الفرزدق، شاعر من شعراء العصر الأموي واسمه همام بن غالب بن صعصعة الدارمي التميمي وكنيته أبو فراس وسمي الفرزدق لضخامة وتجهم وجهه ومعناها الرغيف، ولد الفرزدق في كاظمة لبني تميم، اشتهر بشعر المدح والفخر وشعر الهجاء.
حياته
ولد الفرزدق عام 38 للهجرة في كاظمة (الكويت حالياً)، وهو حفيد صعصعة بن ناجية التميمي الذي اشتهر بافتداء الموءودات من قومه في الجاهليّة، وأدرك الإسلام وكان كريماً جواداً، أمّا أبوه غالب فقد وفد على عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه، فسأله: «ما فعلت إبلك الكثيرة؟ فأجاب: ذعذعتها الحقوق وأذهبتها الحمالات والنوائب يا أمير المؤمنين. قال: ذاك أحمد سبيلها». وكان لذلك أثر عميق في نفسيّة الفرزدق؛ فاعتدّ بآبائه وبعشيرته وقبيلته، وظلّ متمسّكاً بمآثرهم وكرمهم المسرف، فحين باع إبلاً له في المربد نثر أموالها على الناس، وأجار على قبر أبيه كشأن أجداده الجاهليين، كما نحر ناقته على قبر صديقه بشر بن مروان، ونشأ الفرزدق ذرب اللسان لا يوفّر في الهجاء قريباً أو غريباً، وأسرف في هجاء بني فُقيم لأنّهم قبلوا الدية، فقال[1]:
لقد آبت وفود بني فقيم
بآلمِ ما تؤوب به الوفودُ
فاشتكوا منه إلى زياد بن أبيه، فطلبه، وخافه الفرزدق، فهرب من العراق قاطعاً البادية، واستجار بسعيد ابن العاص والي المدينة، فأجاره وأمّنه، ومدحه بقصائد بديعة منها:
ترى الغرّ الجحاجح من قريش
إذا ما الأمر في الحدثان غالا
قياماً ينظرون إلى سعيدٍ
كأنّهمُ يرون به هلالا
وسمعه الحطيئة وهو ينشد هذه القصيدة فقال: «هذا والله الشعر لا ما نُعلَّل به منذ اليوم!» وهان عليه تعرّضه لليث ضارٍ مقارنة بخوفه من زياد حيث يقول:
فلأنتَ أهون من زيادٍ جانباً
اذهبْ إليك مُخرِّم الأسفارِ
ولمّا بلغ زياداً قوله هذا رقّ له وقال: لو أتاني لآمنته وأعطيته. فقال الفرزدق:
دعاني زيادٌ للعطاء ولم أكن
لآتِيَهُ ما ساق ذو حَسَبٍ وَفْرا
وانغمس في اللهو والاختلاف إلى دور القيان، وحينما ولي مروان بن الحكم المدينة، وكانت فيه شدّة على أصحاب اللهو ترك الفرزدق المدينة إلى مكّة، وبلغه نعي زياد فمضى إلى البصرة، ومدح عبيد الله بن زياد فأوسع له في مجالسه، ثمّ أتت فترة عبد الله ابن الزبير.
وكانت النوّار بنت أعين بن صعصعة عمّ الفرزدق قد ولّته أمرها كي يزوّجها من رجل، فلمّا توثّق من توليتها وأشهد عليها الشهود تزوّجها خدعة، فرحلت إلى الحجاز، واستجارت بخولة بنت منظور الفزاريّة زوج عبد الله بن الزبير، فنزل الفرزدق على بني عبد الله بن الزبير، فاستنشدوه واستحدثوه، ثمّ شفعوا له عند أبيهم، فجعل يشفعهم في الظاهر حتّى إذا صار إلى خولة قلبته عن رأيه، فمال إلى نوار، فقال الفرزدق:
أمّا بنـوه فلم تُقبلْ شـفاعتُـهم
وشُفّعتْ بنتُ منظورِ بنِ زبّانا
ليس الشفيعُ الذي يأتيكَ مؤتزراً
مثلَ الشفيعِ الذي يأتيكَ عُريانا
وقد طلّق الفرزدق نوار بعد مشاحنات بينهما، وكان مزواجاً، ولكنّه ندم على تطليقه لها ندماً شديداً فقال:
ندمتُ ندامـةَ الكُسعيِّ لمّا
غدتْ منّي مطلّقةً نوارُ
ولو أنّي ملكتُ يدي وقلبي
لكانَ عليّ للقدرِ الخيارُ
وكانت جنّتي وخرجت منها
