلس أن البيت الذي أطلق منه العياران تملكه (وإن لم تشغله) دوقة جيز الأرملة، التي أقسمت من قبل على أن تثأر لمقتل زوجها فرنسيس، وأن القاتل هرب ممتطياً جواداً من مرابط أسرة جيز، وأن السلاح كان مُلْكاً لأحد حرس الدوق أنجو. ولم يقبض على القاتل قط. وفي رواية لأنجو بعد ذلك أنه هو وهنري جيز قررا الآن أنه لا بد من قتل كوليني وبعض الهيجونوت الآخرين. وبينما كانت كاترين وبعض أعضاء المجلس مجتمعين في التويلري، اندفع إلى الاجتماع عميل لأنجو يسمي بوشافان معلناً أن الهيجونوت في بيت كوليني يخططون لفتنة عنيفة يقومون بها على الأرجح في المساء(69). وأضيف الآن عامل جديد إلى كراهية كاترين للأميرال، وغضبها مما لاح لها أنه أغواء منه للملك ليحرمه من إرشادها، واقتناعها بأن سياسة الحرب مع أسبانيا ستكون وبالاً على فرنسا وعلى أسرتها- ذلك هو الخوف على حياتها من خطر داهم، وخشيتها ان تنتقل كل السلطة سريعا إلى ايدي كوليني وأصحابه. فوافقت على قتل زعماء الهيجونوت(70)، ولكن موافقة الملك كانت أمراً مرغوباً فيه، إن لم يكن ضرورياً، وكان لا يزال يطالب بمحاكمة جميع من لهم علاقة بالهجوم على كوليني. وحوالي الساعة العاشرة من مساء ذلك اليوم (23 أغسطس) أرسلت الملكة الأم الكونت رتز ليحذر شارل من الفتنة المزعومة، وسرعان ما أحاطت كاترين ومستشارها بالحاكم الشاب الذي شارف الآن على الجنون لفرط انفعاله. وأكدت له كاترين أن ثلاثين ألفاً من الهيجونوت يخططون لاعتقاله في الغد وخطفه إلى قلعة بروتستنتية حيث يظل أسيراً لا حول له ولا قوة، أو لم يحاولوا من قبلاً أن يضربوا هذه الضربة مرتين؟ فإذا تم لهم النصر قتلوها للشبهة في إصدارها الأمر بالاعتداء على الأميرال أو السماح بهذا الاعتداء. وقيل للفتى ذي الثلاثة والعشرين ربيعاً أن يختار بين حياة أمه أو حياة ستة من الهيجونوت. فلو أنه رفض الموافقة وتغلبت باريس الكاثوليكية على الثورة، لتنحى جانباً لأنه جبان أحمق. ولكنه قاوم هذه الحجج، وسأل، لم لا يكفي أن يقبض على زعماء الهيجونوت ويحاكموا قانونياً، وأجاب المستشارون أن الوقت فات لتفادي الثورة بمثل هذا الإجراء. وهددته كاترين بأنها ستنسحب إلى إيطاليا وتتركه لمصيره. وأخيراً، بعد أن قارب الليل أن ينتصف، وفي نوبة من الانهيار العصبي والغضب، صاح شارل، "قسماً بموت الإله "، ما دمتم تريدون قتل الأميرال، فأنا موافق، ولكن يجب أن تقتلوا جميع الهيجونوت في فرنسا، حتى لا يبقى منهم أحد ليلومني... اقتلوهم جميعاً! اقتلوهم جميعاً! " وبعد ان لعن وجدف ، هرب من مستشاريه وحبس نفسه في حجرته.

وإذا كان المتآمرون قد دبروا قتل نفر من الهيجونوت، فإنهم اغتنموا الآن فرصة هذا الأمر المجنون الذي نطق به الملك ليستأصلوا شافة الهيجونوت ما أمكنهم ذلك. وأصرت كاترين على حماية هنري نافار، واستشنى أمير كونديه الشاب- هنري الأول- وآل مونمورنسي لأنهم أنبل أصلاً من أن يسمح بقتلهم، وأنقذ الملك الجراح أمبرواز باريه، ولكن الأمر أبلغ لقواد أحياء باريس بأن يسلحوا رجالهم ويستعدوا للعمل بمجرد سماعهم أجراس الكنائس تدق في الثالثة من صباح 24 أغسطس، وهو عيد القديس بارتولوميو. وأعطى دوقا جيز تفويضاً مطلقاً بانقاذ ثأرهما من الأميرال بعد أن طال إرجاؤه. وأرسل هنري جيز كلمة إلى ضباط المليشيا بأن على رجالهم حالما يسمعون ناقوس الخطر يقرع أن يذبحوا كل هيجونوتي يعثرون عليه؛ أما أبواب المدينة فتقفل لتمنع الهاربين من الهروب.

وبينما كان الظلام لا يزال مخيماً قاد جيز نفسه ثلاثمائة جندي إلى المبنى الذي ينام فيه كوليني. وكان على مقربة منه باريه طبيبه، وميرلان سكرتيره، ونيقولا خادمه. وأيقظهم وقع أقدام جند مقبلين، ثم سمعوا طلقات وصياح- كان حرس كوليني يقتلون. واندفع صديق إلى الحجرة وهو يصيح "لقد قضي علينا! " وأجاب الأميرال، "إنني اعددت نفسي للموت منذ زمن طويل، فأنقذوا أنفسكم، لا أريد أن يلومني أحباؤكم على موتكم. أستودع روحي لرحمة الله ". وهربوا واقتحم جند جيز الباب فوجدوا كوليني راكعاً يصلي، وطعنه جندي بسيفه وشق وجهه، وطعنه آخرون، ثم قذف من النافذة وهو حي بعد فسقط على الرصيف أسفلها عند قدمي جيز. وبعد أن تأكد الدوق من موت كوليني أمر رجاله بأن ينتشروا في باريس ويذيعوا هذه العبارة "اقتلوا! اقتلوا! هذا أمر الملك " وفصل رأس الأميرال عن جسده وأرسل إلى اللوفر- وقيل إلى روما(71)، أما الجسد فسلم للجماهير التي مثلت به تمثيلاً وحشياً فقطعت الأيدي والأعضاء التناسلية لتعرضها للبيع، وعلقت بقيته من عرقوبيه(72).

