افتح القائمة الرئيسية

تيتيان

تيتسيانو فيتشيلو (Tiziano Vecellio) واسم الشهرة تيتيان، عاش (1488-1576 م) هو رسّام إيطالي من عصر النهضة. بعد أن أمضى فترة حياته الفنية الأولى في رعاية أستاذه "جيورجيوني"، اكتسب سمعة طيبة في أوروبا، فاشتغل لدى الباباوات في روما، وصار مطلوبا لدى الملوك الأوربيين: فرونسوا الأول، ملك فرنسا وشارل الخامس (أنجز له عدة لوحات شخصية) ثم فيليبي الثاني (ملوك أسبانيا). مع بلوغه سنا متقدمة كان فنه قد نضج تماما، وتجلى ذلك في شاعرية أعماله والجرأة التي أبداها في ابتكار تقنيات تصويرية جديدة. كان له تأثير كبير على فن التصوير الأوروبي.

تيتان
Titian
Tizian 090.jpg
Titian self-portrait, c.1567; Museo del Prado, Madrid
وُلـِدTiziano Vecelli
ح. 1488/1490
Pieve di Cadore
توفيأغسطس 27, 1576(1576-08-27) (aged 85-88)
فينيسيا
القوميةايطالي
مبعث الشهرةرسم
أعمال بارزةAssumption of the Virgin
Pesaro Altarpiece
Venus of Urbino
الحركةHigh Renaissance
القديس يوحنا المعمدان، لوحة لتيتيان، 1542 م

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

فهرست

سيرته

 
This early portrait (c. 1512) was long wrongly believed to be of Ariosto; it is more likely a self-portrait, and the composition was borrowed by Rembrandt for his own self-portraits.
 
Salome, or Judith; this religious work also functions as an idealized portrait of a beauty, a genre developed by Titian, supposedly often using Venetian courtesans as models.

ولد في بلدة پييڤه Pieve في السلسلة الكادورية Cadorico من جبال الدلميت Dolmites، ولم ينس قط هذه الجبال الوعرة في مناظره. ولما بلغ التاسعة أو العاشرة من عمره جيء به إلى البندقية وتتلمذ على سيبستيانو زكاتو، وجنتيلي بيليني، وجيوفيني بيليني كل واحد منهم بعد الآخر، وكان هو في مرسم جيوفيني الذي لم يكن يكبره بأكثر من عام. ولما أنشأ هذا الغلام المصور مرسمه الخاص وأخذ ينتج الصور كما كان الغلام الشاعر كيتس يقرض الشعر، ذهب إليه تيشيان في أغلب الظن مساعداً له أو زميلاً، وبلغ من تأثير جيوفني فيه إن بعض صوره الأولى تعزى إلى جيوفني، وأن بعض صور جيوفني المتأخرة تعزى إلى تيشيان. وأكبر الظن أن صورة الحفلة الموسيقية التي تجل عن المحاكاة مما صور في تلك الفترة، وقد عملا معاً في نقش جدران مخزن التجار التيوتون.

 
It took Titian two years (1516-1518) to complete the oil painting Assunta, whose dynamic three-tier composition and color scheme established him as the preeminent painter north of Rome.

وفر تيشيان من الوباء الذي قضى على حياة جيورجيوني - أو لعله في من الجمود الذي أصاب الفن بسبب حرب عصبة كمبرية - إلى بدوا (1511)، حيث حكمنا بما يبدو في المظلمات من فجاجة قلنا انه هو في الخامسة والثلاثين من عمره كان لابد له أن يقطع شوطاً طويلاً قبل أن يبلغ المستوى الذي بلغته خير أعمال جيورجيوني، غير أن جوته Goethe قد رأى بعين بصيرته النافذة أنها تبشر بالشيء الكثير(36). ولما عاد تيشيان إلى البندقية وجه إلى الدوج ومجلس العشرة (31 مايو سنة 1513) رسالة تذكرنا بالدعوة التي وجهها لدوفيكو قبل ذلك بجيل من الزمان:

أيها الأمير الجليل، أيها السادة الأعلون العظماء! لقد ظللت أنا تيشيان الكادوري منذ طفولتي أدرس فن التصوير، وأهدف بذلك إلى أن أنال قليلاً من الشهرة أكثر مما أنال من المال .... ولقد تلقيت في الماضي وفي الحاضر دعوات ملحة من قداسة البابا وغيره من العظماء للدخول في خدمتهم، ولكنني وأنا أحد رعاياكم المخلص الأمين تحدوني الرغبة الصادقة في أن أترك لي أثراً في هذه المدينة الذائعة الصيت. فإذا راقكم ذلك يا أصحاب السعادة فإني أحب أن أزين قاعة المجلس الكبير وأن أبذل في هذا كل ما وهبت من قوة، وأن أبدأ برسم صورة على القماش للمعركة التي دارت على جانب الميدان الأصغر، وهو موضوع يبلغ من الصعوبة درجة لم يجرؤ معها أحد على محاولته. وإني قابل أن أتناول على جهودي أية مكافأة ترون أنها تليق بها أو أقل .. وإذ لم أكن، كما قلت قبل، أرغب إلا في أن أنال ذلك الشرف، وأن أدخل السرور على نفوسكم، فإني أرجو أن أنال أول رخصة لسمسار مدى الحياة تخلو في مخزن التجار التيوتون، وألا تحول بيني وبينها أية وعود بذلت لغيري، مع ما يصحبها من التكاليف والإعفاءات التي نالها السيد دسوان بيلين Zuan Belin (جيان بيليني)، فضلا عن تعيين مساعدين لي يتناولان أجرهما من مكتب الملح، وأن أحصل على جميع الألوان وما أحتاجه غيرها ... وأعدكم في نظير ذلك أن أقوم بالعمل السالف الذكر بالسرعة والإتقان اللذين يرضيان مجلس السيادة(37).

