افتح القائمة الرئيسية

إنكشارية

(تم التحويل من الإنكشارية)

لسلسلة روايات عن الإنكشارية من تأليف جري پورنيل، انظر سلاسل الإنكشارية.

الإنكشارية
Janissary
New Soldier
Welt-Galleria T085.jpg
كان يتم اختيار الإنكشارية قبل البلوغ من المسيحيين المقيمين في الأناضول وشبه جزيرة البلقان لضمهم إلى القوات العسكرية العثمانية. من يتمتع منهم بمواهب خاصة، يتلقى قدر من التعليم ليصبح من الطبقة الحاكمة مثل الوزراء والمهندسون، المعماريون، الفيزيائيون والعلماء.
نشطة 1363–1828 (1830 في الجزائر)
الولاء السلاطين العثمانيون
النوع مشاة
الحجم

50,000(1363) 90,000(1520)

140,000(1828)
المقرات الرئيسية[بحاجة لمصدر] أدرنة، إسطنبول
الألوان أحمر وأخضر
الاشتباكات كوسوڤو، نيكوپوليس، أنقرة، ڤارنة، چالديران، موهاكس، ومعارك أخرى
القادة
First مراد الأول
Last مراد الثاني

الإنكشارية (من التركية العثمانية يڭيچرى yeniçeri وتعني "الجندي الجديد"، بالألبانية: Jeniçer، بوسنية: Janičari، بالمجرية: Janicsár، بالكرواتية: Janjičari، بالرومانية: Ieniceri، بالصربية: Јањичари، مقدونية: Јаничари، بالبلغارية: Еничари)، هي كلمة تطلق على مجموعة من الجنود المدربين تدريباً عالياً في عهد الإمبراطورية العثمانية. وقد اشتقت كلمة ”إنكشاري“ في صيغة المفرد من مصطلح تركي معناه ”الجندي الجديد“ (يطلق عليهم ايضاً اليكنجرية أو الينكجرية من Yen بمعنى جديد و Kerry بمعنى عسكر أي العسكر الجديد).

أثار هذا العسكر الجديد فضول المؤرخين، ولاسيما الغربيين منهم، ورأوا فيه أول تنظيم دقيق لفرق المشاة النظامية، أكان في أوربة أم في الجيش العثماني. فقد كان العثمانيون يعتمدون قبل إنشاء هذا العسكر على كتائب متفرقة من المشاة لا ترابط بينها، يجمعها اسم البيّادة بالفارسية، أو اليايا بالتركية. وكان أفرادها من المسلمين الأحرار. ولم تعرف أوربة فرق المشاة النظامية إلا في القرن الخامس عشر، أي بعد قرن من نشأة هذا العسكر.

لم يكن ما رآه الأوربيون هوالجديد الوحيد في ذلك العسكر، فقد رأوا أيضاً ما لم يعهدوه، في بنيته، وطرائق جمعه، وتنظيمه، ودقة عمله، وارتباطه الديني ـ الصوفي.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

فهرست

التسمية

 
إنكشاري، قبل 1657

الانكشارية yeniçeri، أو اليڭيچرى، اسم أطلق على فيالق المشاة النظامية في الجيش التركي العثماني، من منتصف القرن الثامن الهجري/منتصف الرابع عشر الميلادي، وهو التاريخ التقريبي لنشأتها، حتى عام 1242هـ/1826م، وهو تاريخ القضاء عليها، وإحلال فرق أخرى حديثة محلها.

والاسم الأخير يڭيچرى هو الاسم الأصيل لها بالتركية؛ «چرى » تعني العسكر و«يڭي» تعني الجديد. كانت هذه الفرق الدعامة الكبرى التي ارتكز عليها التوسع العثماني في أوربة، وآسيا، وإفريقية، وبها حققت الدولة العثمانية انتصاراتها العسكرية الحاسمة، في المعارك التي خاضتها في معظم الجبهات، والتي أذهلت الأوربيين حتى القرن الثاني عشر للهجرة/الثامن عشر للميلاد وهو القرن الذي ضعف فيه أمرها. [1]


التأسيس

 
تسجيل الصبية للـ دڤشرمه. منمنمة عثمانية من سليمان‌نامه، 1558.[2]
 
إنكشارية يونان - "شبان يونانيون في المسجد" (جان ليون جيروم ، لوحة زيتية، 1865). هذه اللوحة تصور شبانا يونانيين يتم تحويلهم للإسلام ليصبحوا صفوة الجيش التركي، يني سري (أي المجند).

قام أورخان أو أورهان – الذي أسس والده الدولة العثمانية – بتنظيم الإنكشارية باعتبارهم حرساً في أواخر القرن الرابع عشر الميلادي (1326م). وقد تلقى الجنود دروساً في العقيدة الإسلامية كما شُغلت الرتب بالعبيد والأهالي الذين وقع عليهم الاختيار وبعض الأسرى. ثم تطور الإنكشاريون – بحلول القرن الخامس عشر – ليصبحوا من أقوى الوحدات العسكرية الموجودة في العالم. وقد خدموا الحكام العثمانيين حتى عام 1826م حيث ثاروا على السلطان محمود الثاني في الآستانة (استنبول) فقضى عليهم.

من المعروف أن الإنكشارية كانوا عزاباً في عهد السلطان أورخان، ثم سمح لهم السلطان سليم بالزواج بشرط كبر السن، ثم أطلق حق الزواج. وارتبط الإنكشارية بالطريقة الصوفية البكتاشية.

وقد أُخذ هؤلاء العبيد في بادىء الأمر من أسرى الحروب، الذين وقعوا في أيدي العثمانيين، من الأطفال والفتيان النصارى، في أثناء حروبهم مع بيزنطة ومع أوربة الشرقية. ولكن سلاطين بني عثمان لم يلبثوا أن لجؤوا إلى طريقة أخرى لتزويد جيشهم بالجند، فعملوا على جمع الصبية، والفتيان غير المتزوجين من رعاياهم النصارى في شبه جزيرة البلقان وآسيا الصغرى، وتربيتهم التربية المطلوبة، وذلك مقابل ضريبة الجزية، وقد أطلق على طريقة الجمع هذه اسم الدويشرمه Dewshirma، وكانت عملية الجمع هذه تجري كل خمس سنوات، أو أربع، أو ثلاث، وأحياناً كل سنة. ولكن ما لبثت أوقات التجنيد هذه أن تباعدت تدريجياً في القرن الحادي عشر الهجري/السابع عشر الميلادي، وكان آخر أمر بالدويشرمه هو الذي صدر عن السلطان أحمد الثالث عام 1703م ولم ينفذ. وكان عدد المسوقين يختلف من عام إلى آخر، وقد قدر بين 8000 و12000.