وأرسلت الملكة خلال ذلك الأوامر لدوق جيز بوقف المذبحة لشعورها بشيء من الندم أو الخوف. وكان الجواب أن الأوان فات، أما وقد مات كوليني. فلا بد من قتل الهيجوت وإلا فهم لا محالة ثائرون. وخضعت كاترين وأمرت بقرع ناقوس الخطر. وتلت ذلك مذبحة ندر أن عرفتها المدن حتى في جنون الحرب، واغتبطت الجماهير باطلاق دوافعها المكبوتة لتضرب وتوجع وتقتل. فاقتنصت وذبحت من الهيجونوت وغيرهم عدداً يتفاوت بين الألفين وخمسة الآلاف، واستطاع من بيتوا نية القتل من قبل أن يقتلوا الآن خصومهم وهم آمنون من العقاب؛ واغتنم الأزواج المعذبون أو الطامعون والزوجات الفرصة ليتخلصوا من زوجاتهم وأزواجهن غير المرغوب فيهم، وذبح التجار منافسيهم، ودل الورثة المنتظرون على أقربائهم الذين طال ترقبهم لموتهم واتهموهم بأنهم هيجونوت(73). وقتل راموس الفيلسوف بتحريض أستاذ حسود. واقتحم كل بيت اشتبه في إيوائه الهيجونوت وفتش. وجر الهيجونوت وأبناؤهم إلى الشوارع وذبحوا ذبح الأنعام وانتزعت الأجنة من بطون أمهاتهم القتيلات وهشموا(74). وما لبثت الجثث أن تناثرت على أرصفة الشوارع، وأخذ الصبية يلعبون ألعابهم فوقها. ودخل حرس الملك السويسريون المعمعة وراحوا يذبحون في غير تمييز للذة الذبح الخالصة. وقتل رجال مقنعون الدوق دلاروشفوكو الذي لعب التنس مع الملك بالأمس، وقد حسبهم جاءوا يدعونه إلى حفلة ملكية. ودعي النبلاء والضباط الهيجونوت الذين انزلوا قصر اللوفر باعتبارهم حاشية ملك نافار إلى الفناء وضربوا بالنار واحداً بعد الآخر عند وصولهم. أما هنري فكان قد خرج ليلعب التنس بعد أن استيقظ في الفجر. وأرسل شارل في طلبه هو وكونديه وخيرهما بين "القداس او الموت " واختار كونديه الموت ولكن الملكة أنقذته. أما نافار فوعد بالامتثال فأبقى عليه. وأما عروسه مارجريت النائمة نوماً مضطرباً فقد أيقظها هيجونوتي جريح اندفع إلى حجرتها وفراشها، فأقنعت مطارديه بألا يقتلوه. ذكر السفير الأسباني في تقريره "إنهم يقتلونهم جميعاً وأنا أكتب هذا، إنهم يعرونهم.. ولا يعفون أحداً حتى الأطفال. تبارك الله!(75) " أما وقد أصبح القانون ذاته خارجاً على القانون، فقد انطلق السلب والنهب في غير قيد، وأبلغ الملك أن بعض حاشيته شاركوا في نهب العاصمة. والتمس منه بعض المواطنين المروعين عندما اقتربت الظهيرة أن يأمر بوقف المذبحة، وعرضت جماعة من شرطة المدينة أن تعاون على استتباب الأمن. فأصدر الأوامر بوقف المذبحة، وأمر الشرطة بأن يحبسوا البروتستنت حماية لهم؛ ثم أنقذ بعض هؤلاء، وأغرق غيرهم بأمره في السين. وهدأت المذبحة هنيهة. ولكن حدث في يوم الاثنين الخامس والعشرين من الشهر، أن شجيرات الشوك البري أزهرت في غير أوانها في مقبرة الأطفال؛ وهلل الكهنة للأمر حاسبينه معجزة، وقرعت أجراس الكنائس في باريس احتفالاً به، وظنت الجماهير أن هذا القرع دعوة إلى تجديد المذبحة، فأستؤنف القتل من جديد.

وفي يوم السادس والعشرين ذهب الملك في موكب رسمي هو وحاشيته إلى قصر العدالة مخترقاً الشوارع التي ما زالت الجثث مبعثرة فيها، وشهد لبرلمان باريس في فخر بأنه أمر بالمذبحة. وأجاب رئيس البرلمان بخطاب تهنئة طويلة. وقرر البرلمان بأن ورثة كوليني يجب حرمانهم من حماية القانون، وأن بيته في شاتيون يجب أن يهدم، وأن ما بقي من أملاكه يجب أن يصادره الدوق أنجو. وفي اليوم الثامن والعشرين زار الملك والملكة الأم والحاشية عدة كنائس في احتفال ديني للشكر على تخليص فرنسا من الهرطقة ونجاة الأسرة المالكة من الموت.