وكانت »رخصة السمسار« الواردة في هذه الرسالة وظيفة رسمية يعمل صاحبها وسيطاً بين تجار البندقية والتجار الأجانب. كانت رخصة السمسار لدى التجار الألمان في البندقية تجعل الحائز لها فعلاً المصور الرسمي للدولة ويتقاضى نظير ذلك 300 كرون (3750 دولاراً) في العام نظير رسم صورة للدوج وما عسى أن تتطلبه الحكومة من الصور الأخرى. ويبدو أن المجلس قبل اقتراح تيشيان على سبيل التجربة، وسواء كان ذلك أو لم يكن فقد بدأ الفنان برسم معركة كادوري في قصر الدوج. ولكن شانئيه أقنعوا المجلس بسحب الرخصة منه والامتناع عن أداء أجر مساعديه (1514). ثم دارت مفاوضات ضايقت كل من اشترك فيها، وانتهت بتعيينه في المنصب ونيله أجره دون لقبه (1516). وأخذ يؤجل العمل ويتباطأ فيه فلم يتم حتى عام 1537 الرسمين اللذين بدأهما في قاعة المجلس الأكبر. ودمرت النار الرسمين في عام 1577.

وارتقى تيشيان على مهل كما يرتقي أي كائن حي وهب من العمر مائة عام. ولكنه في عام 1508 لا بعد أظهر من تباشير نفاذ الروح وقوة التطبيق ما رفعه بعدئذ فوق منافسيه في التصوير. ولدينا الآن صورة لا اسم لها تعرف فيما مضى باسم أريستو تطالعنا بذكريات من طراز جيورجيوني - بالوجه الشعري والعينين اللتين تشع منهما الدقة وقليل من الخبث، وأثواب فخمة كانت نموذجاً نسجت على منواله ألف صورة أخرى، وفي هذه الفترة (1506 - 1516) كان الفنان السائر في طريق النهوض يعرف كيف يخلع على صور النساء قدراً كبيراً من الجمال فبدأت بذلك تختلف عن نساء جيورجيوني وتتجه نحو نساء روبنز Rubens. واستمر الانتقال من صور العذراء إلى صور فينوس على يد تيشيان، حتى وهو يرسم صوراً دينية ذات روعة وشهرة فائقة. فكانت اليد التي تبعث في القلوب التقي بصورة السيدة الغجرية وعبادة الرعاة هي نفسها التي تستطيع أن تصور امرأة تزدان وتصور تلك البراءة الخليعة التي نشاهدها في صورة فلورا الموجودة في معرض أفيزي. وأكبر الظن أن هذا الوجه الظريف وهذا الصدر الناهد وجدا أيضاً في صورة ابنة هرودياس، وشالوم في هذه الصورة لا يفترق في شيء عن أهل البندقية كما أن الرأس المقطوع رأس عبري بكل ما فيه.

وأخرج تيشيان في عام 1515 أو حواليه صورتين من أشهر صوره هما ثلاثة أعمار الإنسان وهي جماعة من الأطفال العراة نائمين تحت شجرة، ومعهم كيوبيد يلقنهم في هذه السن الصغيرة جنون الحب، وشيخ في العقد التاسع يتأمل جمجمة، وفتى وفتاة سعيدين في ربيع الحب، ولكن كليهما ينظر إلى الآخر نظرة تنم عن قلق كأنهما قد عرفا مقدماً إصرار الزمن على إبلاء تلك العاطفة. وصورة الحب الطاهر والحب الدنس قد خلع عليهما اسم حديث لو بعث تيشيان حيا لدهش منه. وقد سميت الصورة حين ذكرت لأول مرة الجمال المزدان وغير المزدان(38)، وأكبر الظن انه لم يكن بقصد بها تلقين درس في الأخلاق بل كان الغرض منها أن تزدان بها قصة من القصص. والجسم العاري الدنس في الصورة هو أكمل شكل في سجل أعمال تيشيان، فكأنه صورة فينوس ده ميكو نقلت إلى عصر النهضة. ولكن صورة المرأة الطاهرة عليها أيضاً صبغة دنيوية، فمنطقتها المزدانة بالحلي تستلفت الأنظار، ورداؤها الحريري يغري باللمس، وأكبر الظن أنها هي الخليلة المرحة التي كانت نموذج صورة فلورا أو المرأة تتزين. وإذا ما أنعم الإنسان النظر فيها تكشفت له خلف صور الآدميين عن منظر طبيعي معقد فيه نبات وحيوان وأجمة كثيفة من الأشجار، وراع يتعهد قطيعه، وعاشقان، وصائدون وكلاب يطاردون أرنباً برياً، وبلدة وأبراجها، وكنيسة وبرج جرسها، وبحر أزرق جيورجيوني الطراز، وسماء ملبدة بالغيوم. ترى ماذا يهمنا إذا كنا لا نعرف ماذا تعني هذه الصورة بالضبط؟ إنها الجمال ((يبقى برهة)) أمامنا، أليس هذا هو الذي يظن فاوست Faust انه هو الحياة والروح؟.

ولما أدرك تيشيان أن الجمال النسوي مزداناً أو طبيعياً يجد له على الدوام من يطلبه اتخذه موضوعاً له وهو جذلان، فقبل في بداية عام 1516 دعوة ألفنسو الأول لرسم بعض لوحات في قصره بفيرارا. وهيئ للفنان مسكن في القصر ومعه مساعدان له، وقضى فيه نحو خمسة أسابيع، ويلوح انه تردد عليه بعدئذ قادماً من البندقية. ورسم تيشيان لقاعة المرمر ثلاث صور واصل فيها مزاج جيورجيوني الوثني. ففي صورة السكارى نرى رجالاً ونساء، وبعضهم عرايا، يشربون، ويرقصون، ويتغازلون، أمام منظر من الأشجار السمراء، وبحيرة زرقاء، وسحب فضية، وأمامهم على الأرض ملف يحمل شعاراً بالفرنسية: ((من يشرب ولا يعد إلى الشرب لا يعرف ما هو الشرب)). وعلى بعد من هذا الشعار نرى نوحاً طاعناً في السن يتمطى وهو عار سكران، وبالقرب من الجزء الأول فتى وفتاة يرقصان معاً، وأثوابهما تدور في الهواء، وفي الجزء الأمامي من الصورة امرأة يدل ثدياها الناهدان على أنها في مقتبل العمر نائمة على الكلأ عارية، والى جانبها طفل قلق يدفع ثوبه ليروح عن مثانته ويتم بذلك دورة السكارى خارجاً من الغابات يفاجئ المرأة المهجورة، ونرى ساتيرات مخمورات، ورجلاً عارياً تلتف الأفاعي حوله، وإله الخمر العاري يقفز من عربته ليمسك بالأميرة الهاربة. وتبلغ النهضة الوثنية في هذه الصورة وفي صورة عبادة فينوس أعظم ما بلغته من قوة وسلطان.

