بجكم

أبو الحسين بجكم المكاني، ويشار إليه بالاسم بجكم (من Bäčkäm، وهي كلمة فارسية وتركية تعني ذيل الحصان أو ذيل الياك[1]؛ توفي 21 أبريل 941)، هو قائد عسكري توركي وأمير الأمراء في عهد الخلافة العباسية. كغلام سابق للزياريين، دخل بجكم في خدمة العباسيين في أعقاب اغتيال الحاكم الزياري مرداویج‎‎ عام 935. أثناء الخمس سنوات التي قضاها في بلاد الخلافة ببغداد، مُنح لقب أمير الأمراء، مما عزز هيمنته على الخليفة الراضي والمتقي ومنحه سلطة مطلقة على أملاكهم. أثناء حكمه واجه بجكم تحديات من مختلف منافسيه، ومنهم سلفه، أمير الأمراء السابق ابن رائق، من بريديي البصرة، وبويهيو إيران، لكنه نجح في إحكام سيطرته حتى وفاته. قتله مجموعة من الأكراد أثناء رحلة صيد عام 941، بعد فترة وجيزة من تنصيب المتقي كخليفة. اشتهر بجكم بحكمه الصارم ورعايته لمفكري بغداد، الذين كانوا يحترمونه وفي بعض الحالات يناصرونه. أدت وفاته إلى إلغاء السلطة المركزية، مما أسفر عن فترة وجيزة من عدم الاستقرار والقتال في بغداد.

أبو الحسين بجكم المكاني
Dirham of al-Muttaqi.jpg
درهم فضي من سنة 329 هـ (940/941 م)، بإسمي الخليفة المتقي وبجكم
أمير الأمراء في الخلافة العباسية
في المنصب
سبتمبر 938 – 21 أبريل 941
العاهلالراضي، المتقي
سبقهمحمد بن رائق
خلـَفهكورانكيج
تفاصيل شخصية
توفي21 أبريل 941

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

بداية حياته العسكرية والخدمة تحت إمرة ابن رائق

تفاصيل الحياة المبكرة لبجكم غير معروفة. كان أحد الغلمان (العبيد العسكريين، وعادة ما يكونوا من أصل توركي) التابعين لأمير الحرب الديلمي ماكان بن كاكي شمال إيران. اعتنى ماكان بتدريب بجكم وتعليمه، الجميل الذي اعترف به بجكم باتخاذه لقب راعيه نسيبة.[1] بعد ماكان، دخل بجكم في خدمة مرداویج‎‎، مؤسس الأسرة الزيارية، التي حكم ديلم وإقليم الجبال وطبرستان.[1] أساء مرداويج معاملة غلامه، الذي لاقى حتفه في النهاية في إصفهان، يناير 935، الحادث الذي كان فيه شبهة تواطؤ من جانب بجكم.[1][2] بعد وفاة مرداويج، تشتت معظم الغلمان الذين كانوا في خدمة الزياريين. قام بجكم وتابعه توزون بقيادة مجموعة ضخمة، بعد أول عرض تلقوه لخدمة الحاكم الجديد لإقليم الجبال، حسن بن هارون، تقدما للبلاط العباسي في بغداد.[1][3] في البداية، رُفض عرضهم من قبل البلاط، حيث شعر حرس الخليفة بالغيرة من صلاحياتهم، لكن في النهاية دخل الغلمان في خدمة محمد ابن رائق، حاكم البصرة وواسط بجنوب العراق. بعد أن أصبح يُعرف باسم بجكم الرقائقي، شكل بجكم قوة عسكرية ضخمة تحت قيادته تتألف من تابعيه فضلاً عن أفراد تورك آخرين استدعاهم الدلايمة من إقليم الجبال.[1]

في أوائل نوفمبر 936، الخليفة الراضي (حكم 934-340) منح ابن رائق لقب أمير الأمراء حديث النشأة، مما منحه سلطة مطلقة على الخلافة. أثار هذا ردود أفعال مختلفة من حكام المقاطعات فضلاً عن الجماعات المتطلعة للسلطة في بغداد نفسها، مثل حرس الخليفة. ضدهم، استعان ابن رائق ببجكم ومناصريه التورك. بمساعدتهم، تمكن من تحييد وحدات حرس حجري وساجي، بعد ذلك، في فبراير 937، تقلد بجكم منصب صاحب الشرطة وحاكم المقاطعات الشرقية.[1][4]