وكان هؤلاء المجموعون من القاپي‌قولاري kapıkulları (أي "خدم الباب") يرسلون إلى العاصمة اسطنبول. حيث كان يتم تصنيفهم، فأحسنهم فكراً وجسماً يصطفى ليكون من الإيچ أوغلان İç oğlan أي من غلمان الخدمة الداخلية في سراي السلطان. ويُربّى هؤلاء ويُدرّبون في القصور السلطانية في بورصة، وأدرنة، أو في مدارس القصر الخاصة التي أنشأها السلطان سليمان القانوني (927-974هـ/1520-1566م) في غلطة واصطنبول والمسماة مدارس الإيچ أوغلان ، كانوا يُعلّمون فيها القرآن الكريم، والحديث، والفقه، واللغات التركية والعربية والفارسية، ويُدرَّسون الموسيقى وكيف يتحدثون بطريقة مثقفة ومهذبة، وإلى جانب هذا التعليم، كانوا يُدرّبون على فنون القتال، ولاسيما ركوب الخيل، ورمي النبال، وقذف الرماح. ويدرَّبون كذلك على الخدمة في سراي السلطان، وعلى فنون الإدارة والقيادة، ومنهم كانت تملأ مناصب الدولة العليا.

أما الفريق الثاني من القابي قولاري، وهو أقل مستوى من الناحيتين الفكرية والجسمية، فقد أطلق عليه اسم «أعجمي أوغلان» Acemi oğlan أي "الغلمان الأعاجم". وربما سموا بهذا الاسم لجهلهم التام باللغة التركية، أو لغربتهم عن الدين الإسلامي، وهؤلاء كانوا يتلقون نوعاً آخر من التعليم، يخضعون فيه لتدريب عسكري قاس، وصارم، ودقيق يهدف إلى تعويدهم تحمل مشاق الحرب وشدائدها فمن كان لا يعرف التركية منهم، فإنه يلحق أولاً بخدمة السباهيين الإقطاعيين في الأناضول مدة محدودة. وبعضهم كان يؤجَّر للعمل في الأرض بضع سنوات يتقن إبانها اللغة التركية، ويتشبع بالعادات الإسلامية، ثم يستدعى ثانية إلى اسطنبول.

ومن إسطنبول كان الأعجمي أوغلان يرسلون إلى المدارس المسماة باسمهم، في گاليپولي، وفي أدرنة. وفيها كانوا يدرَّسون أصول الإسلام، ويعطون معلومات ثقافية عامة، وفيها أيضاً، وفي المؤسسات الحربية المختلفة كالطوبخانة (دار المدفعية) والترسانة، كانوا يجرون تدريبهم العسكري التخصصي، ويتعلمون تقنية المدفع، والبندقية، واللغم واستخدام جميع أنواع الأسلحة المعروفة آنذاك، التقليدية والحديثة، وكان مصير أكثر العجمي أوغلان هو الانخراط في أوجاق الانكشارية، حيث يوزعون كل سبع سنوات على الأقسام الثلاثة فيه.

الصفات المميزة

 
الإنكشاريون في مواجهة مع الفرسان الهوسپتاليين أثناء حصار رودس عام 1522.
 
الإنكشاريون في نهاية القرن 17 وبداية القرن 18

امتاز الجنود الإنكشاريون بالشجاعة الفائقة، والصبر في القتال، والولاء التام للسلطان العثماني باعتباره إمام المسلمين، وكان هؤلاء الجنود يختارون في سن صغيرة من أبناء المسلمين الذين تربوا تربية صوفية جهادية، أو من أولاد الذين أسروا في الحروب أو اشتروا بالمال.

وكان هؤلاء الصغار يربون في معسكرات خاصة بهم، يتعلمون اللغة والعادات والتقاليد التركية، ومبادئ الدين الإسلامي، وفي أثناء تعليمهم يقسمون إلى ثلاث مجموعات: الأولى تعد للعمل في القصور السلطانية، والثانية تُعد لشغل الوظائف المدنية الكبرى في الدولة، والثالثة تعد لتشكيل فرق المشاة في الجيش العثماني ، ويطلق على أفرادها الإنكشارية، أي الجنود الجدد، وكانت هذه المجموعة هي أكبر المجموعات الثلاث وأكثرها عددًا.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

التدريب، التسريح والتنظيم

 
كمال أتاتورك يرتدي زي الإنكشارية التقليدي.[3]

كانت الدولة تحرص على منع اتصال الإنكشارية بأقربائهم، وتفرض عليهم في وقت السلم أن يعيشوا في الثكنات، التي لم تكن تحوي فقط أماكن النوم لضباطهم وجنودهم، بل كانت تضم المطابخ ومخازن الأسلحة والذخائر وكافة حاجاتهم المدنية.

وخصصت الدولة لكل "أورطة" من الإنكشارية شارة توضع على أبواب ثكنتها، وعلى أعلامها وخيامها التي تقام في ساحة القتال، وجرت عادة الجنود أن ينقشوا شاراتهم المميزة على أذرعهم وسيقانهم بالوشم، وكانت ترقياتهم تتم طبقًا لقواعد الأقدمية، ويحالون إلى التقاعد إذا تقدمت بهم السن، أو أصابتهم عاهة تقعدهم عن العمل، ويصرف لهم معاش من قبل الدولة. وكانت الدولة تحرّم عليهم الاشتغال بالتجارة أو الصناعة حتى لا تخبوا عسكريتهم الصارمة، وينطفئ حماسهم المشبوب.

ويطلق على رئيس هذه الفئة "أغا الإنكشارية"، وهو يعد من أبرز الشخصيات في الدولة العثمانية، لأنه يقود أقوى فرقة عسكرية في سلاح المشاة، وكان بحكم منصبه يشغل وظيفتين أخريين، فهو رئيس قوات الشرطة في إستانبول، المسئول عن حفظ النظام واستتباب الأمن، وهو في الوقت نفسه عضو في مجلس الدولة.

وكان لرئيس الإنكشارية مقر خاص في إستانبول، ومكاتب في الجهات التي تعمل الفرقة بها، ويختاره السلطان من بين ضباط هذا السلاح، وظل هذا التقليد متبعًا حتى عهد السلطان سليمان القانوني، الذي جعل اختيار رئيس الإنكشارية من بين كبار ضباط القصر السلطاني، وذلك للحد من طغيان هذه الفرقة.

التنظيم

كان أوجاق الانكشارية، في مرحلة تكامله قي القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي يتألف من ثلاثة تشكيلات متداخلة فيما بينها وهي: السغمان (أو السكبان) والجماعات، والبُلُوك. وتتوزع تلك التنظيمات الثلاثة إلى مئة وست وتسعين وحدة. يسمى كل منها أورطة (المركز). وكان أكبر التنظيمات الثلاثة نصيباً من مجموع الأورطات تشكيل الجماعات، إذ كان مؤلفاً من 101 أورطة، في حين يضم البلوك 61 أورطة، ويضم السغمان 34 أورطة. وكانت الحاميات في الإيالات تؤخذ من أورطات الجماعات، وكانت تبقى دائماً في الأماكن والقلاع التي ترسل إليها، ولا تبدل، ولا تغادر أماكنها إلا إذا استدعاها السلطان لتحارب في بقاع أخرى، أو إذا نقلها من مواقعها لصراع حدث في بعضها. أما البلوك، فكان يضم الأورطات التي تكوّن حرس السلطان في أثناء اشتراكه بالقتال، وكان السغمان في بادىء الأمر، فرقة خاصة لصيقة بالسلطان، ثم ضُمّت بعد فتح القسطنطينية إلى الجيش الانكشاري.