وحذت الأقاليم حذو باريس باسلوب الهواة، فارتكبت المذابح الجنونية بوحي الأنباء الواردة من العاصمة ليون، وديجون، وأورليان، وبلوى، وتور، وتروا، ومو، وبورج، وانجيه، وروان، وتولوز (24 - 26 أغسطس). وحسب جاك دتو 800 ضحية في ليون، 1.000 ضحية في أورليان. أما الملك فقد شجع هذه الإبادة، ثم نهى عنها، ففي السادس والعشرين من الشهر أرسل تعليمات شفوية لحكام الأقاليم بأن يقتلوا كل زعماء الهيجونوت(76)، وفي السابع والعشرين أرسل اليهم أوامر مكتوبة بأن يحموا البروتستنت المسالمين الممتثلين للقانون. وفي الوقت ذاته كتب لممثله في بروكسل أن يلتمس تعاون الدوق ألفا:

"إن في يد الدوق كثيراً من رعاياي المتمردين، وفي قدرته أن يستولي على مونز ويعاقب (المحاصرين) فيها. فإن أجابك بأن المفهوم من هذا ضمناً قتل هؤلاء السجناء وتقطيع المحاصرين في مونز، فقل لأن هذا يجب أن يفعله(77) ".

ورفض ألفا الدعوة. ولما استولى على مونز سمح للمحامية الفرنسية أن تغادرها دون أن يصيبها أذى. وكان بينه وبين نفسه يحتقر مذبحة القديس بارتلوميو لأنها وسيلة خسيسة للحرب، ولكنه أمام الناس أمر بالاحتفال بالمذبحة انتصاراً للدين المسيحي الحق دون غيره(78).

واستطاع بعض حكام الأقاليم أن يفرضوا على جماهيرهم ضبطاً جديراً بالمتحضرين. فبم يكن هناك مذابح في شمبانيا؛ ولا في بيكاردي، ولا في بريتني، وكان قليل منها في أوفرن، ولانجدوك، وبرجنديا، ودوفيني. وفي ليون ندد كثير من الكاثوليك بالمذبحة، وأبى الجنود أن يشاركوا فيها، وفي فيين بسط الأسقف حمايته على البروتستنت، وخبأت الأسر الكاثوليكية الهيجونوت المهددين بالخطر(79). أما في تروا وأورليان فقد أرخى الأساقفة العنان للمذبحة(80)، وفي بوردو أعلن يسوعي أن الملاك ميخائيل قد أمر بالمذبحة، وندد ببطىء الحكام في إصدار أوامر القتل. وأغلب الظن أن الاقاليم ساهمت بخمسة آلاف ضحية، وباريس بنحو ألفين، ولكن بعضهم يقدر جملة الضحايا بعدد يتفاوت من خمسة آلاف(81) إلى ثلاثين ألفاً(82).

وأغضى الكاثوليك عموماً عن المذبحة باعتبارها انفجاراً للغيظ والثأر بعد سنين من اضطهاد الهيجونوت للكاثوليك(83). أما فليب الثاني فقد ضحك على غير عبوسه وجهامته المألوفة حين سمع النبأ، وحسب أنه لن يكون هناك خطر من تدخل فرنسا في الأراضي المنخفضة. أما الممثل البابوي في باريس فكتب إلى روما يقول: "أهنئ قداسة البابا من أعماق قلبي على أن يد الله جل جلاله شاء في مستهل بابويته أن يوجه شئون هذه المملكة توجيهاً غاية في التوفيق والنبل، وأن يبسط حمايته على الملك والملكة الأم حتى يستأصلا شأفة هذا الوباء بكثير من الحكمة، وفي اللحظة المناسبة حين كان كل المتمردين محبوسين في القفص(84). " وحين وصل النبأ إلى روما نفح كردينال اللورين حامله بألف كراون وهو يهتز طرباً. وسرعان ما أضيئت روما كلها، وأطلقت المدفعية من قلعة سانت أنجلو، وقرعت الأجراس في ابتهاج، وحضر جريجوري الثالث وكرادلته قداساً مهيباً لشكر الله على "هذا الرضى الرائع الذي أبداه للشعب المسيحي "، والذي أنقذ فرنسا والكرسي البابوي المقدس من خطر عظيم. وأمر البابا بضرب مدالية خاصة تذكاراً لهزيمة الهيجونوت أو ذبحهم(85)- وعهد إلى فازاري بأن يرسم في الصالة الملكية بالفاتيكان صورة للمذبحة تحمل هذه العبارة- "البابا يوافق على قتل كوليني (86).

أما أوربا البروتستنتية فقد دمغت المذبحة بأنها همجية كلها جبن ونذالة. وأخبر وليم أورنج المبعوث الفرنسي أن شارل التاسع لن يستطيع أبداً أن يغسل يديه من دم الجريمة. وفي إنجلترا أحدق المطالبون بالثأر باليزابيث، ونصحها الأساقفة بأن السبيل الوحيد لتهدئة غضب الشعب أن تعدم على الفور كل الكاثوليك الذين أودعوا السجون لرفضهم حلف يمين الولاء؛ أو على الاقل يجب إعدام ملكة اسكتلندة فوراً(88). على أن اليزابيث احتفظت بهدوئها. وارتدت ثياب الحداد الثقيل لتستقبل السفير الفرنسي، وقابلت توكيداته بأن المذبحة فرضتها مؤامرة الهيجونوت الوشيكة بعدم التصديق الواضح. ولكنها واصلت ضرب إسبانيا بفرنسا، ومماطلة النسون في الاستجابة لطلب يدها، وفي نوفمبر وافقت على أن تكون عرابة لابنة شارل التاسع.

أما كاترين فقد خرجت من المقتلة مبتهجة منتعشة؛ لقد خضع لها الملك الآن من جديد، وبدا ان مشكلة الهيجونوت حلت. ولكنها أخطأت التقدير، إذ تبين أن ارتداد الكثيرين من البروتستنت الفرنسيين الذين ارتضوا اعتناق الكاثوليكية بديلا عن الموت لم يكن غير ارتداد مؤقت. فما مضى شهران على المذبحة حتى افتتح الهيجونوت الحرب الدينية الرابعة. وأغلقت لاروشيل وعدة مدن أخرى أبوابها في وجه جيش الملك وأفلحت في مقاومة الحصار. وفي 6 يوليو 1573 وقع شارل صلح لاروشيل الذي منح الهيجونوت حريتهم الدينية. إذن فالمذبحة لم تحقق من الناحية السياسية شيئاً.

