نظرية المجنون

(تم التحويل من Madman theory)
كانت نظرية الرجل المجنون جزءاً هاماً من السياسة الخارجية للرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون.

نظرية المجنون (Madman theory)، هي نظرية سياسية عادة ما ترتبط بالسياسة الخارجية للرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون وإدارته، الذي حاول إيهام قادة بلدان الكتلة الشيوعية المعادية بأن نكسون غير عقلاني ومتقلب المزاج حتى يتجنبوا استفزاز الولايات المتحدة خوفاً من رد فعل غير متوقع.[1]

تقوم نظرية المجنون على فكرة أن مظهر اللاعقلانية يجعل التهديدات التي تبدو غير ذات مصداقية تبدو ذات مصداقية. فعلى سبيل المثال، في عصر التدمير المؤكد المتبادل، قد تبدو تهديدات القائد العقلاني بتصعيد النزاع انتحارية، وبالتالي يسهل على الخصوم تجاهلها. ومع ذلك، قد تبدو التهديدات الانتحارية ذات مصداقية إذا اعتُقد أن القائد غير عقلاني.

أبدى علماء العلاقات الدولية شكوكهم في نظرية المجنون كاستراتيجية للنجاح في المساومة القسرية.[2][3]

فشل "المجانين" البارزون، مثل نكسون، نيكيتا خروشوڤ، صدام حسين، دونالد ترمپ، ومعمر القذافي، في كسب النزاعات القسرية.[4] وتكمن إحدى الصعوبات في إقناع الآخرين بأنك مجنون حقاً.[4] وهناك صعوبة أخرى هي عجز المجنون عن طمأنة الآخرين بأنهم لن يُعاقبوا إذا استجابوا لمطلب معين.[4] وجدت إحدى الدراسات أن نظرية المجنون غالباً ما تكون غير مثمرة، لكنها قد تكون فعالة في ظل ظروف معينة.[5] وجدت دراسة أخرى أن هناك مزايا وعيوباً في المساومة فيما يتعلق بالجنون المتصور.[6]

التاريخ

عام 1517، جادل نيكولو مكياڤلي بأن التظاهر بالجنون قد يكون أحياناً "أمراً حكيماً للغاية" (مقال في نقاشات حول ليڤي، الكتاب الثالث، الفصل الثاني). ومع ذلك، في كتاب حرب ڤيتنام في عهد نيكسون،[7] يجادل كيمبال بأن نيكسون توصل إلى الاستراتيجية بشكل مستقل، نتيجة للخبرة العملية وملاحظة تعامل دوايت أيزنهاور مع الحرب الكورية.[8][9]

في كتابه الصادر عام 1962 بعنوان التفكير في ما لا يمكن تصوره، جادل المستقبلي هرمان كان بأن "الظهور بمظهر مجنون قليلاً" قد يكون وسيلة فعالة لحث الخصم على التراجع.[10]

ريتشارد نيكسون

تم تنفيذ الإنذار السري "اختبار جاهزية هيئة الأركان المشتركة" في أكتوبر 1969 بتوجيه من الرئيس ريتشارد نيكسون (يسار) ومستشار الأمن القومي هنري كيسنجر (يمين).[11]

كتب كبير موظفي البيت الأبيض في عهد نيكسون، هاري هالدمان، أن نيكسون قد أسرّ إليه بما يلي:

أسميها نظرية الرجل المجنون يا بوب. أريد أن يصدق الڤيتناميون الشماليون أنني وصلت إلى مرحلة قد أفعل فيها أي شيء لوقف الحرب. سنُسرب إليهم رسالة مفادها: "أقسم بالله، أنتم تعلمون أن نيكسون مهووس بالشيوعية. لا نستطيع كبح جماحه عندما يغضب، ويده على الزر النووي"، وسيكون هو تشي منه نفسه في پاريس خلال يومين يتوسل من أجل السلام.[12]

في أكتوبر 1969، أشارت إدارة نيكسون إلى الاتحاد السوڤيتي بأن "الرجل المجنون أصبح طليقاً" عندما صدرت الأوامر للجيش الأمريكي (دون علم غالبية الشعب الأمريكي) بالاستعداد الكامل للحرب العالمية، وهو إنذار يُعرف "باختبار جاهزية هيئة الأركان المشتركة[11][13] والذي بلغ ذروته في "عملية الرمح العملاق" عندما حلقت ثمانية عشر قاذفة قنابل من طراز بي-52 مسلحة بأسلحة نووية حرارية في أنماط بالقرب من الحدود السوڤيتية لثلاثة أيام متتالية.[14] ومع ذلك، ووفقاً لوزارة الخارجية الأمريكية، فإن تفسيراً آخر هو أن اختبار جاهزية هيئة الأركان المشتركة قد أمر به نيكسون لردع ضربة نووية سوڤيتية مزمعة على جمهورية الصين الشعبية عام 1969.[11][13]

