تثبت (أحياء)

التثبّت Fixation صفة مميزة لبعض الكائنات الحية مرتبطة بها ارتباطاً وثيقاً. وله نمطان: أحدهما في عالم النبات وثانيهما في عالم الحيوان.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

تثبّت النباتات

تعيش معظم النباتات متثبتة في التربة، أو على أي ركيزة أخرى. ويتم ذلك بوساطة أجهزة تثبيت مختلفة، غالباً ما تضمن، علاوة على التثبيت، تزويد النبات بما يحتاج إليه من الماء والأملاح المعدنية. وتستخدم أجهزة التثبيت أعضاء ادخارٍ أحياناً (الجذور الدرنية).

وتتثبت النباتات اللازهرية Cryptogames، كالطحالب Algues والفطور والأشن Lichens والحزاز Mousses بوساطة جذيرات Rhizoides كما في طحلب الكُلِرْبَه Caulerpa أو تتثبت بوساطة جذور عارضة سرخس لسان الأقصى أو أقراص مُثَبِّتَة (كما في السَرْغَسْم Sargassum).

أما النباتات الزهرية phanerogames فتتثبت بوساطة جذور متنوعة، وتدية أو ليفية أو درنية. وعندما تكون سوق هذه النباتات لينة، فإنها تتسلق بوساطة جذور قصيرة تنشب فروعها التي تسمى الأظافِر في الدعامة المتاحة، كما حبل المساكين أو اللبلاب Hedera، أو بوساطة حوالق كما في الكرمة.

أما النباتات غير المتثبتة فتكون إما مجهرية تعيش معلقة في المياه، وتدعى العوالق النباتية phytoplanctons (كالمشطورات Diatomees والفرطيات peridiniens) أو تكون طافية (كعدس الماء الذي ينتمي إلى عدسيات الماء Lemnacees).


تثبّت الحيوانات

إذا كان التثبّت ضرورياً لأغلب النباتات، فإنه ليس كذلك للحيوانات، التي نادراً ما تعتمد حياتها على التثبّت. وتنتمي بعض الحيوانات التي تحتاج إلى التثبّت، إلى زمر دنيا، كالحيوانات الأوالي (بعض السوطيات المطوَّقَة Choano phlagelles والهبيات Cilies والشمسيات Heliopoaires) والإسفنجيات التي تعيش كلها ملتصقة بالصخور القاعية. كما تعتمد كثير من اللاسعات Cnidaires (كالمرجانيات) إلى التثبت بصخور القاع البحري بوساطة جذور هدرية (كما في الأوبيلية Obelia) أو بوساطة استطالات تدعى أراد stolones (كما في الكُرْنُلارْيَه Cornularia) أو بأقراص قاعدية (مثل شُقَّار البحر Anemon) أو بوساطة أقلام (مثل ريشة البحر Penatula).

وأمّا عضديات الأرجل Brachiopodes فتتثبت بوساطة رجيلة لحمية. كما تعيش خارجيات الشرج Ectoproctes والفورونيدات phoronides في أنابيب أو أغلفة تختلف طبيعتها حسب الأنواع، منها كلسية أو غشائية أو مخاطية. كذلك تتثبت بعض شوكيات الجلد Echinodermes بوساطة سويقة أو ذؤابات أو بهما معاً (الزنبقيات Crinoides). ويتثبت كثير من أنواع الحلقيات[ر]، في أنابيب كلسية (السَرْبُول Serpul) أو طينية على هيئة حرف U (القولون الرملي Arenicola). وتعيش بعض أنواع الرخويات متثبتة لتتمكن من مقاومة الأمواج البحرية التي تهدد باقتلاعها وجرفها كالبطلينوسات Patelles (من بطنيات القدم Gasteropodes) والخيتونات chitons (من مزدوجات الأعصاب Amphineura) وبلوط البحر Balane (من مجراثيات القدم Pelecypodes). وهناك أيضاً بعض القشريات التي تعيش متثبتة: إما لاطئة كالبَلانوس Balanus، أو تتثبت بسويقة كالأَطُومات Lepas (وكلاهما من هدبيّات الأرجل Cirripeds).