ورسم تيشيان في هذه الثناء صورة تستلفت الأنظار للدوق ألفنسو نصيره الجديد: رسمه ذا وجه جميل ينم عن ذكاء، وجسم ممتلئ تزيده مهابة ثياب رسمية فخمة، ويد جميلة (يصعب أن تكون يد فخراني ومحارب) متكئة على مدفع محبوب، وتلك هي الصورة التي أعجب بها وأثنى عليها ميكل أنجيلو نفسه. وجلس إريستو لتيشيان ليصوره، ورد هذه التحية لتيشيان ببيت من الشعر في إحدى طبعات فيور بوسو المتأخرة، كذلك جلست لكريدسيا بورجيا للمصور العظيم، ولكن أثراً ما لم يبق لهذه الصورة، ولربما جلست أيضاً لورا ديانتي Laura Diante عشيقة ألفنسو لصورة لم تبق إلا نسخة مأخوذة عنها في مودينا. وأكبر الظن أن ألفنسو هذا هو الذي رسم له تيشيان صورة من أجمل صوره وهي صورة مال الخراج، ترى فيها فريسياً له رأس فيلسوف يوجه سؤاله في إخلاص والمسيح يجيبه في غير غضب جواباً بليغاً.

 
Titian's state portrait of Emperor Charles V (1548) at Mühlberg established a new genre, that of the grand equestrian portrait. The composition is steeped both in the Roman tradition of equestrian sculpture and in the medieval representations of an ideal Christian knight, but the weary figure and face have a subtlety few such representations attempt.

ومن المميزات الخاصة بذلك العصر أن تيشيان قد استطاع الانتقال من تصوير باخوس إلى تصوير المسيح، ومن فينوس إلى مريم، ثم عاد من مريم والمسيح إلى فينوس وباخوس، دون أن يضطرب لذلك عقله، ذلك انه صور في عام 1518 لكنيسة الرهبان أعظم صورة على الإطلاق وهي صورة صعود العذراء. ولما وضعت هذه الصورة في إطار فخم من الرخام خلف المذبح العالي رأى سانودو Sanudo كاتب اليوميات البندقي أن هذا الحادث خليق بالتسجيل فكتب يقول: ((في 20 مايو 1518: أقيمت بالأمس اللوحة التي صورها تيشيان ... للرهبان الفرنسيس))(39). ولا تزال رؤية صورة الصعود في كنيسة الرهبان من الحوادث الهامة في حياة إنسان ذي إحساس رقيق. ويرى الإنسان في وسط اللوحة الضخمة التي رسمت عليها هذه الصورة العذراء كاملة قوية، مكتسبة ثوباً أحمر ومئزراً أزرق، ذاهلة متوجسة، ترفعها خلال السحب هالة مقلوبة من صغار الملائكة المجنحين. وفوق صورة العذراء حاول المصور محاولة مخففة - وكان لابد لها أن تخفق - أن يصور الله - فلم يرسم إلا ثوباً، ولحية، وشعراً تنفشه رياح السماء، وأجمل من هذا صورة الملك الذي يأتيه بتاج لمريم. وتحت هذا صور الرسل، وهم عدد متباين من الصور الفخمة، ينظر بعضهم في دهشة، وبعضهم يركع للصلاة والعبادة، وبعضهم يتطلع إلى أعلى كأنه يريد أن يؤخذ إلى الجنة. وإذا ما وقف متشكك نافر أمام هذه الدعوة القوية إلى الإيمان لم يسعه إلا أن يأسف لتشككه، ويقر بما في هذه الأسطورة من جمال، وما تبعثه في النفس من أمل.

 
French ambassador to the Ottoman Porte Gabriel de Luetz d'Aramont, 1541-1542.

وأراد ياقوبو بيزارو، أسقف باقوس Paphos في قبرص أن يعبر عن شكره لله لما أحرزه أسطول البندقية من نصر على العمارة التركية فعهد إلى تيشيان أن يصور ستاراً آخر في محراب كنيسة الرهبان - للمعبد الذي دشنته من قبل أسرة هذا الأسقف. وأدرك تيشيان الخطر الذي سوف يتعرض له إذ يقوم على رسم صورة عذراء أسرة بيزارو يتحدى بها تحفته الفنية التي نالت الإعجاب من وقت قريب. لكنه ظل يعمل في الصورة الجديدة سبع سنين قبل أن يطلقها من مرسمه. وآثر فيها أن يرسم العذراء جالسة على عرشها، لكنه خرج على السوابق المألوفة فرسم صورتها إلى اليمين مائلة من ركن فوضع بذلك من يقدم لها التاج جهة اليسار، كما وضع القديس فرانسس عند قدميها. ولولا النقش البراق الذي يركز انتباه الناظر على الأم وطفلها لأختل توازن الصورة. ورحب كثيرون من الفنانين بهذه التجربة وحذوا حذوه فيها بعد أن ملوا التركيب التقليدي المألوف المركز أو الهرمي.