وانصرف رجال الفكر من الهيجونوت عن شارل التاسع في اشمئزاز شديد، وهم الذين أعلنوا من قبل ولاءهم له، وراحوا يشككون لا في حق الملوك الإلهي فحسب بل في نظام الملكية ذاته. ونشر فقيه هيجونوتي يدعى فرانسوا أوتمان بعد سنة من فراره إلى سويسرة عقب المذبحة كتاباً فيه هجوم عنيف على شارل سماه "الضجة الغالية "، وقال فيه إن جرائم ذلك الملك أحلت شعبه من يمين الولاء له، وأنه مجرم لا بد من عزله. وقبل أن ينصرم العام أصدر أوتمان من جنيف كتابه "غالة الفرنسية " وهو أول محاولة حديثة في كتابة التاريخ الدستوري، وحجته أن الملكية الغالية- الفرنسية قامت على الانتخاب، فالملك- إلى عهد لويس الحادي عشر- كان خاضعاً لمجلس شعبي من نوع ما، والبقايا الهزيلة التي تخلفت من هذه السلطة الانتخابية هي هذه "البرلمانات " الذليلة، ومجلس الطبقات الذي طال إغفاله؛ وهذه السلطة منحت لتلك الهيئات بتفويض من الشعب. "فالشعب وحده صاحب الحق في انتخابات الملوك وعزلهم(89) ". ثم طالب باجتماع مجلس الطبقات دورياً، فهذه الهيئة دون سواها هي التي يجب أن يكون لها سلطة إصدار القوانين، وتقرير الحرب أو السلم، والتعيين في المناصب الكبرى، وتنظيم ولاية العرش، وعزل الملوك الفاسدين. فها هنا بداية هزيم الرعود التي انطلقت عام 1789.

على أن الحياة ذاتها هي التي أنزلت شارل التاسع من عرشه بعد قليل. ذلك أن الخير والشر قد اصطرعا داخله حتى تحطم جسده السقيم بفطرته تحت وطأة الصراع. كان حيناً يشعر بالارتياح الخبيث لجرأة جريمته وعنفها، وحيناً ينحى على نفسه باللوم لأنه وافق على المذبحة؛ وظلت صرخات القتلى من الهيجونوت ترن أذنيه وتطرد النوم عن اجفانه. وبدأ يؤنب أمه ويقول له "من غيرك تسبب في هذا كله؟ قسماً بدم الإله إنك أنت السبب في كل ما حدث ". أما هي فكانت تشكو من أن ولدها مجنون(90). ورانت عليه الكآبة والحزن، وبات نحيل الجسد شاحب الوجه. وكان فيه استعداد قديم للسل، فلما ضعفت مقاومته هدّه المرض، وما أن أقبل عام 1574 حتى كان يبصق الدم. وفي الربيع اشتد نزيفه وعاودته رؤى ضحاياه، وصاح بممرضته "أي سفك للدماء "، أي قتل! يا لها من مشورة شريرة تلك التي اتبعتها! غفرانك ربي!... إنني هالك!(91) ". وأرسل يوم وفاته- 30 مايو 1574 في طلب هنري نافار. فعانقه في حب وقال له يا أخي أنك فاقد صديقاً وفياً. فلو أنني استمعت إلى كل ما قيل لي لما كنت الآن على قيد الحياة. ولكنني أحببتك دائما... وفيك وحدك أضع ثقتي بأن ترعى زوجتي وابنتي صلي إلى الله من أجلي. وداعاً " ثم مات بعدها بقليل قبل أن يبلغ الرابعة والعشرين.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

مرسوم نانت

الخروج 1643 - 1715

لم يكن الملك قد خلص روحه بعد، فقد بقي في فرنسا 1.500.000 من البروتستانت. وكان مازاران قد واصل وطور سياسة ريشليو في حماية حرية الهيجونوت الدينية ما داموا مطيعين سياسياً. أما كولبير فقد أدرك قيمتهم في تجارة فرنسا وصناعتها. وفي 1652 أكد لويس مرسوم نانت (1598) الذي أصدره جده الرابع، وفي 1666 أعرب عن تقديره لولاء الهيجونوت خلال حرب الفروند، ولكن كان يحزنه ألا تتحقق وحدة فرنسا الدينية كما تحققت وحدتها السياسية، وحوالي 1670 كتب في مذكراته فقرة تنذر بالسوء:

"أما عن ذلك العدد الكبير من رعاياي الذين يدينون بما يسمونه المذهب الإصلاحي، وهو شر...أنظر إليه بحزن...فيخيل إلي أن أولئك الذي أرادوا استعمال ضروب عنيفة من العلاج لم يفطنوا إلى طبيعة هذا الشر، الذي نجم بعضه عن حرارة في العقول، والذي يجب أن يترك ليذوي ويموت دون أن يحس به أحد، بدلاً من أثارته من جديد بمثل هذه المقاومات العنيفة...وقد آمنت بأن خير سبيل للخفض من عدد الهيجونت في مملكتي تدريجياً هو أولاً عدم الضغط عليهم إطلاقاً بأي قيد صارم جديد، والأمر بمراعاة ما حصلوا عليه من أسلافي دون منحهم أكثر منه، وحتى قصر تنفيذه داخل أضيق الحدود التي تجيزها العدالة واللياقة(28)".

وفي هذه الفقرة رائحة التعصب المخلص. وهذا رأي ملك مطلق السلطة، أخذ عن بوسويه شعار "ملك واحد، وقانون واحد، وعقيدة واحدة". فلم يعد ذلك التسامح الذي دان به ريشليو الذي كان يعين لمناصب الدولة الرجال الأكفاء أياً كانت عقيدتهم. ويواصل لويس حديثه فيقول إنه لن يعين في هذه المناصب سوى الكاثوليك الصالحين، آملاً بذلك أنه سيشجع المرتدين على الرجوع إلى حظيرة الكاثوليكية.