طالت الحرب التي كانت صعبة للغاية ضد حاكم الأحواز الطموح، أبو عبد الله البريدي، الذي كان يهدف إلى استبدال ابن رائق.[1] كانت عائلة البريدي من أصل بصري، وخدموا العباسيين في عدة مناصب قبل أن يتمكنوا من إحكام سيطرتهم على خوزستان.[2] هُزم محمد بن رائق وأجبر على ترك مدينة البصرة لعائلة البريدي، لكن بجكم أنقذ الموقف بتسجيله انتصارين كبيرين، إضافة إلى تفوق جيشه بالعدد ما سمح له بالاستيلاء على خوزستان. مما دفع البريدي الذي تعرض لضغوط شديدة إلى اللجوء إلى جاره القوي حاكم فارس علي بن بويه، طلباً للمساعدة. شقيق علي أحمد سرعان ما استولى على خوزستان، واضطر بن رائق إلى عرض ملكية المقاطعة كقطاع مستقل إذا استعادها بجكم. لكن بجكم ارتد خائباً بعدما صدته القوات البويهية، وعاد إلى مدينة واسط.[1][2]

تجاهل بجكم أوامر بن رائق لاستعادة خوزستان، حيث بقي في واسط، وبدأ بالتآمر على خلع محمد بن رائق نفسه. ومن أجل تحقيق هذه الغاية، بدأ بجكم في البحث عن حلفاء: حيث عرض على البريديين حكم ولاية واسط. ومن خلال الوزير السابق ابن مقلة، الذي كان يرغب في الانتقام من محمد بن رائق لسقوطه ومصادرة ممتلكاته، حصل بجكم على دعم سري من الخليفة الراضي نفسه. [1][5] In وفي سبتمبر 938م، قاد بجكم قواته من واسط إلى بغداد. حاول محمد بن رائق دون جدوى إعاقة تقدمه من خلال تدمير السدود الكبرى على قناة النهروان وإغراق السهل، لكن جيش بجكم دخل العاصمة العباسية دون مقاومة، وقام الراضي على الفور بنقل لقب أمير الأمراء من محمد بن رائق لبجكم.[1][4]


أمير الأمراء

 
خريطة العراق في القرنين التاسع والعاشر الميلاديين

على الرغم من استمرار تراجع دور الخليفة الراضي إلى منصب شرفي لا أكثر، إلا أن العلاقة بينه وبين بجكم كانت قوية، حيث امتدح الراضي بجكم على انضباطه القاسي، بينما اعتبر بجكم نفسه "ربيباً" للخليفة. وكان الراضي يقدر احترام بجكم لمنصبه كخليفة، ووعده بدعمه الدائم لـ أمير الأمراء.[5]

وفي أكتوبر-نوفمبر 938، شن بجكم والخليفة حملة ضد أمير الموصل الحمداني المؤثر، ناصر الدولة الحسن بن عبد الله, الذي استغل الاضطرابات في العراق لوقف تحويل عائدات محافظته إلى بغداد. على الرغم من أن جيش بجكم استولى على الموصل، إلا أن الحسن تمكن من الهرب، حيث لحقته قوات بجكم دون جدوى. في غضون ذلك، استاء السكان المحليون من وجود قوات الخليفة وشنوا حرب عصابات ضدها، بينما استغل محمد ابن رائق غياب بجكم وسيطر على بغداد على رأس قوة من القرامطة. فأجبرت هذه التطورات بجكم على التفاوض مع منافسيه: حيث أعاد الحمدانيين إلى محافظتهم الموصل مقابل سداد الضرائب المتأخرة، وتم الصلح مع محمد بن رائق بعد منحه ولاية ديار مضر، طارق الفرات، قنسرين، والعواصم بواسطة الإخشيديون في مصر.سمح هذا الترتيب لبجكم والخليفة بالعودة إلى بغداد في فبراير 939. [1][6]