ودعا المركيز فيدريجو جندساجا تيشيان إلى مانتوا في عام 1523، لكن الفنان لم يقم فيها طويلاً لأنه كلف بأعمال في البندقية وفيرارا. غير أنه بدأ فيها سلسلة من إحدى عشرة صورة تمثل أباطرة الرومان، وقد فقدت هذه كلها. وقد رسم في إحدى زياراته صورة جذابة للمركيز الشاب الملتحي. وكانت إزبلا العظيمة أم فيدريجو لا تزال على فقيد الحياة، فجلست إليه ليصورها، ولما وجدت أن الصورة واقعية أكثر مما تطيق، وضعتها بين عادياتها القديمة، وطلبت إلى تيشيان أن ينسخ لها صورة كان فرانتشيا Francia قد رسمها قبل أربعين عاماً من ذلك الوقت. تلك هي الصورة التي أخذ عنها تيشيان (ولعل ذلك كان في سنة 1534) صورة المشهورة ذات القلنسوة الشبيهة بالعمامة، والأكمام المزركشة، والفراء المثناة، والوجه الظريف. واحتجت إزبلا قائلة أنها لم تكن تظن نفسها بهذا الجمال، ولكنها عملت على أن تنحدر هذه الصورة التذكارية إلى الخلف.

 
Titian's unmatched handling of color is exemplified by his Danaë with Nursemaid, one of several mythological paintings, or "poesie" ("poems") as the painter called them, done for Philip II of Spain. Although Michelangelo adjudged this piece deficient from the point of view of drawing, Titian and his studio produced several versions for other patrons.

والى هنا نترك تدسيانو فيتشيلي بعض الوقت، ذلك أننا لا نستطيع أن نفهم الشطر المتأخر من حياته إلا إذا أحطنا علماً بالحوادث السياسية التي كان لشارل الخامس أكبر أنصاره فيها شأن كبير بعد عام 1533. وكان تيشيان قد بلغ السادسة والخمسين من العمر في ذلك العام. ومنذا الذي كان يظن وقتئذ انه لا يزال أمامه من العمر ثلاثاً وأربعين سنة، وأنه سيرسم في النصف الثاني من حياته عدداً من روائع الفن لا يقل عما رسمه منها في نصفها الأول.


تيشيان والملوك 1530-1576

في عام 1530 وفي مدينة بولونيا عرَف أريتينو شارل الخامس بتيشيان. وكان الإمبراطور وقتئذ منهمكاً في إعادة تنظيم إيطاليا فجلس إلى تيشيان ليصوره وهو قلق نافذ الصبر، ودهش الفنان حين لم يعطه إلا دوقة واحدة (دولاراً ونصف دولار). فما كان من فيديريجو دوق مانتوا إلا أن نفح الفنان من جيبه الخاص بهبة سخية قدرها 150 دوقة تكملة لأجره. وما لبث الدوق في أثر في شارل أقنعه برأيه هو في تيشيان. ثم التقى الفنان والإمبراطور مرة أخرى في عام 1532،وفي خلال الأعوام الستة عشر التالية رسم تيشيان طائفة مدهشة من الصور للإمبراطور: رسم شارل في عدته الحربية الكاملة (1532 وقد ضاعت)؛ ورسمه في سترة موشاة بالقصب، وصدارة مطرزة، وسروال قصير أبيض، وجورب وحذاء، وقلنسوة سوداء، تعلوها ريشة بيضاء غير ملائمة لها (1533؟)؛ ورسمه مع الإمبراطورة إزبلا (1538)؛ ورسمه في حلة من الزرد براقة على جواد وائب، في واقعة موهلبرج Muhlberg (1548)- بلغت الذروة في جمال اللون والافتخار؛ ورسمه في ثياب سود، جالساً جلسة المفكر في إحدى الشرفات (1548). ومما يذكر بالفضل للمصور والمليك على السواء أن هذه الصور لا تحاول قط أن تجعل من موضوعها مثلاً أعلى إلا من حيث الملبس؛ فهي تكشف عن ملامح شارل غير الجذابة، وعن إهابه غير الحسن، وعن روحه المكتئبة، وعن بعض المقدرة على القسوة؛ ومع هذا فإنها تظهر الإمبراطور رجلاً ثقيل الأعباء، عظيم السلطان، ذا عقل بارد جامد، أخضع نصف أوربا لسلطانه. لكنه رغم ذلك يستطيع أن يكون رحيماً، وأن يكفر بسخاء عن شحه الأول. من ذلك أنه بعث إلى تيشيان في عام 1533 ببراءة يعينه بها أميراً في قصره، وفارساً من طبقة المهماز الذهبي، وأصبح تيشيان من ذلك الحين مصور البلاط الرسمي لأقوى مليك في العالم المسيحي.

وكان تيشيان في هذه الأثناء قد بدأ يراسل فرانتشيسكو ماريا دلا روفيري دوق أربينو الذي تزوج اليونور جندسا، أخت فدريجو وابنة إزبلا. وإذ كان فرانتشيسكو وقتئذ القائد الأعلى لجيوش البندقية، فكثيراً ما كان هو والدوقة زوجته يأتيان إلى البندقية؛ وفيها رسم تيشيان صورهما: رسم فرانتشيسكو رجلا تسعة أعشاره مغطاة بالزرد (لأن تيشيان كان يحب بريقه) ورسم الدوقة امرأة شاحبة اللون مستسلمة لقدرها بعد أن انتابتها الأمراض. ورسم لها تيشيان على الخشب صورة مجدلية ليس فيها ما يجعلها جذابة إلا اختلاف الضوء واللون اللذين أضفاهما الفنان على شعرها الأصحم؛ ثم رسم لهما صورة أخرى جميلة؛ باللونين الأخضر والأسمر تعرف باسم La Bella "الجميلة" لا أكثر، وتوجد الآن في معرض بتي. ورسم تيشيان للدوق جويدوبلدو الثاني الذي خلف فيديريجو صورة من أعظم الصور العارية هي صورة فينوس أربينو (حوالي 1538). ويقال إن تيشيان كان له بعض اللمسات النهائية في صورة فينوس النائمة لأربينو؛ وهاهو ذا يقلد هذه الآية الفنية في كل شيء عدا ملامحها ومصاحباتها. وفيها ترى الوجه يعوزه الهدوء البريء الذي نشاهده في صورة جيورجيوني؛ ونشهد بدل المنظر الطبيعي الهادئ منظراً داخلياً من ستار أخضر، وجوخ بني، واريكة حمراء، كما ترى فتاتين تبحثان عن رداءين يبلغان من العظمة درجة تليق بإهاب السيدة الذهبي.