استخدمت الإدارة "استراتيجية الرجل المجنون" لإجبار حكومة ڤيتنام الشمالية على التفاوض لإنهاء حرب ڤيتنام.[15] في يوليو 1969 (وفقاً لتقرير وكالة المخابرات المركزية الذي رُفعت عنه السرية في فبراير 2018)، ربما يكون نيكسون قد اقترح على رئيس ڤيتنام الجنوبية وين ڤان ثيو أن المسارين اللذين كان يفكر فيهما هما إما خيار الأسلحة النووية أو تشكيل حكومة ائتلافية.[16] بحسب المؤرخ مايكل شيري، كان غزو كمبوديا عام 1970 جزءاً من استراتيجية لتحفيز المفاوضات.[17]

نيكيتا خروشوڤ

سعى رئيس الوزراء السوڤيتي نيكيتا خروشوڤ إلى تطوير صورة الرجل المجنون، وهو ما قبله صانعو السياسة الأمريكية إلى حد ما.[4] فعلى سبيل المثال، قال وزير الخارجية الأمريكي جون فوستر دلس أنه "يمكن توقع أن يرتكب خروشوڤ أعمالاً غير عقلانية" وأنه كان "عاطفياً بشكل أساسي".[4]

دونالد ترمپ

يعتبر البعض الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترمپ مثالاً حديثاً على استراتيجية الرجل المجنون.

وصف البعض سلوك الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترمپ تجاه الحلفاء والدول المعادية بأنه مثال على نظرية الرجل المجنون.[2][9][18] فعلى سبيل المثال، خلال مفاوضات إعادة التفاوض على اتفاقية التجارة الحرة الأمريكية الكورية الجنوبية، طلب ترمپ من المفاوضين التجاريين الأمريكيين تحذير الدبلوماسيين الكوريين الجنوبيين قائلاً: "إذا لم يقدموا التنازلات الآن، فسوف ينسحب هذا الرجل المجنون من الاتفاقية". وهو ما وصفه جوناثان سوان من أكسيوس بأنه نهج "مجنون" في العلاقات الدولية.[19] ارتبط تطبيق ترمپ لنظرية الرجل المجنون بالإفراج عن القس الأمريكي أندرو برونسون من الاحتجاز التركي عام 2018، بعد أن هدد ترمپ الاقتصاد التركي رداً على ذلك.[20]

جادل جوناثان ستيفنسون في نيويورك تايمز بأن استراتيجية ترمپ ربما كانت أقل فعالية من استراتيجية نيكسون لأن نيكسون حاول إعطاء انطباع بأنه "قد دُفع إلى أقصى حد، مما يوحي بأنه سيعود إلى رشده إذا استسلم السوڤيت والڤيتناميون الشماليون"، في حين أنه من غير المرجح أن تصدق حكومة كوريا الشمالية أن "ترمپ سيفعل الشيء نفسه" لأن تهديداته كانت "إجراءً تشغيلياً قياسياً"، وليست رد فعل عاطفياً مؤقتاً.[10] جادلت باحثة العلاقات الدولية روزان مكمانوس بأن تصريح ترمپ بأنه يعتمد على نظرية الرجل المجنون جعل النهج غير مثمر، لأنه كان يقوض الاعتقاد بأن "جنونه" حقيقي.[5]

أثناء حملة الانتخابات الرئاسية الأمريكية 2024، روّج ترمپ لنسخته من نظرية "الرجل المجنون" كاستراتيجية سيستخدمها ضد الصين لردع أي غزو أو حصار لتايوان، وضد روسيا للدفع نحو اتفاق سلام ينهي غزوها لأوكرانيا. كما صرّح ترمپ بأنه قد يستخدم التهديد بفرض تعريفات جمركية عالية لتحفيز إبرام اتفاقيات تجارية دون الدخول فعلياً في حروب تجارية، وأن التحذيرات بشأن تردد الولايات المتحدة في الدفاع عن أعضاء الناتو ستكون وسيلة لحث حلفاء الناتو على الاستثمار في دفاعاتهم.[20]

ڤلاديمير پوتن

أثناء الغزو الروسي لأوكرانيا 2022، تكهن العديد من الصحفيين بأن الرئيس الروسي ڤلاديمير پوتن كان يستخدم استراتيجية الرجل المجنون.