التدريب

 
رسم للإنكشارية في أوائل القرن 15، جنتيل بليني الذي رسم أيضا پورتريه للسلطان محمد الثاني.

وقدر عدد الانكشارية في عهد السلطان سليمان القانوني باثني عشر ألفاً وارتفع هذا العدد زمن السلطان مراد الثالث في أواخر القرن السادس عشر إلى عشرين ألفاً. أما عدد أفراد الأورطة الواحدة فقد كان في البدء لا يتجاوز الخمسين، ثم وصل في القرن الثامن عشر، وفي حالة السلم إلى مئة. ووصل في بعض الولايات إلى 300 فرد وقد يرتفع عددهم في حالة الحرب إلى500.

وكانت كل أورطة تقيم في قاعة واحدة هي «الأوضة» وقد استخدم اللفظ الأخير للدلالة على الأورطة. وفي أثناء الحرب، كانت كل أورطة تقيم في خيام خاصة بها. وكان لها شعارها الخاص المرسوم على علمها، وعلى باب أوضتها، بل إن بعض الانكشارية كانوا يشمونه على أذرعهم وسيقانهم.

 
إنكشاري أغا في عام 1768.

وكان على رأس القطعات الانكشارية الثلاث آغا الانكشارية (يني شري آغاسي). وكان شخصية كبيرة في الدولة، فالعسكر الجديد كله في جميع أنحاء الامبراطورية العثمانية تحت إمرته، وهذا العسكر هو أقوى أداة عسكرية دائمة ومنظمة في يد السلطان. وكان الآغا في الوقت نفسه يعمل رئيساً للشرطة في العاصمة اصطنبول. وهو بحكم وظائفه الهامة تلك، كان عضواً في مجلس الدولة الاستشاري «ديوان همايوني»، ويتمتع برتبة وزير، ويتقدم جميع قادة الجيش العثماني، إلا في الأعياد، فيتقدم عليه قائد السباهية والبلوك سلحدار، لأن هاتين المؤسستين كانتا أقدم من مؤسسة الانكشارية. وكان على آغا الانكشارية إذا ما وقعت الحرب أن يقود الأوجاق بنفسه، إذا كان السلطان مشتركاً بالقتال. وفي هذه الحال كان يتقدمه علم أبيض، وقد حلي بالطوخ (ذيل الحصان). وهو شعار تركي، كانت تحلى به رايات الدولة، وكلما ازداد عدد الأطواخ كانت رتبة صاحب الراية أعلى، فالسلطان يسير بتسعة أطواخ مثلاً. أما إذا لم يشترك السلطان بنفسه في القتال، فإنه كان يبعث نائباً عنه ليعمل بأوامر القائد الأعلى الذي يكلفه السلطان قيادة الحملة.

وكان يساعد آغا الانكشارية (السغمان باشي) أي قائد أو رئيس السغمان و«القول كاخياسي» وهو قائد البلوك. وكان السغمان باشي هو المرشح للآغاوية عند شغور هذا المنصب إلا أن السلطان سليم الأول (918-927هـ /1512- 1520م)، الذي تمردت عليه الانكشارية، تجاوزه وعين أحد أفراد بطانته. ولما جاء السلطان مراد الثالث، جعل هذا المنصب من حق السغمان باشي أو القول كاخياسي الذي كان يقوم بكل التعيينات في الأورطات ما عدا رؤساءها، وهو المسؤول عن اقتصاد الأوجاق، ومعه يتشاور الآغا في أهم شؤون الانكشارية، وهو الذي يقود العمليات العسكرية في أثناء المعركة، وكانت تعطى النيابة الأولى عن الآغا في أثناء غيابه لواحد من المساعدين.

وكان لأوجاق الانكشارية مجلس يضم آغا الانكشارية ومساعديه وقادة الفرق الخاصة الثلاث، وهم «الزغارجي» المشرف على كلاب الصيد و«الصاكسونجي» ولها المعنى السابق ذاته و«الطورنجي» مروض البزاة، وكان يطلق على القادة الخمسة ماعدا الآغا «قطر آغالري» أي إن كل واحد منهم ينظر في ترقيته إلى من هو قبله كالقطار.

ودون أولئك القادة الستة، كان هناك عدد من الأمار الآخرين، يشرفون على شؤون مجموع الأوجاق، أما في الأقاليم ومناطق الحدود فقد كان للحاميات أمارها الذين يطلق عليهم «سرحد آغاسي»، وكل حامية من الحاميات قد تضم أكثر من أورطة.

وكان للانكشارية إمامهم الديني، وهو في الوقت نفسه رئيس الأورطة الرابعة والتسعين من الجماعات.

كانت الأورطة الخلية أو النواة التي يتألف منها العسكر الجديد بتشكيلاته الثلاثة. وكان على رأس كل واحدة، مجموعة من القادة قد يصل عددهم إلى سبعة أو ثمانية، ولكل واحد عمل خاص، وألقاب عدد منهم ترتبط بمهمات غذائية إلا أن تلك الألقاب الطعامية لا تنفي بالطبع أنه كان لأولئك القادة أعمالهم العسكرية المهمة، فالرأس الأعلى في الأورطة، كان يطلق عليه اسم الشربجي أي صانع الحساء ورئيس المؤخرة يدعى عشي باشي أي رئيس الطباخين، وهو ضابط الأمن والسجن في الأورطة، ورمزه السكين الكبيرة. ورئيس الحرس يدعى باشي قره قولوقجو أي رئيس مساعدي الطباخ ومن يأتون دونه يدعون بـ «القرة قولوقجو» أي مساعدي الطباخ.

وإلى تلك الرؤوس في الأورطة، فقد كان هناك الأوضه باشي وهو معاون للشربجي والمكلف مراقبة التنظيمات، والإشراف على النظام في أثناء استعراض الأورطة، وفي أثناء العروض العسكرية. و وكيل الخرج وهو المسؤول عن النفقات، والتموين الغذائي. والسقا باشي ويعمل على توفير الماء للأورطة، والكاتب الذي يحفظ القيود والسجلات، والإمام الذي يشرف على الشؤون الدينية للأورطة.