وانتقل تيشيان من رسم الدوق والإمبراطور إلى رسم البابا. ولم يكن البابا بول الثالث يقل في العظمة عن الإمبراطور: كان رجلا قوي الخلق، عظيم الدهاء، ذا وجه طبع عليه جيلان من التاريخ. وقد وجد فيه تيشيان فرصة خيراً مما وجده في ملامح الإمبراطور الخفية التي لا تفصح عن شيء من نفسيته. وواجه بولس في بولونيا عام 1535 في شجاعة ما وجده في صورة تيشيان له من واقعية. وكان البابا وقتئذ في السابعة والستين من عمره، متعباً ولكن الأحداث لم تنل من قواه. وقد جلس أمام المصور في ثياب البابوية الفضفاضة، وأحنى رأسه الطويل، ولحيته العريضة، فوق جسمه الذي كان من قبل قوياً، وظهر خاتم السلطان واضحاً في يده الأرستقراطية. وهذه الصورة وصورة يوليوس الثاني تتنازعان تلك الميزة الكبرى وهي: أيهما أجمل وأعمق صورة في النهضة الإيطالية. وفي عام 1545 دعا البابا نيشيان وكان وقتئذ في الثامنة والستين من عمره إلى روما. وهيأ للفنان مسكن في بلدفير، وقدمت له المدينة جميع مظاهر التكريم؛ وعمل فاساري مرشداً له فأطلعه على عجائب روما في عهدها القديم وفي عصر النهضة، وحتى ميكل أنجيلو نفسه رحب به، وأخفى عنه في ساعة من ساعات المجاملة رأياً له عبر عنه لاصدقائه وهو أن تيشان كان يصبح مصوراً أعظم مما هو لو أنه تعلم الرسم(22). وهناك صور تيشيان البابا بولس مرة أخرى فأظهره أكبر سناً، وأكثر انحناء، وأشد قلقاً وضجراً مما كان قبل، بين اثنين من أحفاده الخانعين لم يلبثا أن خرجا على البابا بعد قليل. وهذه الصورة أيضاً من أعمق الصور التي أخرجتها يد تيشيان. وقد رسم كذلك لأحد هذين الحفيدين وهو أتافيو فارنيزي Ottavio Farnese صورة دانائي Danae الشهوانية المحفوظة في متحف نابلي. وأقام تيشيان ثمانية أشهر في روما سافر بعدها عائداً على مهل إلى البندقية عن طريق فلورنس (1546)، وهو يرجو أن يقضي فيها الأيام الباقية من حياته في راحة وسلام.

ولكنه لم يكد يتم العام حتى أرسل إليه الإمبراطور دعوة عاجلة يطلب إليه فيها عبور جبال الألب إلى أوجزبرج Augsburg. وأقام في هذه المدينة تسعة أشهر رسم فيها للإمبراطور صورتين من الصور التي ذكرناها قبل، وخلد فيهما عظماء الأسبان والتيوتون أبناء الجبال مثل المنتخب جوهان فريدريخ السكسوني Elector Johann Eriedrlch والتقى تيشيان في زيارة أخرى لأوجزبرج (1550) بالأمير الذي أصبح فيما بعد فيليب الثاني ملك أسبانيا، ورسم له عدة صور؛ منها واحدة في البرادو Prado تعد من آيات التصوير في عهد النهضة. وأجمل من هذه على جمالها الصورة التي مثل فيها الإمبراطورة وإزبلا زوجة شارل البرتغالية. وكانت هذه الزوجة قد توفيت في عام 1539، ولكن الإمبراطور أعطى تيشيان بعد أربع سنين من وفاتها صورة لها وهي نَصَفٌ رسمها لها مصور مغمور، وطلب إليه أن يحيلها تحفة فنية رائعة. وربما كانت الصورة النهائية غير شبيهة بالإمبراطورة، ولكنها حتى إذا كانت إزبلا البرتغالية صورة خيالية فإنها يجب أن تكون في أسمى مرتبة من مراتب صور تيشيان: فهي ذات وجه رقيق حزين، وثياب ملكية فخمة، وفي يدها كتاب صلوات يسري عنها ما تتوقعه من موت قريب، وفي الصورة منظر طبيعي بعيد يضيف إليها منظراً يجمع بين الخضرة، والسمرة، والزرقة.

وشعر تيشيان بعد عودته من أوجسبورج (1552) أنه قد نال كفايته من الأسفار. فقد كان وقتئذ في الخامسة والسبعين من عمره، وما من شك في أنه كان يظن أنه لم يبق له من الحياة الشيء الكثير. ولعل عمله كان من شأنه أن يطيل الحياة، فقد أنساه انهماكه في الصورة بعد الصورة أن يموت. وقد صور في سلسلة طويلة من الصور الدينية (1522-1570) فكرته الواضحة الرائعة عن العقيدة المسيحية وقصة الخلق من آدم إلى المسيح . وقد خلد في صور قوية حياة الرسل والقديسين، وأحسن هذه الصور وأكثر ما تعافه النفس منها صورة استشهاد القديس لورنس (1558 وهي الصورة رقم 1 في متحف جزويتي Gesuiti، بالبندقية): وفيها يرى القديس يشويه على السفود جنود وعبيد رومان يزيدون آلامه بكيه بالحديد المحمي وجلده بالسياط. وهذه الصور الدينية لا تؤثر في النفس كما تؤثر فيها أمثالها من صور الفنانين الفلورنسيين. نعم إنها تسمو عليها من حيث التشريح، ولكنها لا تشعر الإنسان بالتقى، فنظرة واحدة إلى أجسام المسيح والحواريين الرياضية توحي بوضوح أن تيشيان لم يكن يهتم إلا بالفن، وأنه كان يفكر في الأجسام الرائعة، لا في أجسام القديسين النساك. ذلك أن المسيحية في الفترة الواقعة بين آل بليني وتيشيان، فقد فقدت سيطرتها الروحية على فن البندقية، وإن كانت لا تزال توحي إلى الفنانين بالموضوعات(23).