يُنسب مثال آخر لنظرية الرجل المجنون إلى الرئيس الروسي ڤلاديمير پوتن، لا سيما في الفترة التي سبقت غزو أوكرانيا عام 2022 وأثناءه. عام 2015، صرّح مارتن هلمان بأن "الأسلحة النووية هي الورقة الرابحة التي يملكها پوتن، وهو يستخدمها ليُظهر للعالم أن روسيا قوة عظمى، وليست مجرد قوة إقليمية". ويرى هلمان أن هذا الاستخدام لنظرية الرجل المجنون لم يستوعبه الغرب بشكل كافي.[21]

عام 2022، وقبل أيام من الغزو، جادل گدعون راكمان في صحيفة فايننشال تايمز بأن "ميل پوتن لنشر مقالات قومية مطولة" حول التاريخ الأوكراني والروسي، وخططه لإجراء مناورات نووية، وصورته المنعزلة و"تزايد انفصاله عن الواقع وشعوره بجنون العظمة" أثناء جائحة كوڤيد-19، قد يكون استخداماً لاستراتيجية الرجل المجنون. وذكر راكمان أن پوتن "قاسي ولا أخلاقي، لكنه أيضاً داهية وحريص. إنه يخاطر، لكنه ليس مجنوناً"، مقارناً تصرفات پوتن الأخيرة بتصرفاته "العقلانية" خلال العشرين عاماً الماضية. ومع ذلك، أشار راكمان أيضاً إلى أن "الخط الفاصل بين التصرف كالمجنون والجنون نفسه دقيق بشكل مثير للقلق".[22]

في الأيام الأولى للغزو، تكهّن پول تايلور من پوليتيكو بأن پوتن كان يستخدم استراتيجية "الرجل المجنون" بعد قراره وضع القوات النووية الروسية في حالة تأهب قصوى. وذكر تايلور أن پوتن كان يُظهر "سلوكاً مرضياً" من خلال "التأرجح بشكل حاد بين الانفتاح الظاهري على المفاوضات والغزو الشامل لأوكرانيا على أربع جبهات، مع تهديده للعالم بدمار شامل". كما أشار تايلور، في معرض حديثه عن خطاب پوتن التلفزيوني قبل الغزو، إلى أن "وصفه للقادة المنتخبين في أوكرانيا بأنهم مدمنون على المخدرات ونازيون جدد، أثار شكوكاً حتى بين الروس المؤيدين له حول حالته العقلية والصحية".[23]

بحث

انتقد العالم السياسي سكوت ساگان والمؤرخ جرمي سوري هذه النظرية ووصفوها بأنها "غير فعالة وخطيرة"، مستشهدين بالاعتقاد بأن الزعيم السوڤيتي ليونيد بريجنيڤ لم يفهم ما كان نيكسون يحاول إيصاله، واحتمالية وقوع حادث نتيجة لزيادة تحركات القوات الأمريكية.[24] وقد أشارت الانتقادات الموجهة إلى استخدام ترمپ المزعوم لهذه النظرية مع كوريا الشمالية بالمثل إلى أن احتمال وقوع حادث ناجم عن سلسلة الاختبارات الصاروخية الكورية الشمالية قد ازداد أيضاً.[24][10] جادل ستيفن والت بأنه لا يمكن العثور على سوى عدد قليل من الحالات الناجحة لنظرية الرجل المجنون في السجل التاريخي.[3] جادلت روزان مكمانوس بأن بعض أشكال "الجنون" يمكن أن تكون ميزة في المفاوضات، في حين أن أشكالاً أخرى منها تأتي بنتائج عكسية.[5] يشير جوشوا شوارتز إلى أنه إلى جانب أي ميزة قابلة للقياس في العلاقات الخارجية، فإن الجنون المتصور "ينطوي أيضاً على تكاليف محلية كبيرة من شأنها أن تقوض فعاليته".[25]

بحسب العالميين السياسيين صمويل سيتز وكايتلين تالمادج، "يُظهر السجل التاريخي، قبل رئاسة ترمپ وأثناءها، أن أساليب "الرجل المجنون" عادةً ما تفشل في تعزيز الردع أو توليد قوة تفاوضية". ويذكران ثلاثة أسباب رئيسية: أولها، أن الدول المستهدفة لا تستوعب الرسالة التي يعتقد "الرجل المجنون" أنه يوجهها؛ وثانيها، أن الدول المستهدفة لا ترى سلوك "الرجل المجنون" ذا مصداقية؛ وثالثها، أن الدول المستهدفة لا تستسلم "للرجل المجنون" حتى عندما تصدق خطابه، لأنه يُنظر إليه على أنه غير قادر على تقديم ضمانات موثوقة بشأن سلوكه المستقبلي.[2]