أما الكنيسة نفسها فلم تكون قد وافقت قط على التسامح الذي نقله مرسوم نانت، ففي 1655 طالب مجمع اكليريكي بتفسير أشد صرامة للمرسوم. وفي 1660 طلب مجمعهم إلى الملك أن يغلق جميع الكليات والمستشفيات الهيجونوتية، وأن يحرم الهيجونت من الوظائف العامة، وفي 1670 أوصى المجمع بأن يعتبر الأطفال الذين بلغوا السابعة من عمرهم قادرين قانونياً على إنكار الهرطقة الهيجونوتية، وأن الذين ينكرونها على هذا النحو ينبغي فصلهم عن آبائهم، وفي 1675 طالب المجمع بأن يعلن بطلان الزيجات المختلطة، وأن يعتبر نسل هذه الزيجات غير شرعي(83). وكان رأي بعض رجال الدين الورعين اللطفاء مثل الكاردينال دبيرول أن استخدام الدولة لوسائل المنع بالإكراه هو السبيل العملي الوحيد في التعامل مع البروتستنتية(84)، وألح الحبر تلو الحبر على الملك بهذه الحجة، وهي أن استقرار حكومته يرتكز على النظام الاجتماعي، الذي يرتكز على الفضيلة، التي تنهار إذا لم يدعمها دين الدولة. وشارك العلمانيون الكاثوليك في هذه الحجة، وأبلغ القضاة الحكومة عن صدمات مكدرة للأمن بين المذهبين المتنافسين في المدن-هجمات كاثوليكية على المدارس والجنازات والبيوت البروتستنتية، وأعمال انتقام بروتستنتية من نفس النوع.

وشيئاً فشيئاً أذعن لويس لهذه الحملة مخالفاً في ذلك فطرته الأميل إلى الخير، وإذ كان على الدوام في حاجة للمال ينفقه على الحرب والأناقة، فقد وجد رجال الدين يقدمون له منحاً كبيرة شريطة أن يقبل آراءهم. ودفعته عوامل أخرى في نفس الاتجاه، فلقد كان يشجع-بل يرشو-تشارلز الثاني لكي يحول إنجلترا إلى الكاثوليكية، فكيف يتأنى في الوقت ذاته أن يسمح بالبروتستنتية في فرنسا؟ ألم يوافق البروتستنت في صلح أوجزبورج (1555) وبعده على المبدأ القائل بأن دين الحاكم يجب أن يفرض على رعاياه؟ وألم ينفِ الحكام البروتستنت في ألمانيا وفي الأقاليم المتحدة الأسر التي رفضت ديانة الأمير؟

وكان لويس، منذ أن بدأ حكمه الفعلي قد أصدر-أو أصدر وزراؤه بموافقته-سلسلة من المراسيم التي اتجهت إلى إلغاء مرسوم التسامح إلغاءً تاماً. ففي 1661 حرم على البروتستنت العبادة في معظم مقاطعة جكس، قرب الحدود السويسرية، بحجة أن جكس ضمت إلى فرنسا بعد صدور المرسوم، وكان يعيش في هذا الإقليم سبعة عشر ألف بروتستنتي، وأربعمائة كاثوليكي فقط(85). وفي 1664 جعلت الترقية إلى طبقة معلمي الحرف في الطوائف الصناعية عسيرة إلا على الكاثوليك(86)، وفي 1665 سمح للصبيان في الرابعة عشر والبنات في الثانية عشر بقبول اعتناق الكاثوليكية وترك آبائهم، الذين يلزمون عندها بأن يدفعوا لهم راتباً سنوياً لإعالتهم(87). وفي 1666 حظر على الهيجونت إنشاء كليات جديدة، أو الاحتفاظ بمعاهد لتعليم أبناء الأشراف، وفي 1669 تقرر اعتبار هجرة الهيجونوت جريمة يعاقب عليها المهاجر بالاعتقال إذا وقع في قبضة السلطات ومصادرة بضائعه(88). وكان كل من ساعد هيجونوتياً على الهجرة عرضة للحكم بتشغيله في سفن الأسرى مدى الحياة(89). وفي 1677 سمح لويس بوقف "صندوق للمهتدين" تصرف منه مبالغ، متوسطها ستة جنيهات للفرد، لكل هيجونوتي يقبل اعتناق الكاثوليكية. وضماناً لثبات المهتدين على الكاثوليكية أصدر مرسوماً (1679) يقضي بنفي جميع المرتدين ومصادرة أملاكهم(90). ثم قطع هذا السبيل من التحريمات احتجاج ناخب براندنبورج وشكاوى كولبير مما تحدثه هذه القوانين بالتجارة من كساد، واشتغال الملك بحملاته الحربية، ولكن تصالحه في 1681 مع الكاثوليكية، الآمرة بالاقتصار على امرأة واحدة، رده من جديد إلى الحرب المقدسة على الهيجونوت؛ فقال أحد مساعديه إنه يشعر "بالتزام لا مناص منه بهداية جميع رعاياه واستئصال شأفة الهرطقة(91)". وفي 1682 أصدر خطاباً-وأمر جميع الرعاة البروتستنت بأن يقرءوه على شعبهم-يهدد فيه الهيجونوت "بويلات لا تقاس بما سبقها هولاً وفتكاً(92)". وخلال السنوات الثلاث التالية أغلقت 570 كنيسة من كنائس الهيجونوت البالغ عددها 815، وهدم الكثير منها، وحين حاول الهيجونوت العبادة على أنقاض كنائسهم المهدمة عوقبوا باعتبارهم عصاة متمردين على الدولة.