وقد كان رجال كل أورطة، ما عدا أورطات العجمي أوغلان، يصنفون منذ عهد سليمان القانوني في ثلاث فئات، أو درجات، استناداً إلى قدرهم، ومدى ارتباطهم بالخدمة العسكرية الفعلية. وعلى رأس تلك الفئات «الأوتوراق» أي المتقاعدون، الذين جعلتهم إصابتهم في الحرب، أو سنهم الكبيرة غير صالحين للخدمة الفعلية ويرأسهم «الباش إسكي» وهو أقدم جندي في الأورطة، وكان يتمتع باحترام كبير. وإذا ما خلف هؤلاء أولاداً، فإن الدولة كانت تتكفل بتربيتهم ويسمون«فضول خوران» أي أكلة خبز السراي. وكان لهؤلاء الأولاد أمانة سر خاصة تعتني بشؤونهم. ويلي تلك الفئة الفئة الوسطى، وهي فئة المحاربين السابقين أو «عمل مانده» ويختلفون عن المتقاعدين بأنهم أعطوا حق الانسحاب من الخدمة الفعلية لأعمال بطولية قاموا بها، وكانوا يكلفون بعد انسحابهم خدمات خاصة، ويقيمون في اصطنبول ويعملون تحت إمرة آمر السراي مفتشين للقنوات التي تزود العاصمة بالماء. وأدنى الفئات الثلاث هي «الأشكنجي»، وهم العاملون في الخدمة الفعلية تحت إمرة قادتهم المشار إليهم آنفاً.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

قوات الإنكشارية

 
اثنان من السلوقيين، الحرس الخاص من الإنكشارية للسلطان


الأعداد

السنة 1400 1514 1523 1526 1564 1567–68 1574 1603 1609 1660–61 1665 1669 1670 1680
القوة <1,000[4] 10,156[5] 12,000[5] 7,885[5] 13,502[5] 12,798[5] 13,599[5] 14,000[5] 37,627[5] 54,222[5] 49,556[5] 51,437[5] 49,868[5] 54,222[5]

التسليح

 
بنادق الإنكشارية عام 1826.

يخضع أفراد العسكر الجديد خضوعاً تاماً لسلطة قادتهم، فهم الذين يفصلون في الخصومات فيما بينهم، وينزلون بهم العقوبات اللازمة، التي كانت تراوح بين السجن، والجلد بالعصا، والإعدام. ولا يجوز لأي سلطة مدنية أن تقبض على انكشاري أو تعاقبه. ويتقاضى الانكشارية إضافة إلى الطعام، مرتبات نقدية بحسب درجاتهم، وتزاد أجور من قدم منهم خدمات متميزة، كالتطوع لأعمال فدائية مثلاً. وإلى جانب تلك المرتبات النقدية، وما كانوا يتقاضونه من علاوات عند تنصيب سلطان جديد، وفي المناسبات العامة المهمة كالأعياد مثلاً، والمناسبات السلطانية الخاصة(زواج، ولادة، ختان)، فإن الدولة كانت تقدم لهم اللباس والسلاح.

وكانوا يجردون في السلم من السلاح، ولكن كان يسمح لهم في الحرب باختيار الرماح التي تعجبهم. والأسلحة التي كانوا يستخدمونها إما أسلحة تقليدية كالسيف بأنواعه، والرمح بأنواعه، والقوس، والنبال، والحربة، والمقلاع، والسياط، والبلطة، والخنجر، والمخرطة، والمزراق، والمنجل، والدبوس، والترس، والدرع، والخوذة النحاسية أو المصنوعة من الصلب، بأنواعها وغيرها، وإما أسلحة حديثة وهي الأسلحة النارية الصغيرة كالبندقية بأنواعها الكثيرة، (منها البندقية القصيرة والطويلة، والطبنجة، وأمثالها). وقد عرف عن العسكر الجديد أنه كان متمرساً في استخدام جميع أنواع الأسلحة، ولاسيما البندقية بأنواعها.

ديانة الإنكشارية

من المثير للفضول في الجيش الانكشاري ارتباطه بطريقة دينية صوفية هي الطريقة البكتاشية، فقد التحق بالأوجاق بعض كبار دراويشها، وعرف الانكشارية باسم عسكر البكتاشية وأبناء الحاج بكتاش، بل إن الدولة العثمانية أعلنت رسمياً في عام 1000هـ/ 1591م، ضم الطريقة البكتاشية إلى الأورطة التاسعة والتسعين من أورطات الجماعات، وأعطت بيرها (شيخها الأعظم) منصب الشربجي فيها. وكان عمل هؤلاء الدراويش الصلاة لنصرة الدولة والعناية بأسلحتها. وكانوا يسيرون أمام آغا الانكشارية في العروض العسكرية، مرتدين اللون الأخضر، يتقدمهم رئيسهم مردداً بأعلى صوته «كريم الله» ويلبي الآخرون من ورائه «هو».

دور الإنكشارية

 
لوحة زيتية تصور دورية إنكشارية تجوب شوارع سميرنا بريشة ألكسندر - جابرييل ديكامب في 1828

عرف الإنكشاريون بكفايتهم القتالية ووفرتهم العددية، وضراوتهم في الحرب والقتال، وكانوا أداة رهيبة في يد الدولة العثمانية في حروبها التي خاضتها الدولة في أوروبا وآسيا وإفريقيا، وكان لنشأتهم العسكرية الخالصة وتربيتهم الجهادية على حب الشهادة واسترخاص الحياة أثر في اندفاعهم الشجاع في الحروب واستماتتهم في النزال، وتقدمهم الصفوف في طليعة الجيش، وكانوا يأخذون مكانهم في القلب، ويقف السلطان بأركان جيشه خلفهم. وقد استطاعت الدولة العثمانية بفضل هذه الفرقة الشجاعة أن تمد رقعتها، وتوسع حدودها بسرعة، ففتحت بلادًا في أوروبا كانت حتى ذلك الوقت خارج حوزة الإسلام.

وقد أشاد المؤرخون الغربيون بهذه الفرقة باعتبارها من أهم القوات الرئيسية التي اعتمدت عليها الدولة في فتوحاتها، فيقول "بروكلمان" المستشرق الألماني: "إن الإنكشارية كانوا قوام الجيش العثماني وعماده". ويضيف المؤرخ الإنجليزي "جرانت" بأن المشاة الإنكشارية كانوا أكثر أهمية من سلاح الفرسان، وكان مصير أو مستقبل الدولة العثمانية يعتمد إلى حد كبير على الإنكشارية.

المعارك

 
إنكشاري، پاشا وبطاريات مدافع أثناء حصار إسترگوم عام 1543.
 
مأدبة (سفران‌پيلاڤ) للإنكشارية، يقيمها السلطان. إذا رفضوا الوجبة، فذلك يعني عدم رضاهم عن السلطان. في حاله هذه الصورة فقد قبلوا الدعوة. منمنمة عثمانية، من صورنامه وهبي (1720) في متحف Topkapı Palace في اسطنبول.


الثورات والتسريح

كان هم السلاطين الأول تركيز انتباه الانكشارية على واجباتهم الأساسية وهي الحرب، وحفظ الأمن والنظام، ولذلك منع الانكشارية الزواج والاستقرار الأسري. كما أصدرت الدولة فرماناً حرم عليهم تماماً الانخراط في صفوف المهن، وكي لا يقوم أي احتكاك بينهم وبين فئة الصناع والتجار، سعت لتوفير كل ما يلزمهم مباشرة، وألحقت بالأورطات المقيمة في العاصمة، وتلك المرسلة إلى الولايات، عدداً من الاختصاصيين بمختلف الصناعات التي يحتاجون إليها. وينقطع هؤلاء عادة عن صلتهم بأصنافهم (نقاباتهم) الأصلية، ويكوّنون أخرى تحت لواء الأوجاق. ومع أنهم ليسوا جزءاً من بنية الأوجاق، فإنهم تمتعوا على ما يبدو، ببعض امتيازات أعضائه، كمنع توقيفهم أو معاقبتهم من قبل السلطات المدنية.