أما الحيوانات الأرقى فيعيش بعضها متثبتاً بصورة دائمة، كما هي في الكأسيات Ascidies من الجيليات Cordes، يتثبت بعضها الآخر مؤقتاً بوساطة محاجم خاصة، مثل بعض الضفادع والجلكا Lamproie التي تتثبت في مواقع الشلالات أو السيول السريعة.

أما الحيوانات المتطفلة فمنها ما يتثبت بوساطة محاجم أو أقراص لاصقة (كالمثقوبات Trematodes والديدان المنبسطة Nematodes)، ويلجأ بعضها إلى التعلق المؤقت بوساطة أرجل متحورة تمكنها من التشبث بمواقعها (كالقمل)، أو تتثبت بوساطة سويقة قصيرة (كما هي الحال في القشريات الطفيلية Sacculines من هدبيات الأرجل التي تتطفل على بعض السراطين).

تقتضي حياة التثبت الحيواني أمرين اثنين: الأول توافر العناصر اللازمة للحياة، كالعناصر المغذية والغازات المنحلة والأملاح المعدنية، وأحياناً الأعراس، في الوسط الذي يعيش فيه الحيوان المتثبت. والأمر الثاني هو تمكن الحيوان المتثبت من استغلال الوسط والحصول منه على ما يحتاج إليه، لذلك يكون الحيوان مجهزاً إما بأهداب أو سياط أو مجسات أو أذرع أو ممصات، وفوهة أو عدة فوهات لدخول الماء وأخرى لخروجه. وتولد الأعضاء المذكورة عادة تياراً مغذياً مستمراً حول جسم الحيوان المتثبت. وتمنح الحياةُ المتثبتة بعضَ الزمر أحياناً تشابهاً واضحاً في الهيئة كحالة التشابه الملاحظ بين مستعمرات بعض اللاسعات ومستعمرات خارجيات الشرج، إذ يصير تشريح تلك الحيوانات ضرورياً للتمييز بين الزمرتين.

وتُنَشِّط الحياة المتثبتة التكاثر اللاجنسي، الذي يؤدي إلى تكوين المستعمرات، كما هو الحال في مستعمرات الإسفنجيات وبعض اللاسعات وخارجيات الشرج والكأسيات، إذ تكون أفرادها متجاورة ومتطاولة. كما تؤدي حياة التثبت أحياناً إلى تراجع واضح في تَعَضّي الحيوانات المتثبتة بالمقارنة مع الأنماط الحرة، مثل اختفاء الأطراف البطنية وتقطّع بعض القشريات Crustaces (هدبيات الأرجل المتثبتة)، وبساطة الأرجل الجانبية في الحلقيات ساكنات الأنابيب Tubicoles وتحولها إلى حُوَيّات مزودة بعقائف أو كلاليب كيتينية تضمن تثبيت الحيوان في أنبوبه وتنقله فيه.

ويعد اختفاء التشابه الظاهري بين بعض الحيوانات المتثبتة وأسلافها القريبة أمراً في غاية الأهمية لعلماء الحيوان. فالكأسيات مثلاً تفقد كل منطقتها الذنبية في أثناء الاستحالة التي تطرأ عليها بعد التثبت، ولا يبقى لها في الحالة المكتملة أي علاقة ظاهرة بالحبليات، ويكاد لا يُعرف انتماء هذه الحيوانات إلى الحبليات إلا بعد دراسة دورة حياتها. ويلاحظ الأمر نفسه لدى هدبيات الأرجل فإن دراسة دورة حياتها وحدها هي التي سمحت بتعيين موقعها الحقيقي في سلم التصنيف الحيواني الذي يؤكد انتماءها إلى القشريات لا إلى الرخويات، إذ إن يرقتها تماثل يرقة القشريات، إلا أنها تفقد مظهرها القشري الواضح بعد تثبتها واستحالتها.

ومازال أصل التثبت وسببه غير محددين، ولكن يبدو أن الأنماط المتثبتة تنحدر من أسلاف حرة.


المصادر

عيسى العسافين. "تثبّت الكائنات الحية". الموسوعة العربية.