انظر أيضاً

الهوامش

  1. ^ Jacobson, Zachary Jonathan (2023). On Nixon's madness: an emotional history. Baltimore: Johns Hopkins University Press. ISBN 978-1-4214-4553-3.
  2. ^ أ ب ت Seitz, Samuel; Talmadge, Caitlin (2 July 2020). "The Predictable Hazards of Unpredictability: Why Madman Behavior Doesn't Work". The Washington Quarterly (in الإنجليزية). 43 (3): 31–46. doi:10.1080/0163660X.2020.1810424. ISSN 0163-660X. S2CID 221751754.
  3. ^ أ ب Walt, Stephen M. (16 August 2017). "Things Don't End Well for Madmen". Foreign Policy (in الإنجليزية الأمريكية). Retrieved 11 August 2023.
  4. ^ أ ب ت ث ج McManus, Roseanne (24 January 2025). "The Limits of Madman Theory | Foreign Affairs". Foreign Affairs (in الإنجليزية).
  5. ^ أ ب ت McManus, Roseanne W. (2019). "Revisiting the Madman Theory: Evaluating the Impact of Different Forms of Perceived Madness in Coercive Bargaining". Security Studies. 28 (5): 976–1009. doi:10.1080/09636412.2019.1662482. ISSN 0963-6412. S2CID 203470748.
  6. ^ Schwartz, Joshua A. (2023). "Madman or Mad Genius? The International Benefits and Domestic Costs of the Madman Strategy". Security Studies. 32 (2): 271–305. doi:10.1080/09636412.2023.2197619. hdl:1721.1/164175. ISSN 0963-6412.
  7. ^ Jeffrey Kimball (20 November 1998). Nixon's Vietnam War. Modern War Studies. University Press of Kansas. ISBN 9780700611904.
  8. ^ Welch, David A. (2005). Painful Choices: A Theory of Foreign Policy Change. Princeton University Press. p. 154. ISBN 9780691123400.
  9. ^ أ ب "Rex Tillerson's agonies". The Economist. 5 October 2017.
  10. ^ أ ب ت Stevenson, Jonathan (26 October 2017). "The Madness Behind Trump's 'Madman' Strategy". The New York Times. New York Times. Retrieved 26 October 2017.
  11. ^ أ ب ت "Foreign Relations of the United States, 1969–1976, Volume XXXIV, National Security Policy, 1969–1972: 59. Editorial Note". United States Department of State (in الإنجليزية). 2011. Archived from the original on 17 December 2024.
  12. ^ Haldeman, H. R. (1978). The Ends of Power. Times Books. p. 122. ISBN 9780812907247.
  13. ^ أ ب Aftergood, Steven (25 October 2011). "Purpose of 1969 Nuclear Alert Remains a Mystery". Federation of American Scientists (in الإنجليزية الأمريكية). Archived from the original on 12 September 2024.
  14. ^ Carroll, James (14 June 2005). "Nixon's madman strategy". The Boston Globe. Archived from the original on 16 January 2006. Retrieved 1 April 2007.
  15. ^ Schulzinger, Robert D. (2002). U.S. Diplomacy Since 1900. Oxford University Press US. p. 303. ISBN 9780195142211.
  16. ^ Jeffrey Kimball and William Burr, ed. (20 February 2018). "Nixon, Thieu, and the Bomb: CIA Report Sheds Light on Richard Nixon's Madman Diplomacy". National Security Archive.
  17. ^ Sherry, Michael S. (1995). In the Shadow of War: The United States Since the 1930s. Yale University Press. p. 312. ISBN 0-300-07263-5.
  18. ^ Naftali, Tim (4 October 2017). "The Problem With Trump's Madman Theory". The Atlantic. Retrieved 8 October 2017.
  19. ^ Swan, Jonathan (October 2017). "Scoop: Trump urges staff to portray him as "crazy guy"". Axios (in الإنجليزية). Retrieved 14 February 2022.
  20. ^ أ ب Lawler, Dave (26 October 2024). "Trump's "I'm f***ing crazy" foreign policy"". Axios (in الإنجليزية). Retrieved 6 November 2024.
  21. ^ Braw, Elisabeth (4 January 2015). "Putin is 'Playing the Madman' to Trick the West". Newsweek. Retrieved 28 February 2022.
  22. ^ Rachman, Gideon (7 February 2022). "Putin, Ukraine and the madman theory of diplomacy". Financial Times. Retrieved 28 February 2022.
  23. ^ Taylor, Paul (27 February 2022). "Inside Vladimir Putin's head". Politico. Retrieved 28 February 2022.
  24. ^ أ ب Coll, Steve (24 September 2017). "The Madman Theory of North Korea". The New Yorker. Retrieved 8 October 2017.
  25. ^ Schwartz, Joshua A. (15 March 2023). "Madman or Mad Genius? The International Benefits and Domestic Costs of the Madman Strategy". Security Studies (in الإنجليزية). 32 (2): 271–305. doi:10.1080/09636412.2023.2197619. hdl:1721.1/164175. ISSN 0963-6412.

المراجع