وكانت حملات الخيالة Dragonnades قد بدأت خلال هذا، فقد كان من العادات القديمة في فرنسا أن يسكن الجنود في الكومونات أو البيوت وعلى حسابها. واقترح لوفوا وزير الحرب على الملك (11 إبريل 1681) إعفاء معتنقي الكاثوليكية الجدد عامين من هذا الإيواء للجند، فأصدر الملك الأمر، وعلى هذا أمر لوفوا المديرين العسكريين لإقليمي بواتو وليموزان بأن ينزلوا خيالتهم مساكن الهيجونوت، لا سيما الأثرياء منهم. وفي بواتو سمح المرشال مارياك لجنوده بأن يفهموا أنه لم يسوءه أن يعاملوا مضيفيهم البواسل بشيء من الغيرة الرسولية، وراح الجند يسرقون الهيجونوت ويضربونهم ويهتكون أعراضهم، فلما سمع لويس بهذا الشطط وبخ مارياك، ولما استمر طرده من وظيفته(93). وفي 19 مايو أمر بوقف هداية الهيجونوت بطريق إيواء الخيالة، وشجب أعمال العنف التي ارتكبت في بعض الأماكن ضد دعاة الإصلاح البروتستنتي(94). وأبلغ لوفوا المديرين الإقليميين بأن لهم أن يواصلوا حملات الخيالة، ولكنه نبههم إلى ضرورة حجب كل معلومات عن هذا الأمر عن الملك. وانتشرت حملات الخيالة في أرجاء كثيرة من فرنسا، فأدخلت في الكاثوليكية آلافاً من المهتدين. وأنكرت مدن وأقاليم-كمونبيلييه، ونيم، ووبيان-مذهبها الكالفني على بكرة أبيها، وتظاهر أغلب الهيجونوت باعتناق الكاثوليكية بعد أن أرهبهم الأمر، ولكن الألوف هجروا بيوتهم وأملاكهم وهربوا عبر الحدود أو وراء البحر متحدين القوانين. وأبلغ لويس لأنه لم يبق بفرنسا غير قلة قليلة من الهيجونوت، وأن مرسوم نانت أصبح بلا معنى. وفي 1684 التمست الجمعية العامة للاكليروس من الملك إلغاء المرسوم كلية، و"توطيد ملك يسوع المسيح غير منازع من جديد في فرنسا"(95).

وفي 17 أكتوبر 1685 ألغى الملك مرسوم ثابت باعتباره مرسوماً لا لزوم له في فرنسا التي تدين كلها بالكثلكة. فحظر منذ ذلك التاريخ على الهيجونوت إقامة شعائرهم أو فتح مدارسهم، وصدر الأمر بهدم كل أمكنة العبادة الهيجونوتية وتحويلها كنائس كاثوليكية، وأمر رجال الدين الهيجونوت بالرحيل عن فرنسا في ظرف أربعة عشر يوماً، ولكن هجرة غيرهم من الهيجونوت حرمت وإلا كان عقاب المهاجرين تشغيلهم في سفن الأسرى مدى الحياة. ووعد المخبرون بنصف بضائع المهاجرين العلمانيين(96). وقضى بأن يعمد جميع الأطفال المولودين في فرنسا بواسطة القساوسة الكاثوليك وأن يربوا على المذهب الكاثوليكي، ووعدت فقرة أخيرة بالسماح للقلة الباقية من الهيجونوت بأن يسكنوا بعض المد آمنين. ونفذت المادة من باريس وضواحيها، وحمى رئيس الشرطة التجار الهيجونوت هناك وطمأنهم، ولم يكن هناك حملات خيالة في باريس أو قربها، وكان في وسع المراقص أن تمضي في فرساي، وفي وسع الملك أن ينام مطمئناً مرتاح الضمير، ولكن حملات الخيالة استمرت في كثير من الأقاليم بتحريض من لوفوا(97)، وتعرض الهيجونوت المعاندون للنهب والتعذيب. يقول الحجة الفرنسي الأكبر في إلغاء مرسوم نانت:

"لقد أذن للجنود أن يقترفوا كل جريمة إلا القتل. فكانوا يكرهون الهيجونوت على الرقص حتى يدركهم الإعياء، ويقذفون بهم في البطاطين إلى أعلى، ويصبون الماء المغلي في حلوقهم...، ويضربون أقدامهم، وينتفون لحاهم...، ويحرقون أذرع مضيفيهم وسيقانهم بلهيب الشموع...، ويكرهونهم بأن يقبضوا على الجمر الملتهب بأيديهم...، ويحرقون أرجل الكثيرين بإمساكها طويلاً أمام نار كبيرة...ويلزمون النساء بأن يقفن عرايا في الطريق يحتمان هزء المارة وإهاناتهم. وقد أوثقوا مرة أماً مرضعاً إلى عمود سرير وأمسكوا برضيعها بعيداً عنها وهو يصرخ في طلب ثديها، فلما فتحت فاها لتتوسل إليهم بصقوا فيه(98)".

ويرى ميشليه أن إرهاب 1685 المقدس هذا كان أشنع كثيراً من إرهاب عصر الثورة في 1793(99). وقد أكره نحو 4000.000 من "المهتدين" على حضور القداس وتناول القربان، وحكم على الذين بصقوا قطع القربان المكرسة بعد مغادرتهم الكنيسة بالحرق أحياء(100). وزج بالذكور من الهيجونوت المعاندين في سجون تحت الأرض أو زنزانات غير مدفأة. أما نساء الهيجونوت الممعنات في العناد فقد حبسن في الأديار حيث لقين على غير توقع المعاملة الرحيمة من الراهبات(101).