بعد أن عزز سيطرته على بغداد، تحول بجكم لمواجهة التهديد الذي يشكله البويهيين. ولهذه الغاية، عزز علاقاته مع عائلة البريدي في البصرة، من خلال تسليم واسط، كما تم الاتفاق مسبقًا، وتعيين أبو عبد الله البريدي وزيراً للمحكمة العباسية (على الرغم من بقاء الأخير في واسط دون زيارة بغداد)، وأخيراً بزواجه من إحدى بنات البريدي.[1] كان نجاح بجكم ضد البويهيين متفاوتًا: من جهة تم إنقاذ واسط من هجوم البويهيين، وقاد البريديين حملة ناجحة في سوسيانا، ولكن تم سحق حملة استكشافية في إقليم الجبال على يد الأخ البويهي الثالث ركن الدولة حسن.[1] وسرعان ما توتر التحالف بين بجكم والبريدي، الذي كان لا يزال محافظًا على طموحه في استبدال بجكم، وكان بجكم على علم بذلك. في أواخر أغسطس 940، قام بجكم بإزالة البريدي من الوزارة وشن هجومًا على واسط، التي هجرها البريديون دون مقاومة.[1] في غضون ذلك، كانت بغداد في حالة اضطراب حيث أصبح العنف الديني شائعًا، وفرض المتعصبون من المذهب الحنبلي مبادئهم على عامة الناس. [7]

وفي ديسمبر 940، توفي الخليفة الراضي.[1][8] بقي بجكم في واسط، لكنه أرسل مندوباً عنه إلى بغداد لعقد مجلس من الأرستقراطيين العباسيين، الذين اختاروا المتقي (حكم 940-944)، شقيق الراضي، كخليفة.[9] كما أرسل بجكم عبدًا يُدعى تاكينك إلى قصر الخليفة الراحل، دار السلطان، لشراء أشياء مختلفة، بما في ذلك لؤلؤة اليتيمة الثمينة.[8][10] كما حصل على ثلاث جاريات من قصر الراضي، يتذكر غنائهن من زياراته السابقة للخليفة.[8]

ومن بين الإجراءات الأولى التي قام بها المتقي كخليفة كان تثبيت بجكم كـأمير الأمراء. على الرغم من مواجهة بجكم معارضة بين حكام المحافظات شبه المستقلة، بمن فيهم البريدي.[9]

مصرعه والفوضى التي تلت ذلك

بدأ بجكم حملة ضد البريدي في أوائل ربيع 941. حيث هُزم قادته في البداية على يد البريديين ، وعندها غادر بجكم واسط ليدخل المعركة بنفسه. لكن في طريقه للانضمام إلى جيشه، أُبلغ أن جنرالاته قد حققوا انتصارًا كبيرًا على البريديين ، فقرر العودة إلى واسط. في 21 أبريل 941 ، شارك في رحلة صيد، واجه خلالها هو ومجموعته عن غير قصد عصابة من قطاع الطرق الأكراد. وبعد مناوشات قصيرة، قُتل بجكم بعد أن طعنه أحد الأكراد برمح في ظهره.[1][9]

خلقت وفاة بجكم غير المتوقعة فراغًا في السلطة في بغداد، حيث دفعت الخلافات بين الديلاميين والقوات التركية إلى انضمام الديلاميين إلى البريدي المهزوم. [9] وبمساعدتهم، زحف البريدي إلى واسط وبغداد، واحتلهما، لكنه سرعان ما أجبر على الفرار بسبب الفوضى التي أعقبت اغتصابه للسلطة. ليحل محله زعيم ديلمي يُدعى كورانكيج كحاكم "فعلي" لبغداد، لكنه فرض حكمًا مستبدًا، فناشد المتقي أمير الأمراء السابق محمد بن رائق للمساعدة.[9]