طغيان الإنكشارية

غير أن هذه الأهمية الكبيرة لفرقة الإنكشارية تحولت إلى مركز قوة نغص حياة الدولة العثمانية، وعرضها لكثير من الفتن والقلاقل، وبدلاً من أن ينصرف زعماء الإنكشارية إلى حياة الجندية التي طُبعوا عليها –راحوا يتدخلون في شؤون الدولة، ويزجون بأنفسهم في السياسة العليا للدولة وفيما لا يعنيهم من أمور الحكم والسلطان؛ فكانوا يطالبون بخلع السلطان القائم بحكمه ويولون غيره، ويأخذون العطايا عند تولي كل سلطان جديد، وصار هذا حقًا مكتسبًا لا يمكن لأي سلطان مهما أوتي من قوة أن يتجاهله، وإلا تعرض للمهانة على أيديهم.

وقد بدأت ظاهرة تدخل الإنكشارية في سياسة الدولة منذ عهد مبكر في تاريخ الدولة، غير أن هذا التدخل لم يكن له تأثير في عهد سلاطين الدولة العظام؛ لأن هيبتهم وقوتهم كانت تكبح جماح هؤلاء الإنكشاريين، حتى إذا بدأت الدولة في الضعف والانكماش بدأ نفوذ الإنكشاريين في الظهور، فكانوا يعزلون السلاطين ويقتلون بعضهم، مثلما فعلوا بالسلطان عثمان الثاني حيث عزلوه عن منصبه، وأقدموا على قتله سنة (1032هـ=1622م) دون وازع من دين أو ضمير، وفعلوا مثل ذلك مع السلطان إبراهيم الأول ، فقاموا بخنقه سنة (1058هـ=1648م)، محتجين بأنه يعاديهم ويتناولهم بالنقد والتجريح، وامتدت شرورهم إلى الصدور العظام بالقتل أو العزل.

ولم يكن سلاطين الدولة في فترة ضعفها يملكون دفع هذه الشرور أو الوقوف في وجهها، فقام الإنكشاريون بقتل حسن باشا الصدر الأعظم على عهد السلطان مراد الرابع سنة (1042هـ=1632م)، وبلغ من استهتارهم واستهانتهم بالسلطان سليم الثاني أن طالبوه بقتل شيخ الإسلام والصدر الأعظم وقائد السلاح البحري، فلم يجرؤ على مخالفتهم، فسمح لهم بقتل اثنين منهم، واستثنى شيخ الإسلام من القتل؛ خوفًا من إثارة الرأي العام عليه.

أن المصادر الأوربية والإسلامية أجمعت، على أن العسكر الجديد كان قوام الجيش العثماني وعماده، وكان متفوقاً على أي جيش معروف في القرن السادس عشر بتنظيمه الدقيق، وتمرس جنوده باستخدام جميع أنواع الأسلحة المعروفة في عصره، ومهارتهم بصفة خاصة في الرمي بالأسلحة النارية الحديثة، وصبرهم على المشاق وشجاعتهم.

ثم لحق الفساد بهذا العسكر وكان هذا عاملاً رئيساً في ضعف الدولة العثمانية المتدرج. وتبدى هذا الفساد في مظاهر كثيرة قد يكون من أبرزها وأخطرها مظهران:

الأول: طغيان جند هذا العسكر وبغيهم، وإساءاتهم إلى السكان المدنيين في العاصمة والولايات، واستغلالهم أي مناسبة للسلب والنهب، وفرض ضرائب جديدة واقتحام البيوت، وهتك الأعراض، والاستيلاء على الأرض ومحاصيلها، حتى على الأوقاف، بكل الوسائل غير المشروعة، ولاسيما في الولايات.

الثاني: تمرد هذا العسكر وثوراته المستمرة على الدولة والسلطان، في العاصمة والولايات، ومن ثم تسلطه على شؤون السلطنة. فقد عمل على خلع السلاطين وقتلهم، والإتيان بغيرهم، والتمرد على أوامرهم، وكذلك فعل بكبار رجال الدولة، كالصدر الأعظم، والمفتي، والدفتردار، والوالي وغيرهم، والمتتبع لتاريخ الدولة العثمانية منذ مطلع القرن العاشر الهجري حتى الثلث الأول من القرن الثالث عشر للهجرة أي من مطلع القرن السادس عشر حتى الربع الأول من القرن التاسع عشر، يرى أنه لم يخل عهد أي سلطان مهما عرف بقوته، وحزمه، من تمرد انكشاري. فهم على سبيل المثال لا الحصر، كانوا وراء خلع السلطان بيازيد الثاني وتولي السلطان سليم الأول، ومع ذلك رفضوا التقدم معه شرقاً بعد معركة جلديران التي انتصر فيها السلطان سليم على الشاه إسماعيل الصفوي (1541م) وهم الذين خلعوا السلطان عثمان الثاني وقتلوه، وكذلك فعلوا بإبراهيم الأول، وسليم الثالث ومصطفى الرابع وسليمان الثالث وأحمد الثالث وغيرهم. وهم الذين قتلوا الصدور الأعاظم في عهد مراد الرابع والأمر ذاته يلاحظ في الولايات، فتحركات الانكشارية وفتنهم غطت كل الحياة السياسية فيها.

وأمام ذلك الفساد، وما أوجده من تبلبل في حياة الدولة، وما سببه من هزائم عسكرية لها أمام القوى الأوربية، قرر السلطان سليم الثالث (1789-1807) إصلاح الجيش العثماني، والتخلص من تحكم الانكشارية بإدخال ما سمي النظام الجديد أي إعادة تنظيم الفرق العسكرية العثمانية، وتطوير أسلحتها، وتدريبها على النمط الأوربي الحديث. وخشي الانكشارية من هذا الإصلاح على وجودهم، فثاروا وخلعوا السلطان وقتلوه، وأتبعوه بمصطفى الرابع. ولمّا أظهر السلطان محمود الثاني (1808-1839م) تصميمه القاطع على إدخال النظام الجديد، تصدى له الانكشارية مرة أخرى، إلا أن السلطان استعان بالقوات العسكرية المؤمنة بالإصلاح، وبالسلطات الدينية وبالشعب ذاته، ولاسيما بعد أن أشعل الانكشارية النار في العاصمة، وسلبوا ونهبوا، فحاصرهم في ثكناتهم في اصطنبول، وضربهم بالمدفعية في «الوقعة الخيرية» كما سميت، وذلك في 10 ذي القعدة 1241هـ /16 حزيران 1826م، فقتل منهم الكثير. وأصدر السلطان فرماناً بإلغاء الفيالق الانكشارية إلغاءً كلياً، وإنشاء جيش جديد وفق النظم الأوربية الحديثة وأتبعه بفرمان آخر حل به الطريقة البكتاشية، وأمر بهدم تكاياها، لأنها كانت عوناً لهم.