على أن إقليمين قاوما الإرهاب ببسالة ملحوظة. وسنسمع أنباء الفودوا في الدوفينيه الفرنسية وبيدمونت السافووية في مكان لاحق من هذا الكتاب. وفي أودية سلسلة جبال السيفين في اللانجدوك احتفظ الألوف من الهيجونوت "المهتدين" بإيمانهم سراً، مترقبين الوقت والفرصة للتحرر. وقد أكد لهم "أنبياءهم" الذين ادعوا الوحي الإلهي بأن الوقت قد اقترب، فلما بدا أن حرب الوراثة الأسبانية تستوعب الأسلحة الفرنسية، شكل الفلاحون جماعات متمردة من "الكاميزا Camisars" الذين ارتدوا القمصان البيض ليميز بعضهم بعضاً في الليل. وفي إحدى المعارك قتلوا الأب شيلا الذي كان يضطهدهم بغيرة شديدة، ففاجأهم فوج من الجند وذبحهم دون تمييز، وهدم بيوتهم وخرب محاصيلهم (1702). وردت بقية منهم على هذا الهجوم بضراوة، إلى أن أقنعتهم بالصلح وسائل فيلار النوفيقية.

ومن بين الهيجونوت الذين سكنوا فرنسا في 1660 والبالغ عددهم 1.500.000، فر نحو 400.000 في العقد الذي تخلله إلغاء مرسوم نانت عبر الحدود المخفورة مغامرين بحياتهم. وعاشت مئات قصص البطولة قرناً بأكمله بعد تلك السنين اليائسة. ورحبت الدول البروتستنتية بالمهاجرين فأفسحت جنيف مكاناً لأربعة آلاف من الهيجونوت برغم أن سكانها لم يزيدوا على ستة عشر ألفاً. وقدم تشالز الثاني وجيمس الثاني المعونة المادية للهيجونوت على الرغم من كثلكتهما، وسهلا استيعابهم في الحياة السياسية والاقتصادية الإنجليزية. واستقبلهم ناخب براندنبورج استقبالاً ودياً حتى أن أكثر من خمس سكان برلين في 1697 كانوا فرنسيين وفتحت لهم هولندا أبوابها وبنت مئات البيوت لإيواء الوافدين وأقرضتهم المال ليقيموا مصالحهم وكفلت لهم كل حقوق المواطنة، وانظم الكاثوليك الهولنديون إلى البروتستنت واليهود في جمع المال إعانة الهيجونوت. ولم يكتف اللاجئون الشاكرون بإثراء الصناعة والتجارة في الأقاليم المتحدة، بل إنهم تطوعوا في الجيوش الهولندية والإنجليزية التي خاضت القتال ضد فرنسا، ورافق بعضهم وليم الثالث أو تبعه إلى إنجلترا ليساعدوه على جيمس الثاني. أما المرشال شومبيرج الكلفني الفرنسي الذي أحرز انتصارات للويس الرابع عشر من قبل فقاد جيشاً إنجليزياً ضد الفرنسيين ومات وهو يهزمهم في معركة البوين (1960). وفي كل بلد من هذه البلاد المضيافة جلب الهيجونوت مهاراتهم في الحرف والتجارة والمال، وأفادت أوربا البروتستنتية كلها من انتصار الكاثوليكية في فرنسا. وشغل صناع الحرير الفرنسيون حياً بأكمله من أحياء لندن، وأصبح المنفيون الهيوجونوت في إنجلترا شراح الفكر الإنجليزي ومترجميه لفرنسا، فمهدوا بذلك لغزو بيكون ونيوتن ولوك للعقل الفرنسي.

واستنكرت قلة من الكاثوليك الفرنسيين سراً تلك المذابح التي رافقت إلغاء المرسوم، وأمدوا كثيراً من الضحايا بالمعونة وقدوا لهم الملجأ خفية. ولكن الكثرة العظمى هللت للقضاء على الهيجونت باعتباره قمة إنجازات الملك، وقالوا أن فرنسا أصبحت الآن، في النهاية، بلداً كاثوليكياً موحداً. وأثنى كبار الكتاب أمثال بوسيه وفنيلون ولافونتين ولابروبير، حتى الأب الجانسني آرنو، على شجاعة الملك في تنفيذ ما خالوه إرادة الأمة. وكتبت مدام دسفينييه تقول "ليس هناك أبدع ولا أروع. ولم يصنع ملك ولن يصنع شيئاً أخلد من هذا(102)". أما لويس نفسه فأسعده أن يكمل-كما خيل إليه-عملاً ثقيلاً ولكنه مقدس. يقول سان سيمون:

"لقد آمن أنه جدد عهد تبشير الرسل الأولين. وكتب الأساقفة المدائح التي تشيد به، وجعل اليسوعيون المنابر تتغنى بالثناء عليه...ولم يكن يسمع غير الإطراء بينما كان الكاثوليك والأساقفة الأتقياء الصادقون يئنون بالروح إذ يرون الكاثوليك السنيين ينحرفون إلى الخطأ، والمهرطقين يسلكون مسلك الطغاة الخوارج، والوثنيين يحاربون الحق والمؤمنين المجاهدين بإيمانهم والشهداء. ولم يستطيعوا أن يطيقوا هذا السيل من الحنث وتدنيس المقدسات(103)".