كآدم حينَ أخرجه الضرارُ
وكنتُ كفاقئٍ عينيهِ عمداً
فأصبحَ ما يضيءُ له النهارُ
وحينما ولي الحجّاج العراق وكانت فيه قسوة خافه الفرزدق ومدحه بمدائح رائعة مثل:
إنَ ابن يوسف محمودُ خلائقه
سيّان معروفُه في الناس والمطرُ
هو الشهاب الذي يُرمى العدوّ به
والمشرفيُّ الذي تَعْصى به مُضرٌ
ونوّه كثيراً بسيرته وقضائه على الرشوة والمتمرّدين، وإقامته لموازين العدل، حتّى إذا توفّي رثاه رثاء حارّاً، فقال:
ومات الذي يرعى على الناس دينهم
ويضربُ بالهنديّ رأسَ المخالفِ
وبعد موت الحجّاج وتوليّ سليمان ابن عبد الملك الخلافة، أخذ يتعقّب ولاة الحجّاج وعمّاله؛ فانقلب الفرزدق فأقذع في هجاء الحجّاج، وانحاز إلى قبيلته تميم، ثمّ تولّى يزيد بن المهلّب جرجان، وحاول استقدام الفرزدق، ولكنّه أبى قائلاً:
دعاني إلى جرجان والريّ دونه
لآتيه إنّي إذن لزؤور
سآبى وتأبى لي تميمٌ وربّما
أبيتُ فلم يقدر عليّ أميرُ
حتّى إذا ولي يزيد العراق في عهد سليمان بن عبد الملك مضى يمدحه كقوله:
إنّي رأيتُ يزيد عند شبابه
لبس التُّقى ومهابةَ الجبّار
وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم
خُضُعَ الرقابِ نواكسَ الأبصار
ووفد الفرزدق على سليمان بن عبد الملك، وكان أول من وفد عليه من خلفاء بني أميّة؛ فأصبح من شعراء بني أميّة، يمدح سليمان ويزيد بن عبد الملك، أمّا ولاة العراق فكان إذا خاف بطشهم مدحهم، أمّا إذا أّمِن شرّهم هجاهم.
ويعدّ الفرزدق من طبقة الشعراء الإسلاميين الأولى، وأَكْثَر الفخر والمدح والهجاء، وله مناقضات شهيرة مع جرير، واختلف الناس في أيّهما أشعر، وقال بعض النقّاد الفرزدق ينحت من صخر وجرير يغرف من بحر، ورجّح الراعي كفّة الفرزدق فقال:
يا صاحبيّ دنا الرواحُ فسيرا
غلبَ الفرزدقُ في الهجاءِ جريرا
وقال اللغويّون: لو ضاع شعر الفرزدق لضاع ثلث اللّغة. وكانت للفرزدق مساجلات مع اللّغويين والنحاة، فحينما سمع عبد الله بن إسحاق النحويُّ قول الفرزدق:
مستقبلين شمال الشّام تضربنا
بحاصبٍ كنديفِ القطنِ منثورِ
على عمائمنا يُلـقى وأرحلنا
على زواحفَ تُزجى مخُّها ريرِ
قال: موضع «رير» الرفع وإن رفعتَ أقويتَ! فهجاه الفرزدق ببيت غدا شاهداً للنحاة:
فلو كان عبد الله مولى هجوتُه
ولكنّ عبدَ اللهِ مولى مواليا
فهو يعرف أنّه ينبغي أن يقول آخر البيت مولى موالٍ، ولكنّه أرادها شاهداً على إمكانيّة أن تأتي مولى مواليا، تبرّماً من قيود النحاة.
وقد أكثر الفرزدق من شعر الفخر كقوله:
ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا
وإن نحن أومأنا إلى الناس وقّفوا
ومن أجود شعره في الوصف والفخر:
وركبٍ كأنّ الريحَ تطلبُ عندهم
لها تِـرَةً من جذبها بالعصائبِ
يعضّون أطرافَ العِصيِّ كأنّها
تُخَزِّمُ بالأطرافِ شوكَ العقاربِ
سروا يخبطونَ اللّيلَ وهي تلفّهم
على شُعبِ الأكوارِ من كلّ جانبِ
إذا ما رأوا ناراً يقولون: لـيتها
وقد خَصِرَت أيديـهم، نارُ غالبِ
ويروى أنّ الفرزدق في آخر أيّامه تعلّق بأستار الكعبة وعاهد الله على ترك الهجاء والقذف، وقيّد نفسه بقيد وآلى ألاّ يفكّه حتّى يحفظ القرآن، فما فكّه حتّى حفظه.