أما أسباب فساد الجيش الانكشاري فهي كثيرة، بعضها اقتصادي، وبعضها نفسي، وبعضها إداري وسياسي، وقد يكون من أهمها:

ـ شعور هذا العسكر بقوته ونفوذه، وبأنه عماد الجيش العثماني من دون منازع، ولاسيما بعد ضعف الفرق الإقطاعية. فتنمر هذا العسكر واجترأ على الدولة والسلطان بتدخلاته السياسية ومطالبه الكثيرة.

ـ تلكؤ الفتوحات العثمانية النسبي منذ النصف الثاني من القرن العاشر الهجري/السادس عشر الميلادي، مما قلل من غنائم العسكر الانكشاري الحربية من ناحية، ومن فرص انصرافه إلى الحرب والقتال اللذين رَبيَ عليهما ولهما من ناحية ثانية.

ـ الأزمات الاقتصادية التي كانت تصيب الدولة بين حين وآخر، سواء أكانت خاصة بها، أم ذات منشأ عالمي، مما كان يضعف دخلها، فتتأخر في تسليم رواتب الجند، أو تخفض من قيمة النقد، فيلحق السوء بالجند الانكشاري، الذي يتقاضى أجوره نقداً. ومن ثم كان يسعى بكل الوسائل لسد حاجاته الاقتصادية بالسلب والنهب وابتزاز الأهالي والتسلط والثورة.

ـ التفكك الذي أصاب بنيته الأولى الناجم بصفة خاصة عن الخلل في نظام الدويشرمه وما يتبعه من تربية عسكرية نموذجية، فآباء الغلمان النصارى أخذوا يفتدون أولادهم بشتى السبل، فأخذ يدخل في الجيش عناصر متنوعة مسلمة، وبيزنطية، ويهودية، وكلها كانت تلحق بالأورطات مباشرة، من دون أن تخضع للتدريب والتعليم المشار إليهما آنفاً. وقد لجأ بعض السلاطين أنفسهم إلى هذا الحل، ليزيدوا من عدد الجند، لحاجتهم القتالية من ناحية، وليخففوا من غلواء الانكشارية، وهذا ما فعله السلطان مراد الثالث (1574-1595م)، حتى إن عدد الانكشارية في نهاية عهده تضاعف تقريباً، وهذا ما أثقل على الخزينة، مما دفع الدولة إلى تخفيض قيمة النقد الفضي، الذي هبطت قيمته أيضاً من تدفق الفضة من القارة الأمريكية، مما أدى إلى تدني قيمة مخصصات الجند، وكان هذا عاملاً رئيساً في ثوراتهم المتكررة. ولما جاء السلطان مراد الرابع (1623- 1640م) أوقف نظام الدويشرمه. ومع أن الدولة عادت إليه بعد ذلك، فإنه تضاءل تدريجياً حتى زال تماماً في مطلع القرن الثامن عشر. ولم يعد يقبل في العسكر الانكشاري إلا مسلمون أحرار. وهؤلاء تمردوا على أمرين مهمين كانا من عوامل بأس هذا العسكر، فألغوهما، وهما: عدم الزواج، وعدم السماح بممارسة أعمال الصناعة والتجارة. وهكذا لم يعد الانكشارية يعيشون في ثكناتهم وهمهم القتال، وإنما انصرفوا إلى أعمال التجارة والصناعة ليزيدوا من دخلهم، وليملؤوا أوقات فراغهم. وأخذ المتنفذون في الدولة يدخلون خدمهم وأتباعهم في هذا العسكر ليستفيدوا من امتيازاته، وقد أحلّوهم محل أفراد قادرين على القتال، إنما أحيلوا على التقاعد ليأخذ هؤلاء أماكنهم. ولم تلبث الدولة نفسها، لحاجتها في حروبها إلى مزيد من الجند، أن أدخلت في هذا العسكر عناصر لا تدفع لهم أجوراً إلا في حال الحرب. وقد رضي هؤلاء بوضعهم هذا لاستفادتهم من الامتيازات الأخرى للانكشارية، كما رضي به الانكشارية أنفسهم، لأن هذا يزيد من عددهم ويجعلهم أشد بأساً وقدرة على فرض إرادتهم على الدولة.

محاولات الإصلاح

 
الإنكشاريون في أواخر أيامهم

لما ضعفت الدولة العثمانية وحلت بها الهزائم، وفقدت كثيرًا من الأراضي التابعة لها، لجأت إلى إدخال النظم الحديثة في قواتها العسكرية حتى تساير جيوش الدول الأوروبية في التسليح والتدريب والنظام، وتسترجع ما كان لها من هيبة وقوة في أوروبا، وتسترد مكانتها التي بنتها على قوتها العسكرية. لكن الإنكشارية عارضت إدخال النظام الجديد في فيالقهم، وفشلت محاولات السلاطين العثمانيين في إقناعهم بضرورة التطوير والتحديث، ولم تنجح محاولات الدولة في إغرائهم للانضمام إلى الفرق العسكرية الجديدة، وقبول المعاش الذي تقرره الدولة لمن يرفض هذا النظام.

ولم يكتف الإنكشاريون بمعارضة النظام الجديد، بل لجئوا إلى إعلان العصيان والقيام بالتمرد في وجوه السلاطين والصدور العظام، ونجحوا في إكراه عدد من السلاطين على إلغاء هذا النظام الجديد.

إلغاء الإنكشارية

بعد تولي السلطان محمود الثاني سلطنة الدولة العثمانية سنة (1223هـ=1808م) رأى تطوير الجيش العثماني وضرورة تحديثه بجميع فرقه وأسلحته بما فيها الفيالق العسكرية، فحاول بالسياسة واللين إقناع الإنكشارية بضرورة التطوير وإدخال النظم الحديثة في فرقهم، حتى تساير باقي فرق الجيش العثماني، لكنهم رفضوا عرضه وأصروا واستكبروا استكبارًا.

وكان محمود الثاني ذا عزيمة شديدة، ودهاء عظيم، فحاول أن يلزم الإنكشارية بالنظام والانضباط العسكري، وملازمة ثكناتهم في أوقات السلم، وضرورة المواظبة على حضور التدريبات العسكرية، وتسليحهم بالأسلحة الحديثة، وعهد إلى صدره الأعظم مصطفى باشا البيرقدار بتنفيذ هذه الأوامر. غير أن هذه المحاولة لم تنجح وقاوموا رغبة السلطان وتحدوا أوامر الصدر الأعظم، وقاموا بحركة تمرد واسعة وثورة جامحة كان من نتيجتها أن فقد الصدر الأعظم حياته في حادث مأسوي.