وكان سان-سيمون وفوبان من الفرنسيين القلائل الذين أدركوا منذ البداية تلك الخسارة الاقتصادية التي ألحقها بفرنسا نزوح هذا العدد الكبير من المواطنين الكادحين. وفقدت كان صناعة نسيجها، وتور ثلاثة أرباع أنوال الحرير فيها. ومن بين الستين مصنعاً للورق في إقليم أنجوموا لم يبقَ سوى ستة عشر، ومن بين 109 متجراً في مدينة ميزيير لم يبق سوى ثمانية، ومن بين أربعمائة مصبغة في تور لم يبق سوى أربع وخمسين(104). واضمحلت ثغور كمرسيليان لفقدها الأسواق في بلاد أصبحت الآن بفضل جهود الهيجونوت وإرشادهم تنتج ما كانت من قبل تستورده من فرنسا. وقضى جزئياً على حركة التعمير الكبرى التي أدخلها كولبير على الاقتصاد الفرنسي، ونزحت الصناعات التي جاهد في سبيل تنميتها في فرنسا لتغذي منافسيها. ولما هبطت إيرادات الدولة من الصناعة هبوطاً حاداً وقعت الحكومة من جديد في أيدي المرابين الذين أنقذها كولبير من براثنهم. وفقدت البحرية الفرنسية تسعة آلاف بحار، والجيش ستمائة ضابط واثني عشر ألف جندي، ولعل نضوب البحرية والجيش على هذا النحو كان من عوامل الهزائم التي أوشكت أن تحطم فرنسا في حرب الوراثة الأسبانية.

كذلك شددت همجية الاضطهاد الرهيبة واستغاثات المهاجرين من عزيمة أوربا البروتستنتية على الاتحاد ضد فرنسا.

على أن إلغاء المرسوم ربما كان معيناً غير مباشر للفنون والعادات ولطائف الحياة في فرنسا. ذلك أن الروح الكلفنية المتشككة في الزينة الصور المنحوتة والمرح الطائش ثبط الفن والأناقة والظرف. ولو أن فرنسا أصبحت بيوريتانية لكانت شذوذاً وخطأ. ولكن إلغاء المرسوم كان كارثة على الدين الفرنسي. لقد لاحظ بيكون من قبل أن مشهد الحروب الدينية كان خليقاً بأن يجعل لوكرتيوس-لو رآه-"سبعة أضعاف ما كان أبيقورية" وإلحاداً(105). "فماذا تراه كان قائلاً الآن؟ لم تبق نقطة توقف للعقل الغالي بين الكاثوليكية والإلحاد. وبينما أفادت البروتستنتية في سويسرا وألمانيا وهولندا وإنجلترا في الإعراب عن التمرد على الكنيسة، لم يبق في فرنسا أداة استنكار كهذه. فوجدت حركة الانتقاض على الرومانية أنه أيسر لها أن تكون شكاكة خالصة من أن تكون بروتستانتية سافرة. وانتقلت النهضة الفرنسية، غير المعوقة من البروتستنتية، رأساً إلى حركة التنوير بعد موت الملك.

الهجرة المبكرة

 
Etching of Fort Caroline.

جنوب أفريقيا

 
The Huguenot Monument of Franschhoek.

أمريكا الشمالية

 
French Huguenot Church in Charleston, SC

بريطانيا وأيرلندا

 
Huguenot weavers' houses at Canterbury


ألمانيا واسكندناڤيا

 
Obelisk commemorating the Huguenots in Fredericia, Denmark

ذكراهم

فرنسا

A number of French churches are descended from the Huguenots, including:

الولايات المتحدة

پروسيا

  • Huguenot refugees in Prussia are thought to have contributed significantly to the development of the textile industry in that country.

أيرلندا

الرمز

 
صليب الهيوگنو

صليب الهيوگنو هو الشعار المميز للهيوگنو (croix huguenote).[2] It is now an official symbol of the Eglise des Protestants reformé (French Protestant church). Huguenot descendants sometimes display this symbol as a sign of reconnaissance (recognition) between them.[بحاجة لمصدر]

انظر أيضاً

الهامش

  1. ^ "Huguenot Half Dollar". Commem.com. Retrieved 2010-08-02.
  2. ^ croix huguenote

للاستزادة

  • Baird, Charles W. "History of the Huguenot Emigration to America." Genealogical Publishing Company, Published: 1885, Reprinted: 1998, ISBN 978-0-8063-0554-7
  • Butler, Jon. The Huguenots in America: A Refugee People in New World Society (1992)
  • Diefendorf, Barbara B. Beneath the Cross: Catholics and Huguenots in Sixteenth-Century Paris (1991) excerpt and text search
  • Gilman, C. Malcolm. The Huguenot Migration in Europe and America, its Cause and Effect (1962)
  • Glozier, Matthew and David Onnekink, eds. War, Religion and Service. Huguenot Soldiering, 1685-1713 (2007)* Kamil, Neil. Fortress of the Soul: Violence, Metaphysics, and Material Life in the Huguenots' New World, 1517-1751 Johns Hopkins U. Press, 2005. 1058 pp.
  • Lachenicht, Susanne. "Huguenot Immigrants and the Formation of National Identities, 1548-1787," Historical Journal 2007 50(2): 309-331,
  • McClain, Molly. "A Letter from Carolina, 1688: French Huguenots in the New World." William and Mary Quarterly. 3rd. ser., 64 (April 2007): 377-394.
  • Mentzer, Raymond A. and Andrew Spicer. Society and Culture in the Huguenot World, 1559-1685 (2007) excerpt and text search
  • Ruymbeke, Bertrand Van. New Babylon to Eden: The Huguenots and Their Migration to Colonial South Carolina. U. of South Carolina Press, 2006. 396 pp
  • Soman, Alfred. The Massacre of St. Bartholomew: Reappraisals and Documents (The Hague: Martinus Nijhoff, 1974)
  • VanRuymbeke, Bertrand and Sparks, Randy J., eds. Memory and Identity: The Huguenots in France and the Atlantic Diaspora, U. of South Carolina Press, 2003. 352 pp.
  • Wijsenbeek, Thera. "Identity Lost: Huguenot Refugees In The Dutch Republic and its Former Colonies in North America and South Africa, 1650 To 1750: A Comparison," South African Historical Journal 2007 (59): 79-102
  • Wolfe, Michael. The Conversion of Henri IV: Politics, Power, and Religious Belief in Early Modern France (1993).

وصلات خارجية