وبقي العنصر الجنسي الذي هو من مستلزمات فن التصوير بالألوان أو بالمواد اللينة، قوياً عند تيشيان مدة تكاد تصل إلى قرن من الزمان. وقد كرر صورة دانائي Danae الفرنيزية في عدة أشكال مختلفة، ورسم عدة صور لفينوس طلبها إليه حماة الدين. وكان فيليب الثاني ملك أسبانيا خير عميل له في ابتياع هذه "الأساطير"؛ فقد زينت مساكن الملك في مدريد يصور لدانائى، وفينوس وأدونيس، وبرسيوس وأندرمدا، وجبسن وميديا Jassa & Medea وأكتائيون وديانا Actaeon & Diana، واغتصاب أوربا The Rapc of Europa، وتاركون ولكريشيا Tarquin & Lucretia، وجوبتر وأنتيوبي Jupiter & Antiope (وتعرف أيضاً بصورة فينوس الباردوئية) Venus of Pardo. وكل هذه الصور عدا الأخيرة منها قد صورها تيشيان بعد عام 1553، وهو في سن السادسة والسبعين أو بعدها. ومما يزيدنا تقديراً للفنان العظيم أن نرى خياله خلاقا مبدعاً في سن الثمانين وما بعدها فيصور نساء عاريات لا تقل كمالا عن الصور التي رسمها في عنفوان شبابه، فصور ديانا بشعرها الأصحم المرفوع إلى أعلى من الطراز الذي كان فيرونيز يصوره، فهي فينوس الشقراء تكاد تكون أجمل من صور أفروديتي اليونانية. ولعل صورة فينوس والمرأة (حوالي 1555 وتوجد الآن في واشنجتن) وهي صورة لهذه السيدة نفسها بعد ان امتلأ جسمها؛ وهي بعينها أيضاً فينوس التي تتعلق بأرنيس في الصورة الموجودة في برادو، والتي تحاول أن تتودد إليه وتبعده عن كلابه. ولسنا نجد مثل هذه الشهوانية الصريحة واضحة في جسم انثى حتى صور كرجيوني. وتوجد صور أخرى لفينوس منتشرة في معارض الصور في أنحاء العالم ولكنها كانت في يوم ما تحتل مكانها في رأس تيشيان: منها صورة فينوس أناديوميني Venus Anadyomene (حوالي 1520) الموجودة في بردجووتر هوس Bridgewater House، وتمثلها الصورة واقفة في الحمام ومغطاة من تحت الركبتين في حياء؛ وصورة فينوس وكيوبد (حوالي 1545)، الموجودة في معرض أفيزي- وهي ذات شقرة ألمانية ويدين ناصعتين، وفينوس المكتسبة في صورة تعليم كيوبد (حوالي 1565)، وفي معرض بورغير، وفينوس العازف على الأرغن (حوالي 1545) المحفوظة في برادو والتي يظهر فيها العازف عاجزاً عن تركيز عقله على الموسيقى؛ وفينوس والعازف على العود (1560) المحفوظة في المتحف الفني بنيويورك. على أننا يجب أن نقول إن النساء في هذه الصور لسن إلا جزءاً مما فيها من سحر وفتنة، ذلك أن تيشيان يهتم بالطبيعة اهتمامه بالنساء، ويصور في عدد من هذه اللوحات مناظر طبيعية رائعة لا تقل جمالا في بعض الأحيان عن الإلهة فينوس نفسها.

وأعظم من هذه الصور الأسطورية وأكثر عمقاً صور الآدميين، فإذا كانت صور فينوس تكشف عن الإحساس بجمال الصورة ولاتفقد قط روعتها، فإن صور الآدميين تكشف في تيشيان عن مقدرة على الإلمام بالأخلاق البشرية ونقلها بقوة فنية لا تضارعها في معارضها جميعاً صور غيره من الفنانين مجتمعة. وهل ثمة ما هو أرق من صورة الرجل ذي القفاز (حوالي 1520 في متحف اللوفر) وهي صورة لا يُعرف شخصية من تمثله- وفيها ترى اليد اليسرى المقفزة، والمخصل الأبيض الرقيق الملتف بالعنق يوائمان أحسن موائمة الروح الحساسة التي تنم عليه العينان. وصورة الكردينال إيوليتو ده ميديتشي (1533 في متحف بتي) أقل من السابقة عمقاً، ولكننا مع ذلك نرى في الوجه ما يتسم به آل ميديتشي من دهاء، وإحساس فني، وحب للسلطان. وصورة فرانسس الأول (حوالي 1538 المحفوظة في اللوفر) أذاعت شهرة ملامح ملك فرنسا، فقد بعثت في أنحاء العالم في مائة ألف نسخة منقولة عنها القبعة المراشة، والعينين المرحتين، والأنف الأقنى، واللحية الجميلة، والقميص القرمزي يرتديه الرجل الذي خسر إيطاليا ولكنه كسب ليوناردو وتشيلني ومائة امرأة. وقد تطلب منصب تيشيان الرسمي منه أن يرسم صوراً لعدد من أدواج البندقية، ولكن هذه كلها تقريباً قد ضاعت. وبقيت ثلاث صور عظيمة لأشخاص حقيقيين: صورة نقولو مارتشلو Niccolo Marcello (الذي مات قبل أن يولد تيشيان)- وهي ذات وجه قبيح ورداء فخم-؛ وصورة أنطونيو جرماني (التي تظهر في صورة الإيمان في قصر الدوج)، وصاحبها ذو وجه كوجه النساك وثوب فخم؛ وصورة أندريا جرتي، ويرتدي صاحبها ثوباً أقل من الثوبين السابقين فخامة ولكنه ذو وجه قوي يتركز فيه كل ما في البندقية من جلال وصدق عزيمة. وتختلف عن هذه في طرازها صورة كلاريس استروتسي الرقيقة التي أثنى عليها أريتينو ثناء جماً مستطاباً. وليست الصور التي تمثل أريتينو والمحفوظة في معرض بني بفلورنس وفي مجموعة فرك Frick في نيويورك إلا صراخاً مجرداً من الرحمة صادراً من وغد فاتن ساحر رسمها أعز أصدقائه. وأرق من هذه الصور التي خلد بها تيشيان ذكرى بمبو محب الشعراء الذي صار وقتئذ كردنالا (1542). ومن أروع الصور التي يضمها معرض تيشيان صورة المشترع إبوليتو رمنالدي (1542)، والتي كانت تعرف في يوم من الأيام بأنها صورة دوق فورفوك وهي ذات شعر منفوش أغبش، وجبهة عالية، وشاربين ولحية قليلة الشعر، وشفتين قويتين، وانف رقيق، ونظرات نفاذة. وإنا لنبدأ في أن نفهم إيطاليا والبندقية أحسن فهم حين نرى أنهما أنجبتا أمثال أولئك الرجال، وهم رجال ليست أجسامهم وأثوابهم الجميلة إلا الصورة الظاهرة للإرادة القوية المتأهبة للقاء كل تحد؛ وللعقل النافذ المتيقظ لكل صور التجارب والفن.