لم تنجح محاولة السلطان الأولى في فرض النظام الجديد على الإنكشارية، وصبر على عنادهم، وإن كانت فكرة الإصلاح لم تزل تراوده، وازداد اقتناعًا بها بعد أن رأى انتصارات محمد علي المتتابعة، وما أحدثته النظم الجديدة والتسليح الحديث والتدريب المنظم في جيشه، وطال صبر السلطان ثمانية عشر عامًا حتى عزم مرة أخرى على ضرورة إصلاح نظام الإنكشارية؛ فعقد اجتماعًا في (19 من شوال 1241هـ=27 من مايو 1826م) في دار شيخ الإسلام، حضره قادة أسلحة الجيش بما فيهم كبار ضباط فيالق الإنكشارية، ورجال الهيئة الدينية وكبار الموظفين، ونوقش في هذا الاجتماع ضرورة الأخذ بالنظم العسكرية الحديثة في الفيالق الإنكشارية، ووافق المجتمعون على ذلك، وتلي مشروع بإعادة تنظيم القوات الإنكشارية، وأصدر شيخ الإسلام فتوى بوجوب تنفيذ التعديلات الجديدة، ومعاقبة كل شخص تسول له نفسه الاعتراض عليها.


غير أن الإنكشارية لم يلتزموا بما وافق عليه الحاضرون في هذا الاجتماع؛ فأعلنوا تمردهم وانطلقوا في شوارع إستانبول يشعلون النار في مبانيها، ويهاجمون المنازل ويحطمون المحلات التجارية، وحين سمع السلطان بخبر هذا التمرد عزم على وأده بأي ثمن والقضاء على فيالق الإنكشارية، فاستدعى السلطان عدة فرق عسكرية من بينها سلاح المدفعية الذي كان قد أعيد تنظيمه وتدريبه، ودعا السلطان الشعب إلى قتال الإنكشارية.

وفي صباح يوم (9 ذي القعدة 1240هـ=15 يونيو 1886م) خرجت قوات السلطان إلى ميدان الخيل بإستانبول وكانت تطل عليه ثكنات الإنكشارية، وتحتشد فيه الفيالق الإنكشارية المتمردة، ولم يمض وقت طويل حتى أحاط رجال المدفعية الميدان، وسلطوا مدافعهم على الإنكشارية من كل الجهات، فحصدتهم حصدًا، بعد أن عجزوا عن المقاومة، وسقط منهم ستة آلاف جندي إنكشاري.

وفي اليوم الثاني من هذه المعركة التي سميت بـ"الواقعة الخيرية" أصدر السلطان محمود الثاني قرارًا بإلغاء الفيالق الإنكشارية إلغاءً تامًا، شمل تنظيماتهم العسكرية وأسماء فيالقهم وشاراتهم، وانتهى بذلك تاريخ هذه الفرقة التي كانت في بدء أمرها شوكة في حلوق أعداء الدولة العثمانية.

نهاية الإنكشارية

لاحظ الإنكشارية عام 1826 أن السلطان محمود الثاني كان يعمل على تشكيل جيش جديد. ويرى البعض ان السلطان كان قد حرضهم على الثورة بشكل متعمد. وفي وسط يونيو عام 1826، ثار الإنكشارية، ولكن هذه المرة كان معظم الجيش والسكان ضدهم. قامت وحدة الفرسان المخلصة للسلطان (سپاهی) بإجبار الإنكشارية على التقهقر إلى مساكنهم وقصفت المدفعية القذائف إلى تلك المساكن مسببة إصابات بالغة وجسيمة. وتم إعدام الناجين أو نفيهم، وبعد عامين قام محمود الثاني بمصادرة آخر ممتلكات الإنكشارية.

الانكشارية في الولايات العربية

لا تخرج أحوالها عما ذكر سابقاً. فالدولة العثمانية زودت كل ولاية من الولايات العربية، كما هي الحال في الولايات الأخرى، بقوات عسكرية لتضمن سيطرتها عليها، والدفاع عنها، وإقرار الأمن والنظام فيها. وكانت هذه القوات العسكرية تتكون بصورة عامة من أوجاقين أساسيين:أوجاق من الفرسان (السباهية)، وكان هؤلاء في الولايات الإقطاعية، من الإقطاعيين، وأوجاق المشاة وهو على الأغلب من الانكشارية. ولكل أوجاق آغاه، وكخياه، ودفترداره والجميع تعينهم السلطة المركزية مباشرة. وسلطة الوالي على تلك القوات يحددها القانون نامه في كل ولاية، ويبين واجبات كل أوجاق وقائده. وكان أوجاق الفرسان لا يقيم في العادة في المدن وإنما في الأرياف في حين كان أوجاق المشاة يوزع على حاميات المدن الكبيرة والصغيرة في كل ولاية. وهذه الحاميات كانت تقيم في القلاع والحصون، ويراوح عدد أفراد الحامية بحسب حجم المدينة بين300-3000 من الجنود. وكانت العساكر الانكشارية هي التي تمثل في الواقع سلطة السلطان حتى إن طائفة الانكشارية في مصر، وكانت تدعى المستحفظان، وهي واحدة من سبع طوائف في هذا القطر، عرفت بطائفة السلطان. ويلخص عمل هذه الحاميات بحراسة المدينة بأسوارها وأبوابها، وحفظ الأمن فيها،أي إنها كانت بخدمة الشرطة فيها، كما كان عليها حراسة القوافل ولاسيما قوافل الحجيج حيث وجدت، وحراسة المال المرسل من الولاية إلى خزينة الدولة في أثناء انتقاله، والقضاء على ما يمكن أن ينجم من اضطرابات في الولاية، أي الاشتراك في حملات الوالي، وكذلك الاشتراك في حملات السلطان أياً كانت جبهاتها، إذا ما استدعاها السلطان لهذا الغرض. وكانت هذه الحاميات ثابتة في مراكزها، لا تغير إلا نادراً. وهذا ما جعلها تستقر، وتصاهر السكان المحليين، ولذلك كان ينخرط في صفوفها أعداد من هؤلاء السكان، ولاسيما بعد أن فتح الباب للمسلمين الأحرار. واتجه أفرادها، وعمليات القتال محدودة، إلى دخول ميداني الصناعة والتجارة، ولذلك غدت كأنها من أهل البلاد، حتى أطلق عليها، كما في ولاية الشام اسم الجند الشامي واليرلية أي المحلية.

وتاريخ العسكر الانكشاري في الولايات العربية لا ينسجم أبداً والمهمات التي أوكلت إليه، من حفظ للأمن والنظام فيها، وإنما ينطبق عليه كل ما ذكر في فقرتي فساد الانكشارية. فقد كونوا في جميع الولايات العربية من دون استثناء مركز قوة خطيراً، وعملوا بكل الوسائل غير المشروعة للحصول على مكاسب مادية، على حساب سكان الولايات، وللقبض على السلطة، والتمرد على الولاة وطردهم، وقتلهم، بل التآمر مع أعداء الدولة (كما فعل بكر الصوباشي في ولاية بغداد عام 1032هـ/ 1622- 1623م) ولم يبذلوا الجهد العسكري المطلوب منهم لقمع ثورات الأمراء المحليين، كثورتي فخر الدين المعني وعلي جنبلاط في بلاد الشام على سبيل المثال.