وسرعان ما استعاد ابن رائق السيطرة على بغداد، لكن الاضطرابات السياسية لم تتوقف مع إعادة تنصيبه في منصب أمير الأمراء. مرة أخرى، استولى البريدي على المدينة، وهرب ابن رائق مع الخليفة إلى الموصل، حيث أطلق الحكام الحمدانيون محاولة ناجحة للقبض عليهما. بعد أن أمر الأمير الحمداني حسن، باغتيال ابن رائق، أصبح أمير الأمراء وأعطي لقب ناصر الدولة ("المدافع عن السلالة"). في عام 943 ، أُجبر الحمدانيون على التراجع إلى الموصل عندما استولى توزون ، أحد ضباط بجكم، على السلطة بدعم عسكري. في العام التالي، قبض توزون على المتقي وعزله، وتولى منصب أمير الأمراء. وتم تعيين شقيق الخليفة، المستكفي (حكم 944-946) خلفًا له. وانتهت المنافسة على حكم الخليفة عام 945 م، عندما تولى البويهي أحمد منصب أمير الأمراء بلقب معز الدولة. وبدأت فترة السيطرة البويهية بلا منازع على بغداد والعراق، والتي استمرت حتى الفتح السلجوقي في الخمسينيات من القرن العاشر. .[11]

شخصيته

على الرغم من أصله العبد، تلقى بجكم تعليمه باللغة العربية (على الرغم من أنه لم يتحدث بها كما قيل خوفًا من ارتكاب الأخطاء)، وكان يحترمه المثقفون وكان معروفًا أنه يبحث عن رفقة رجال مثل أبو بكر الصولي والطبيب سنان بن ثابت. وفي كتاباتهم، توجد لمحات من شخصيته. وبحسب الباحث ماريوس كانار، فإن بجكام كان "طامعًا في السلطة والمال، ولم يتردد في اللجوء إلى الإخفاء والخداع والفساد والتعذيب لتحقيق غاياته؛ وكان في بعض الأحيان قاسياً، رغم أن شجاعته أسطورية، وكان أكثر استقامة في الأخلاق من ابن رائق" . كما حرص بجكم أيضًا على رفاهية رعاياه ، ولا سيما سكان واسط الذين كانوا يعتزون بذكراه.[1]

الهامش

  1. ^ أ ب ت ث ج ح خ د ذ ر ز س ش ص ض ط ظ ع Canard (1986), pp. 866–867
  2. ^ أ ب ت Nagel (1990), pp. 578–586
  3. ^ Busse (1975), p. 256
  4. ^ أ ب Muir (1924), p. 569
  5. ^ أ ب Mottahedeh (2001), p. 92
  6. ^ Muir (1924), pp. 569–570
  7. ^ Muir (1924), pp. 570–571
  8. ^ أ ب ت Qaddūmī (1996), p. 191
  9. ^ أ ب ت ث ج Muir (1924), p. 572
  10. ^ Shalem (1997), p. 43
  11. ^ Muir (1924), pp. 572–580

المصادر

  • Busse, Heribert (1975). "Iran under the Būyids". In R.N. Frye (ed.). The Cambridge History of Iran, Volume 4: From the Arab Invasion to the Saljuqs. Cambridge: Cambridge University Press. pp. 250–304.
  • Canard, Marius (1986). "Badjkam". The Encyclopedia of Islam, New Edition, Volume I: A–B. Leiden and New York: BRILL. pp. 866–867. ISBN 90-04-08114-3. More than one of |encyclopedia= and |encyclopedia= specified (help)
  • Muir, William (1924). The Caliphate: Its Rise, Decline, and Fall. Edinburgh: John Grant.
  • Mottahedeh, Roy P. (2001). Loyalty and leadership in an early Islamic society (Revised ed.). London [u.a.]: Tauris. ISBN 1860641814.
  • Nagel, Tilman (1990). "Buyids". Encyclopaedia Iranica, Vol. IV, Fasc. 6. Iranica Online. pp. 578–586. Retrieved 27 October 2012. More than one of |encyclopedia= and |encyclopedia= specified (help)
  • Qaddūmī, Ghādah Hijjāwī (1996). Book of Gifts and Rarities: Kitāb al-hadāyā wa al-tuạf. Forewords by Oleg Grabar and Annemarie Schimmel. Cambridge, Mass.: Harvard University Press. ISBN 0932885136.
  • Shalem, Avinoam (1997). "Jewels and Journeys: The Case of the Medieval Gemstone Called al-Yatima". Muqarnas. XIV. Retrieved 27 October 2012.
سبقه
محمد بن رائق
أمير الأمراء في الخلافة العباسية
سبتمبر 938 – 21 أبريل 941
تبعه
Kurankij