وأكثر ما يثير اهتمامنا من رسوم تيشيان الصور التي رسمها لنفسه. وهي كثيرة متنوعة آخرها صورة له في التاسعة والثمانين من عمره. وإذا ما وقفنا أمام صوره الذاتية في معرض برادو رأينا وجهاً قد غضنه مر الأيام التي لا تحصى ولكنه زاده صفاء، ورأينا فوق جمجمته قلنسوة لا تغطي شعره الأبيض كله، ولحية صهباء تكاد تغطي وجهه كله، وأنفاً كبيراً ينفث القوة، وعينين زرقاوين، تغشاها كآبة قليلة، تريان الموت أقرب إليه مما كان في الواقع، وبدا تمسك بفرشاة- لأن شغفه العظيم بالفن لم تكن تارة قد خبت بعد. لقد كان هذا الرجل- لا الأدواج، ولا الشيوخ، ولا التجار- هو سيد البندقية نصف قرن من الزمان، يهب الخلود للأشراف والملوك العابرين القصار الآجال، ويسمو بالبلد الذي اتخذه موطناً له ويضعه إلى جانب فلورنس وروما في تاريخ النهضة.

وكان في الوقت الذي نتحدث عنه رجلا ثرياً، وإن كانت ذكرى حاجته الأولى وعدم طمأنينته قد جعلته جماعاً للمال إلى آخر حياته. وقد أعفته مدينة البندقية من بعض الضرائب "تقديراً لموهبته الممتازة النادرة"(34) وكان يرتدي لباساً ظريفاً رشيقاً، ويسكن بيتاً مريحاً ذا حديقة واسعة تطل على مياه البندقية الضحلة. وإنا لنتصوره ونحن نكتب هذه السطور يستضيف الشعراء والفنانين، والأشراف أبناء الأسر العريقة، والكرادلة، والملوك. ولما ماتت في عام 1530 عشيقته التي تزوجها في عام 1525 بعد أن ولدت له ولدين قبل الزواج؛ عاد إلى حريته التي كانت له وهو أعزب والتي استمتع بها ما يقرب من نصف قرن. وكانت ابنته لافينيا مصدر بهجة وفخر له؛ وقد رسم لها صوراً تدل على محبته لها حتى بعد أن كبرت وتزوجت. ولكنها هي أيضاً توفيت بعد سنين قلائل من زواجها. وأصبح أحد ولديه وهو بمبونيو Pomponio مهملاً فاسداً، أحزن قلب الرجل في شيخوخته ورسم الثاني في بعض الصور التي ضاعت، وأكبر الظن أنه اشترك في بعض الصور التي تعزى لأبيه في سنيه الأخيرة. وربما ساعده في ذلك الوقت أيضاً تلميذ آخر من تلاميذ تيشيان يدعى دومينيكو ثيوتوكوبولوس Domenico Theotocopulos، المسمى إلجريكو Elgireco (الإغريقي) ولكننا لانجد دليلاً على هذه المساعدة في صور أشخاص تيشيان المرحين ولا في مناظره البهيجة. وظل حتى بعد أن تقدمت به السن كثيراً لا يكاد ينقطع عن الرسم يوماً واحداً من أيامه، وكان يجد في الفن سعادته الباقية الوحيدة. ففيه كان يعرف أنه السيد الذي لا يبارى، وأن العالم كله يثني عليه، وأن يده لم تفقد قدرتها على الإبداع، كما أن عينه لم تفقد حدتها ونفاذها؛ وحتى عقله، وخياله ظلا، فيما يبدو، يحتفظان بقوتهما إلى آخر أيامه. وقد شكا بعض من ابتاعوا صوره الأخيرة بأن هذه الصور أرسلت إليهم من قبل أن تتم. وحتى إذا كان هذا صحيحاً فإنها كانت معجزات بحق. وأكبر الظن أنه ما من فنان غيره- إذا استثنينا رافائيل- كان له ما لتيشيان من يسر في أصول فنه، وسيطرة على اللون والتركيب، والضوء الساحر المبرقش. أما أخطاؤه فهي الأخطاء الناتجة من السرعة في التنفيذ، ومن الإهمال في الرسم أحياناً وقد كانت الكثرة الغالبة من رسومه التخطيطية الأولى تجريبية؛ ولكنه كان إذا غنى بالتأني والتؤدة، يستطيع أن يخرج عجائب مثل صورة ميدورو وانجيلكا التي رسمها بالقلم والمحفوظة في متحف بنات Bonnat في بايون Bayonne. أما في الصور الملونة فقد كان لابد له ان يعمل مسرعاً. ذلك بأن من يجلسون أمامه ليصورهم كانوا منهمكين في العمل لا يصبرون على الجلسات الطويلة أو الكثيرة التي لابد منها لإتقان الصور؛ ومن أجل هذا كان يرسم رسماً تخطيطياً سريعاً، ثم يرسم منه الصورة الملونة، ولعله كان يضع في رأس نموذجه ووجهه أكثر مما فيه حقيقة. أما في الصور التي كان يرسمها لغير الأحياء فكان يبرز الملامح أكثر مما ينبغي، وقلما كان يتعمق إلى الجوهر الروحي، ولهذا فإنه لم يصل في عمق النظرة النافذة ولا في الشعور إلى مثل ما وصل إليه ليوناردو أو ميكل أنجيلو، ولكن ما أصح وأسلم فنه إذا قورن بفنهما! فلسنا نرى فيه انهماكاً في التفكير الداخلي يفسده، كما لا نرى فيه ثورة عارمة على طبيعة العالم والإنسان. لقد قبل تيشيان العالم بالصورة التي رآه عليها، وأخذ الرجال كما وجدهم، والنساء كما وجدهن، واستمتع بكل أولئك. وكان وثنياً صريحاً، يتأمل بابتهاج بناء جسم المرأة طوال سنيه التسعين؛ وحتى عذاراه صحيحات الأجسام سعيدات صالحات للزواج؛ وقلما كان لما في الحياة من فقر، وحزن، واضطراب مكان في فن تيشيان، بل كل ما فيه جمال وبهجة إذا استثنينا قليلا من صور الشهداء والمسيح المصلوب.