وتوفي الفرزدق عن عمر ناهز التسعين عاماً، وعلى الرغم مما كان بينه وبين جرير من مهاترات وهجاء مقذع إلاّ أنّ جريراً حزن حزناً شديداً لموت الفرزدق وأبّنه قائلاً:
فلا حملتْ بعـد الفرزدق حرّةٌ
ولا ذاتُ حملٍ من نفاسٍ تعلّتِ
هو الوافدُ الميمونُ والراتقُ الثّأى
إذا النعلُ يوماً بالعشيرةِ زلّتِ
وقال: «أما واللهِ إنّي لأعلمُ أنّي قليل البقاءِ بعده، ولقد كان نجمنا واحداً، وكلّ واحدٍ منّا مشغول بصاحبه»، وبقي حزيناً وقال: «أطفأ موتُ الفرزدق جمرتي، وأسال عبرتي، وقرّب منيّتي». فعاش بعده أربعين يوماً.
شعره
الفرزدق هو أحد أهم شعراء عصر بني أمية. ونظم في معظم فنون الشعر المعروفة في عصره وكان يكثر الفخر يليه في ذلك الهجاء ثم المديح. مدح الخلفاء الأمويين بالشام, ولكنه لم يدم عندهم لتشيعه لآل البيت. كان معاصرا الأخطل ولجرير الشاعرأيضا, وكانت بينهما صداقة حميمة، إلا أن النقائض بينهما أوهمت البعض أن بينهم تحاسدا وكرها, وانشعب الناس في أمرهما شعبتين لكل شاعر منهما فريق، ولجرير فيه رثاء جميل. كانت له مواقف محمودة في الذود عن آل البيت، وكان ينشد بين أيدي الخلفاء قاعدا, كان غالب شعره فخرًا, ويقول أهل اللغة: "لولا شعر الفرزدق لذهب ثلث العربية". كان مقدما في الشعراء, وصريحا جريئاً.
ميمية الفرزدق
يتجلى ذلك عندما حج هشام بن عبد الملك و طاف بالبيت وجهد أن يصل إلى الحجر السود ليستلمه فلم يقدر على ذلك لكثرة الزحام، فنصب له كرسي وجلس يرقب الناس ومعه جماعة من أعيان الشام. فبينما هو كذلك إذ أقبل الإمام زين العابدين علي بن الحسين بن أبي طالب عليهم السلام فطاف بالبيت، فلما انتهى إلى الحجر تنحى له الناس حتى استلم الحجر، فقال رجل من أهل الشام لهشام: "من هذا الذي هابه الناس هذه الهيبة؟"، فقال هشام : " لا أعرفه." مخافة أن يرغب فيه أهل الشام. وكان الفرزدق حاضرا فقال: " أنا أعرفه" ثم اندفع فأنشد ميميته المشهورة :
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته و البيت يعرفه و الحل و الحرم
هذا ابن خير عباد الله كلهم هذا التقي النقي الطاهر العلم
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله بجده أنبياء الله قد ختموا
وليس قولك من هذا بضائره العرب تعرف من أنكرت و العجم
كلتا يديه غياث عم نفعهما يستوكفان ولا يعروهما عدم
سهل الخليقة لا تخشى بوادره يزينه اثنان حسن الخلق و الشيم
حمال اثقال اقوام إذا افتدحوا حلو الشمائل تحلو عنده نعم
ما قال لا قط ألا في شهادته لولا التشهد كانت لاءه نعم
عم البرية بالإحسان فانقشعت عنها الغياهب و الإملاق و العدم
إذا رأته قريش قال قائلها إلى مكارم هذا ينتهي الكرم
يغضي حياء ويغضى من مهابته فلا يكلم إلا حين يبتسم
بكفه خيزران ريحه عبق من كف أروع في عرنينه شمم
يكاد يمسكه عرفان راحته ركن الحطيم إذغ ما جاء يستلم
الله شرفه قدما و عظمه جرى بذاك له في لوحه القلم
أي الخلائق ليست في رقابهم لأولية هذا أو له نعم
من يشكر الله يشكر أولية ذا فالدين من بيت هذا ناله الأمم
ينمى إلى ذروة الدين التي قصرت عنها الأكف و عن إدراكها القدم
من جده دان فضل الأنبياء له وفضل أمته دانت له الأمم
مشتقة من رسول الله نبعته طابت مغارسه و الخيم و الشيم
ينشق ثوب الدجى عن نور غرته كالشمس تنجاب عن إشراقها الظلم
من معشر حبهم دين و بغضهم كفر و قربهم منجى و معتصم
مقدم بعد ذكر الله ذكرهم في كل بدء و مختوم به الكلم
إن عد أهل التقى كانوا أئمتهم أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم
لا يستطيع جواد بعد جودهم ولا يدانيهم قوم و إن كرموا
هم الغيوث إذا ما ازمة أزمت و السد اسد الشرى و البأس محتدم
لا ينقص العسر بسطا من أكفهم سيان ذلك إن أثروا و إن عدموا
يستدفع الشر و البلوى بحبهم و يسترب به الإحسان و النعم
فما كان من هشام إلا أن حبسه حتى إستطلقه منه الإمام علي زين العابدين فأطلقه. وأرسل الإمام له بصلة فردّها بأدبٍ مبينا أنه ما مدحه لأجل الصلة يعود له الفضل في احياء الكثير من الكلمات العربية التي اندثرت. من قوله:
إذا مت فابكيني بما أنا أهله فكل جميل قلته فيّ يصدق
وكم قائل مات الفرزدق والندى وقائلة مات الندى والفرزدق
كان جد الفرزدق يشتري المؤودات في الجاهلية ثم أسلم أبوه بعد ظهور الإسلام . تربى الفرزدق في البادية فاستمد منها فصاحته وطلاقة لسانه.