ويمكن تلخيص وضعهم في بلاد الشام بأنهم عاثوا فساداً، ومع أنهم كونوا مع الزمن من مصاهرتهم السكان، ودخولهم في الصناعة والتجارة، طبقة من الأعيان المحليين (اليرلية) توافقت مصالحها ومصالح الفئة العليا من الأهالي، وأخذت على عاتقها مقاومة الانكشارية الجديدة «القبقول» التي بعثها السلطان لتتسلم مهامها، وتحد من سلطتها، وكانت أشد سوءا منها، ونجحت إلى حين في طردها، فإنها ظلت مركز شغب وإقلاق، حتى إن صفة انكشاري لا تزال حتى يومنا هذا، تعني على لسان العامة الإنسان الفاسد المتسلط الذي لا هم له سوى الابتزاز والنهب والتمرد.

ولم تكن الانكشارية في ولاية حلب أفضل مما كانت عليه في ولاية الشام فقد وقعت هناك في صراع مع الأشراف لم ينته إلا بالقضاء على الانكشارية من قبل الدولة.

أما في مصر، فمع أن مركز القوة كان ممثلا في طوائف السباهية (الفرسان)، ولاسيما طائفة المماليك الشركسية، وهم الذين كانوا وراء إرهاب الأرياف بالسلب والتسلط وفرض الضرائب دون حق، والبغي والتمرد على الولاة وقتلهم، والقبض على السلطة، فإن الانكشارية أدلوا هم الآخرون بدلوهم في الصراعات العسكرية وخاصة في المدة بين 1675 و1711م، وكانوا وراء الفتنة الكبرى التي جرت عام 1123هـ / 1711م.

وفي الجزائر، وتونس، وطرابلس الغرب، أدى الانكشارية الدور الأول في حياتها السياسية، فقد تمكن أوجاق الانكشارية في الجزائر (والانكشارية في هذه الولاية ليسوا من أصل مسيحي كما كانت حال الانكشارية في القرن السادس عشر وإنما جمعوا من مسلمي الأناضول) أن يسيطر على الحكم، وأن يحل أحدهم (الداي) محل الباشا، وفي تونس، تمكّن العسكر العثماني، بعد صراع بين الانكشارية والصبائحية (السباهية) من الاستيلاء على السلطة أيضاً، والأمر مشابه في طرابلس الغرب.


موسيقى الإنكشارية

 
الإنكشارية يتهادون على أنغام مختر العسكرية التي تلعبها جوقة مختران. المنمنمة العثمانية، من صورنامه وهبي (1720) في متحف قصر طوپ‌قپو في اسطنبول.

الثقافة العامة

In the video game Assassin's Creed: Revelations, the Janissaries are depicted wearing a gold face mask and dressed in ornate green robes. In reality, however, they dressed in white, and were forced to grow mustaches, but forbidden to grow beards. This contradicts the Muslim tradition of shaving mustaches and growing beards and was done in order to make the Janissaries feel like outsiders.

انظر أيضاً

المصادر

هوامش

  1. ^ ليلى الصباغ. "الانكشارية". الموسوعة العربية. Retrieved 2012-06-18.
  2. ^ Nasuh, Matrakci (1588). "Janissary Recruitment in the Balkans". Süleymanname, Topkapi Sarai Museum, Ms Hazine 1517.
  3. ^ The Janissaries and the Ottoman Armed forces
  4. ^ خطأ استشهاد: وسم <ref> غير صحيح؛ لا نص تم توفيره للمراجع المسماة Nicolle9
  5. ^ أ ب ت ث ج ح خ د ذ ر ز س ش Agoston, p. 50

المراجع

  • محمد فريد بك: تاريخ الدولة العلية العثمانية– تحقيق إحسان حقي– دار النفائس– بيروت– 1983م.
  • محمد فؤاد كوبريللي: قيام الدولة العثمانية– ترجمة أحمد السعيد سليمان– الهيئة المصرية العامة للكتاب– القاهرة– 1993م.
  • عبد العزيز محمد الشناوي: الدولة العثمانية دولة إسلامية مفترى عليها– مكتبة الأنجلو المصرية– القاهرة– 1986م.
  • يلماز أوزتونا: تاريخ الدولة العثمانية– منشورات مؤسسة فيصل للتمويل– إستانبول– 1988م
  • عبد الكريم رافق، العرب والعثمانيون 1516- 1916 (دمشق 1974).
  • ليلى الصباغ، «الجديد في العسكر الجديد»، مجلة الفكر العسكري، السنة الرابعة، العددان الثالث و الرابع (دمشق 1976).
  • نوفان رجا الحمود، العسكر في بلاد الشام في القرنين السادس عشر والسابع عشر للميلاد (دار الآفاق الجديدة، بيروت 1981م).

إسلام أون لاين: الإنكشارية.. بداية محمودة ونهاية مفروضة       تصريح

  • الانكشارية.. بداية محمودة ونهاية مفروضة
  • الانكشارية من موقع الازهر
  • Agoston, Gabor. Barut, Top ve Tüfek Osmanlı İmparatorluğu'nun Asker Gücü ve Silah Sanayisi, ISBN 975-6051-41-8.
  • Goodwin, Godfrey (2001). The Janissaries. UK: Saqi Books. ISBN 978-0-86356-055-2
  • Goodwin, Jason (1998). Lords of the Horizons: A History of the Ottoman Empire. New York: H. Holt ISBN 0-8050-4081-1
  • Jelavich, Barbara (1983). History of the Balkans, 18th and 19th Centuries. New York: Cambridge University Press. ISBN 0-521-27458-3
  • Kinross, Patrick (1977). The Ottoman Centuries: The Rise and Fall of the Turkish Empire London: Perennial. ISBN 978-0-688-08093-8
  • Nicolle, David (1995). The Janissaries. London: Osprey Publishing. ISBN 978-1-85532-413-8
  • Shaw, Stanford J. (1976). History of the Ottoman Empire and Modern Turkey (Vol. I). New York: Cambridge University Press. ISBN 978-0-521-29163-7
  • Shaw, Stanford J. & Shaw, Ezel Kural (1977). History of the Ottoman Empire and Modern Turkey (Vol. II). New York: Cambridge University Press. ISBN 978-0-521-29166-8
  • Uzunçarşılı, İsmail (1988). Osmanlı Devleti Teşkilatından Kapıkulu Ocakları: Acemi Ocağı ve Yeniçeri Ocağı. Ankara: Türk Tarih Kurumu. ISBN 975-16-0056-1
  • تحوي هذه المقالة معلومات مترجمة من الطبعة الحادية عشرة لدائرة المعارف البريطانية لسنة 1911 وهي الآن من ضمن الملكية العامة.


وصلات خارجية