وتقدمت به السن وهو يواصل عمله في الرسم، وعاش ربع قرن بعد أجل الناس المعتاد؛ وسافر إلى بريشيا وهو في الثامنة والثمانين من عمره، وقبل فيها مهمة شاقة هي نقش سقف قصر البلدية. ولما زاره فاساري وهو في سن التسعين وجده يعمل وفرشاته في يده. ورسم وهو في الواحدة والتسعين من عمره صورة لياقوبو دا استرادا Jacopo da Strada (توجد الآن في فينا) متلألئة الألوان قوية تكشف عن خلق الرجل. ولكن يده أخذت في آخر الأمر ترتعش، وضعفت عيناه، وأحس أن قد آن أوان التقى والصلاح. ورضى في عام 1576 وهو في التاسعة والتسعين من العمر أن يرسم صورة دفن المسيح لتوضع في كنيسة فيرارى Frari بدلاً من مدفن فيها، كانت له في صورتان من أعظم صوره. غير أنه لم يتم الصورة وتوفي وقد نقصت سنه سنة واحدة عن قرن كامل. وانتشر في ذلك العام وباء الطاعون في البندقية، وكان يودي كل يوم بحياة مائتين من أهلها، وهلك به ربع سكان المدينة. ومات تيشيان نفسه في أثناء الوباء، وأكبر الظن أنه لم يمت به، بل مات بضعف الشيخوخة (26 أغسطس سنة 1576). وألغت الحكومة أوامرها التي تحرم الاجتماعات العامة لكي تكون له جنازة سمية، ودفن في كنيسة سانتا ماريا جلوريوزا ده فيراري Santa Maria Gloriosa de Frari تنفيذا لرغبته. وكان موته خاتمة حياة عظيمة وعصر عجيب.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

السنوات الأخيرة

 
The Death of Actaeon. In Titian's later works, the forms lose their solidity and melt into the lush texture of shady, shimmering colors and unsettling atmospheric effects. In addition to energetic brushwork, Titian was said to put paint on with his fingers toward the completion of a painting.

 

العائلة

 
The Allegory of Age Governed by Prudence (c. 1565–1570) is thought to depict Titian, his son Orazio, and a young cousin, Marco Vecellio.


العصر الحديث

 
The Flaying of Marsyas, little known until recent decades, Gallery in Kroměříž - Czech Republic


أعماله

 
The Rape of Europa (1562) is a bold diagonal composition which was admired and copied by Rubens. In contrast to the clarity of Titian's early works, it is almost baroque in its blurred lines, swirling colors, and vibrant brushstrokes.

من أهم أعماله:

  • الحب المقدس والحب المدنس،
  • رفع السيدة مريم (1518، البندقية
  • فينوس أوربينو (1518-1519 م)،
  • عملية الدفن -السيد المسيح- (1523-1525 م، متحف اللوفر، باريس
  • الحورية والراعي (ح. 1570 م، فيينا)،
  • بييتا -صورة للسيدة العذراء تنتحِب فوق جسد المسيح- (البندقية).

انظر أيضا


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الهوامش

المصادر

ول ديورانت. قصة الحضارة. ترجمة بقيادة زكي نجيب محمود. Unknown parameter |coauthors= ignored (|author= suggested) (help)

  • Jaffé, David (ed), Titian, The National Gallery Company/Yale, London 2003, ISBN 1 857099036
  • Gould, Cecil, The Sixteenth Century Italian Schools, National Gallery Catalogues, London 1975, ISBN 0947645225
  • Landau, David, in Jane Martineau (ed), The Genius of Venice, 1500-1600, 1983, Royal Academy of Arts, London.
  • Penny, Nicholas, National Gallery Catalogues (new series): The Sixteenth Century Italian Paintings, Volume II, Venice 1540-1600, 2008, National Gallery Publications Ltd, ISBN 1857099133
  • Ridolfi, Carlo (1594–1658); The Life of Titian, translated by Julia Conaway Bondanella and Peter E. Bondanella, Penn State Press, 1996, ISBN 0271016272, 9780271016276 Google Books

وصلات خارجية

قالب:Titian

  فنانون من عصر النهضة
تيتيان | رفائيلو سانزيو | بوتيتشيلي | ليوناردو دا فنتشي | مايكل آنجلو | يان فان آيك | ألبرخت دورر | جيوفاني أنطونيو كانال | كارافاجيو