نظم في معظم فنون الشعر المعروفة في عصره وكان يكثر الفخر يليه في ذلك الهجاء ثم المديح، مدح الخلفاء الأمويين بالشام، ولكنه لم يدم عندهم لمناصرته لآل البيت. كان معاصرا لأخطللجرير الشاعر أيضا، وكانت بينهما صداقة حميمة، إلا أن النقائض بينهما أوهمت البعض أن بينهم تحاسدا وكرها، وانشعب الناس في أمرهما شعبتين لكل شاعر منهما فريق، لجرير في الفرزدق رثاء جميل.
كانت للفرزدق مواقف محمودة في الذود عن آل البيت. وكان ينشد بين أيدي الخلفاء قاعدا.
وجاء في كتاب الموجز في الشعر العربي للشاعرالعراقي فالح الحجية الكيلاني انه لقب بالفرزدق لجهامة ووجوم في وجهه يكاد لايفارقه مدح قومه وفخر بهم ومدح العلويين وتعصب لهم الاانه مدح الامويين تقيا وتخوفا ويتميز شعره بقوة الأسلوب والجودة الشعرية وقد ادخل في الشعرالعربي الكثير من الالفاظ الغريبة وبرع في المدح والفخر والهجاء والوصف) يقول أهل اللغة:
لولا شعر الفرزدق لذهب ثلث العربية
كان مقدما في الشعراء، وصريحا جريئًا، يتجلى ذلك عندما يعود له الفضل في أحياء الكثير من الكلمات العربية التي اندثرت. من قوله:
إذا مت فابكيني بما أنا أهله
فكل جميل قلته فيّ يصدق
وكم قائل مات الفرزدق والندى
وقائلة مات الندى والفرزدق
قدم هشام بن عبد الملك للحج برفقة حاشيته وقد كان معهم الشاعر العربي الفرزدق وكان البيت الحرام مكتظاً بالحجيج في تلك السنه ولم يفسح له المجال للطواف فجلب له متكأ ينتظر دوره وعندما قدم الامام زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب انشقت له صفوف الناس حتى ادرك الحجر الاسود فثارت حفيظة
هشام واغاضه ما فعلته الحجيج لعلي بن الحسين فسئل هشام بن عبد الملك من هَذا؟
فأجابه الشاعر العربي الفرزدق هذه القصيدة وهي من اروع ماقاله الفرزدق:
هَذا الّذي تَعرِفُ البَطْحاءُ وَطْأتَهُ
وَالبَيْتُ يعْرِفُهُ وَالحِلُّ وَالحَرَمُ
هذا ابنُ خَيرِ عِبادِ الله كُلّهِمُ
هذاالتّقيّ النّقيّ الطّاهِرُ العَلَمُ
هذا ابنُ فاطمَةٍ، إنْ كُنْتَ جاهِلَهُ
بِجَدّهِ أنْبِيَاءُ الله قَدْ خُتِمُوا
وَلَيْسَ قَوْلُكَ: مَن هذا؟ بضَائرِه
العُرْبُ تَعرِفُ من أنكَرْتَ وَالعَجمُ
كِلْتا يَدَيْهِ غِيَاثٌ عَمَّ نَفعُهُمَا
يُسْتَوْكَفانِ، وَلا يَعرُوهُما عَدَمُ
سَهْلُ الخَلِيقَةِ، لا تُخشى بَوَادِرُهُ
يَزِينُهُ اثنانِ: حُسنُ الخَلقِ وَالشّيمُ
حَمّالُ أثقالِ أقوَامٍ، إذا افتُدِحُوا
حُلوُ الشّمائلِ، تَحلُو عندَهُ نَعَمُ
ما قال: لا قطُّ، إلاّ في تَشَهُّدِهِ
لَوْلا التّشَهّدُ كانَتْ لاءَهُ نَعَمُ
عَمَّ البَرِيّةَ بالإحسانِ، فانْقَشَعَتْ
عَنْها الغَياهِبُ والإمْلاقُ والعَدَمُ
إذا رَأتْهُ قُرَيْشٌ قال قائِلُها
إلى مَكَارِمِ هذا يَنْتَهِي الكَرَمُ
يُغْضِي حَياءً، وَيُغضَى من مَهابَتِه
فَمَا يُكَلَّمُ إلاّ حِينَ يَبْتَسِمُ
بِكَفّهِ خَيْزُرَانٌ رِيحُهُ عَبِقٌ
من كَفّ أرْوَعَ، في عِرْنِينِهِ شمَمُ
يَكادُ يُمْسِكُهُ عِرْفانَ رَاحَتِهِ
رُكْنُ الحَطِيمِ إذا ما جَاءَ يَستَلِمُ
الله شَرّفَهُ قِدْماً، وَعَظّمَهُ جَرَى
بِذاكَ لَهُ في لَوْحِهِ القَلَمُ
أيُّ الخَلائِقِ لَيْسَتْ في رِقَابِهِمُ
لأوّلِيّةِ هَذا، أوْ لَهُ نِعمُ
مَن يَشكُرِ الله يَشكُرْ أوّلِيّةَ ذا
فالدِّينُ مِن بَيتِ هذا نَالَهُ الأُمَمُ
يُنمى إلى ذُرْوَةِ الدّينِ التي قَصُرَتْ
عَنها الأكفُّ، وعن إدراكِها القَدَمُ
مَنْ جَدُّهُ دان فضْلُ الآنْبِياءِ لَهُ
وَفَضْلُ أُمّتِهِ دانَتْ لَهُ الأُمَمُ
مُشْتَقّةٌ مِنْ رَسُولِ الله نَبْعَتُهُ
طَابَتْ مَغارِسُهُ والخِيمُ وَالشّيَمُ
يَنْشَقّ ثَوْبُ الدّجَى عن نورِ غرّتِهِ
كالشمس تَنجابُ عن إشرَاقِها الظُّلَمُ
من مَعشَرٍ حُبُّهُمْ دِينٌ، وَبُغْضُهُمُ
كُفْرٌ، وَقُرْبُهُمُ مَنجىً وَمُعتَصَمُ
مُقَدَّمٌ بعد ذِكْرِ الله ذِكْرُهُمُ
في كلّ بَدْءٍ، وَمَختومٌ به الكَلِمُ
إنْ عُدّ أهْلُ التّقَى كانوا أئِمّتَهمْ
أوْ قيل: من خيرُ أهل الأرْض؟ قيل: هم
لا يَستَطيعُ جَوَادٌ بَعدَ جُودِهِمُ
وَلا يُدانِيهِمُ قَوْمٌ، وَإنْ كَرُمُوا
هُمُ الغُيُوثُ، إذا ما أزْمَةٌ أزَمَتْ
وَالأُسدُ أُسدُ الشّرَى، وَالبأسُ محتدمُ
لا يُنقِصُ العُسرُ بَسطاً من أكُفّهِمُ
سِيّانِ ذلك: إن أثَرَوْا وَإنْ عَدِمُوا
يُستدْفَعُ الشرُّ وَالبَلْوَى بحُبّهِمُ
وَيُسْتَرَبّ بِهِ الإحْسَانُ وَالنِّعَمُ
وأيضا له قصائد في الحذر ومنها:
وأطلس عسال وما كان صاحبا
دعوت بناري موهنا فأتناي
فلما دنا قلت ادن دونك
إني وإياك في زادي لمشتركان
كان جد الفرزدق يشتري المؤودات في الجاهلية ثم أسلم أبوه بعد ظهور الإسلام. تربى الفرزدق في البادية فاستمد منها فصاحته وطلاقة لسانه.
وكان من فخر الفرزدق وهجاؤه لجرير ما يلي من الأبيات :